Daily Archives: مايو 29, 2011

بانتظار الأمل(( رواية لزاهية بنت البحر)64

0

تتنفس أم عادل بصعوبة.. ملء المدى خوفها.. متمكن من أعماقها.. رعشة عُظمى  تحتل كيانها المتهالك انهزاما.. ترجو الله ألا يطيب لجنونها المقام بين شغافها.. كتمت عن آذان الحضور بحرا ملتهبا من الآهات الحرة تطوف أمواجه بين شطآن قلبها هادرة.. منذرة بما تخشاه.. ما عادت تحس بندى الحلم الشذي فوق جبين الوعد.. جف جلده ويبس.. بات محفوفا بأشواك الخداع.. ممهورا بالحرمان.. منقوشا بالبؤس..

مسامات جسمها المجعد  تنزف عرق الحزن ملحا.. تدلقه عيناها دمعا.. تستنشقه رئتاها غبارا..

–       هاشم.. كأس الفرح بات سما.. لا تجرعني الموت قهرًا.. اسمع نواح الروح.. لا يمكن أن تكون قاتلي..

  تمسك بيدي سراب وقد جلست خلفها تهدهدها على صدرها بحنان.. بل تهدهد هاشم بسراب.. أتراها تودع الحياة بوداع الأمل للقاء هاشم هناك خجلة منه،  فقد عجزت عن تحقيق أمنيته بحفيد يحمل اسمه.. حاولت كثيرا لكنها لم تستطع.. بأي عين ستنظر إليه؟

.. سراب تستغيث بالله.. عادل يحار.. يعجز عن التفكير.. يطلب من الطبيب مساعدة زوجته حسب مقدرته.. يصر الطبيب على موقفه.. يغادر البيت موقعا محضر الجلسة ( بآسف). تصرخ إحدى النسوة:

 –  اسقوها مغلي الكراوية ، لقد ساعد في تيسير ولادة حسيبة عامر..

تهرع درة إلى الداية أم عثمان، وإلى الداية أم أحمد بلقيس تطلب منهما مساعدة سراب..

–  كنتما لنسوة الجزيرة وجهَي خير.. قل من تعسرت ولادتها عندكن.. أنقذا هاشم وسراب أقبل أيديكما..

 تعتذران فالوضع يحتاج  إلى مستشفى مجهزة بغرفة عمليات خاصة للولادة لإنقاذ سراب والجنين.. الوضع مخيف. تزداد قلقا وهي تعود إلى البيت مهرولة.

نظرت إلى السماء مبتهلة بحرقة عسى الله يدحر الغمة، ويبعث الروح في الحلم المرتقب، فتكبر نزعة الأمل وتشب فوق الحصار.. تعرِّش سنديانة عصية على معاول اليأس وفؤوس الانهزام .. فوق أغصانها تشقشق العصافير ، وتهدل اليمامات فوق أشجار الكباد والنارنج  تهدي صغارها تباشير الفرح.. وعلى حبات التوت و سنابل القمح تشرق الشمس دافئة تقبل وجناتها بالمحبة والعطاء.

كبر الحلم بهاشم.. تطاول كثيرا مادًا رأسه فوق النجوم.. أتراه يسقط فوق الأرض مهشما؟

لم يعد يهمها اليوم إن كان في رحم سراب هاشم أو أنثى.. أقسمت أنها ستسميها أمل إن جاءت فتاة، فقط تريدها أن تلد بالسلامة.

–         يارب لا اعتراض على ماتشاء.. اجبر كسرنا.. أنقذنا من همٍّ عظيم.

       أيقنت درة بعد مشيب أنها قربان الهم لقلبها المجروح المتفرد بالحزن على مدى حياتها التي ظلت تقتات من أناتها صمتا وآها.

بخفق قلبها الملتاع تبحث عن شيء عن لاشيء عن بصيص ضوء ولو كان بعيدا.. بعيدا علها تجد فيه مخلصا يعيد لها رمق الرضا.. بهجة الوعد.. صدق الأمل..

تحس بارتعاش يد سراب الساخنة.. تبحث عن علية بين النسوة الباكيات.. لاتجدها بينهن.. تسأل عنها بنظرة عينين تورمتا من لسع الدموع. تناديها سراب

–         امرأة عمي .. سامحيني إن صدر مني يوما شيء أزعجك .

–         بل أنت سامحيني ياحبيبة..

تصرخ علية التي كانت للتو قد دخلت الغرفة فسمعت ماقالتا:

–         ماهذا الكلام، لاأحب سماعه منكما.. ستلدين ياسراب بخير بإذن الله.

–         سامحيني ياأمي.. إني  أموت.. سأموت ياأمي..

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)63

0

 

هذه المرة قررت القابلة البقاء قرب سراب خشية المفاجآت رغم أنها لم تحدد وقتا معينا لقدوم الوليد.

جاءت وجيهة بفرحة عارمة لاستقبال سمي والدها، كما وصلت إلى البيت أم أحمد بمساعدة لمى، فوجدت عند أم عادل شيماء الرابح، ورضوى، وفكيرة وبعض الجارات المقربات اللواتي سعدن بدعوتهن لحضور هذا الحدث الجميل.
تحلَّقت النسوة حول سراب كأنَّهنَّ أشباح سود، وهي ممدَّدة فوق فراش أزرق وسط الغرفة التي فرشت بالسجاد الأحمر، ورحن يتجاذبن أطراف الحديث لمؤانستها والتَّخفيف عنها مما تلاقيه من آلام المخاض.
سراب تتالم .. تصرخ.. تضع يدها على بطنها وتقرأ(اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا)..

تقترب منها أمها وتقرأ المعوذتين والفاتحة، بينما كانت النسوة يتحدثن وهن يتسلين بما قدمته لهن وجيهة من ضيافة..

تجلس القابلة قرب  سراب تفحصها بين وقت وآخر.. وسراب لايعلم بحالها إلا خالقها.. تقرأ ويدها فوق بطنها(- يا خالق النفس من النفس يا مخلص النفس من النفس يا مخرج النفس من النفس خلصني

 تناديها إحداهن وهي تلوك قطعة من الحلوى:

–          ساعدي ولدك يا سراب، مسكين هو في ضيق أكثر منك.. ..

 تقرأ سراب بتوجع:

 ( – اللهم يا مسهل الشديد، وياملين الحديد، ويامن هو كل يوم في أمر جديد، أخرجني من حلق الضيق إلى أوسع الطريق، بك ادفع ما أطيق ومالا أطيق، وصلَّ الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم )
في هذه الليلة كان الجو بارداً، والريح تعصف بجنون، وغيوم داكنة تسقط أحمالها مطرا غزيرا بفواصل زمنية تكاد تكون متشابكة، بينما كان ارتفاع الأمواج يزداد علواً كلَّما اشتدت الريح عصفاً وسراب صراخا.
ظل عادل واقفا خارج الغرفة خلف الباب قلقاً، لم يثنه تساقط المطرعن إصراره  في الوقوف قرب الباب، وكلَّما كان يأتيه صوت سراب بالصراخ يقرع الباب ويسأل عن حالها.
اتَّسع الليل لسماع روايات النسوة عن ولادات كل واحدة منهن بالتَّفصيل الممل، وسراب تلوب من الألم ودموعها تغسل وجنتيها، تتخبَّط فوق الفراش.. تستنجد بالله، وهاشم مازال في دور الظَّلام، عاصفة تزأر في الخارج، وغزالة تتلوَّى في داخل الغرفة، وجنين يدافع كي يرى النور.
طلق بارد.. صراخ حاد.. نسوة يسبحن الله، طفل يكاد يختنق، وسراب في وضع لايبشر بالخير.
رحل الليل وما رحل الألم، والعاصفة تضرب شواطئ الجزيرة بوحشيَّة مفرطة.
تعسَّرت الولادة، وأعلنت القابلة عجزها في فك أسر الجنين، وعن خطورة الوضع العام بالنِّسبة للأم، فطلبت استدعاء طبيب الجزيرة علَّه يفعل شيئاً.
طبيب الجزيرة ليس  طبيبا نسائيا ولا جرَّاحاً.. هو طبيب صحة تخرج هذا العام، وسراب بحاجة لعملية قيصرية، ولن يخاطر بحياتها ولا بسمعته فالوضع سيء للغاية.

كادت أم عادل تصاب بجلطة عندما سمعت ماقاله الطبيب..
ضجَّت الصدور بالخوف، وتعلَّقت العيون في السَّماء ، وتحشرجت الكلمات في الحناجر، ما العمل؟ من أين لهم بطبيب أو مستشفى والبحر يزداد هيجانا؟
الحالة خطيرة تستوجب الإسعاف الفوري ولا أحد يجازف بحياته بركوب البحر.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر) (62)

0

هيأت أم عادل وعلية فراش سراب الذي ستتم فيه الولادة وهما تقرأان بسرهما المعوذتين، والإخلاص، وجهزت درة البقجة الخاصة بديارة هاشم التي حلمت بتجهيزها سنوات مديدة، ولم تنسَ أن تجعل فستان عادل- الذي ضمه الصندوق العجوز ردحا طويلا من الزمن بانتظار ابنه في بقجة خاصة به مطرزة بالخيوط المفضضة والمذهبة.. لكنَّ عليَّة كان لها رأي آخر بالنسبة لفستان الحلم العتيق الذي أكل الزمن عليه وشرب، فطلبت من أم عادل ألا يكون هو أول ما يرتديه الوليد لقدم موضته، ولعدم لياقته للحاضر، فكل شيء قد اختلف عما كان سابقا، وإلا فسيكون محط انتقاد الحاضرات، ولسوف يصبح مضرب المثل في السخرية بين الناس، ورشحت عوضا عنه ما أحضرته هي له من ملابس جديدة دفعت ثمنها غاليا لحفيدها الأول لم يلبسها قبله أب، ولا جدّ.

أحست درة بكسرٍ في  خاطرها، وغصة في حلقها.. فاحتقنت الدموع ملتمعة في عينيها المتعبتين مما وجه إليها، فأسدلت أجفانها بانكسار، وأغمضت مقلتيها ببطء في محاولة للهروب مما هي فيه من إحراج  لكتم فوران مشاعرها المهتاجة بتلك الصفعة التي وجهتها إليها علية دون أدنى حساب لأحاسيسها بجهل  كان أو بقصد.. لم تستطع بداية، فاستعانت بالله كي لا تقلب جو الفرح إلى جو غمٍّ ونكد تاركة لعلية حرية اختيار ما تراه مناسبا لحفيدها حسب ما ترتاح إليه ذائقتها.

رغم انشغال سراب بآلامها وتأوهها المستمر، وعدم قدرتها على الكلام بسهولة، فقد سمعت ما دار من حديث بين أمها وحماتها.. لم تستسغ ما قالته والدتها فمثل هذا التصرف الفج لايليق أن يصدر عن أمها المعروفة بالحكمة واللباقة، ولا أن يوجه إلى حماتها بهذا الأسلوب بغلظة تمقتها النفس الشفيفة، فطلبت منها على مسمع من أم عادل أن يكون فستان أبيه هو أول ما يرتديه هاشم، لرغبتها وزوجها وأمه في ذلك واتفاقهما عليه، فلم يعد أمام عليَّة إلا الانصياع لمشيئة الجميع رغم أنفها.

قبل قليل كتمت أم عادل دموعها منعا لحدوث أي شيء قد يعكر صفو اليوم داخل البيت- خاصة وأن علية مهما يكن هي ضيفة عندها – وما يحدث في الخارج- من ثورة الريح، والبحر، وتساقط الأمطار- قام بالواجب وأكثر، لكنها عندما سمعت ما كان من موقف سراب وما نطقت به من درر، جعلها عاجزة عن لجم كرم عينيها، فانهمرت منهما دموع السعادة محلاة بقطر الشكر من كلمة حق قالتها سراب جبرت بها كسر خاطرها، ورفعت كثيرا من معنوياتها النفسية.

 رفعت درة يديها  إلى السماء شاكرة.. حامدة، ولسانها يدعو الله بنبض قلبها الطاهر أن ييسر الولادة  لسراب  على خير مما جعل علية تبتسم وهي تؤمِّن معها وكأن شيئا لم يكن.

لاحظت علية اشتداد الطلق مع ابنتها، فسألتها إن كانت تود استدعاء القابلة.. أومأت لها برأسها إيجابا ووجهها ينضح عرقا، وهي تتأوه بألم كبير،  وتسأل الله سرا وجهرا العون ومساعدتها بالخلاص مما هي فيه  على خير.

تأخرت القابلة بالحضور، فازداد قلق وجيهة ودرة على سراب خاصة وقد راحت  تتقلب في سريرها بضيق شديد، والعرق  يتصبب من وجهها ويديها، وعندما وصلت القابلة إلى البيت كان الليل قد أرخى سدوله على الجزيرة، بينما كانت العاصفة تشتد نهشا بها من الجهات الخمس.

بقلم

زاهية بنت البحر

%d مدونون معجبون بهذه: