Daily Archives: مايو 13, 2011

بانتظار الأمل( رواية بقلم زاهية بنت البحر)38

1

عندما وصل الرجلان إليه وشاهدا عن قرب ما رمته الأمواج فوق الصخور، هالهم المشهد وأربكهم لبعض وقت، لكن سرعان ما استأذن أحدهما بالذهاب لإحضار لوح خشبي كبير يساعدهم فيما هم مقدمون عليه.

 وعندما عاد كان معه عدة رجال ولفيف من الأطفال الذين لا يفوِّتون حدثا في الجزيرة إلا ويكون كل واحد منهم شاهد عيان يدلي بمعلومات عما رآه بعضها صحيح، وكثير منها مما أوحى به خياله بتفسيرات شخصية خاصة جدا مع رشَّات من التوابل.

تعاون الرجال على  إخراج الجثَّة المنتفخة التي حوصرت بين الصخور، وقد تسبب ارتطامها الشديد بتناثر أجزاء منها فوق المياه وعلى بعض الصخور القريبة منها.

لم يتعرَّف أحد على صاحبها شأن كلِّ جثَّة تحملها الأمواج عادة إلى شواطئ الجزيرة.
كانت لرجل أسود مجهول الهويَّة، مشوَّه الملامح، شبه عارٍ مقيَّد بحبال غرست في جسده الرخو المتآكل.
أخطر المخفر بشأنها، فأُمروا بدفنها في المقبرة قرب قبور الغرباء.

بعد صلاة المغرب قام المصلون بأداء صلاة الغائب عليها، ودعوا له بالرحمة والصبر لأهله.
في المساء جلس عادل حزينا متعبا أمام التلفاز يشاهد نشرة الأخبار من إحدى المحطَّات الكثيرة التي يلتقطها الهوائى بسهولة في الجزيرة بعد أن أرهقته أسئلة الأهالي عن الغريق، فقد ظن الكثيرون منهم بأنه ربما يكون أحد أقربائهم، ولكن لون الجثة كان ينقذه من طول الأسئلة.
وعندما دعته أمه وزوجته للعشاء اعتذر بلباقة بحجَّة عدم شعوره بالجوع ولفقدان الشَّهيَّة. وبإلحاح من أمه تناول بضع لقيمات من الديك المحشي الذي كان متشوقا لالتهامه منذ الصباح، لكن منظر الجثة جعل نفسه تأنف من تناول الطعام، والاكتفاء بكأس من الشاي عاد بعده لمتابعة النشرة الجويَّة في التلفزيون المحلي، وقد نوى ضمنيا ألا يذوق بعد اليوم لحم ديك محشي.

سألته والدته وقد جلست بالقرب منه:

–        هل توصَّلوا لمعرفة صاحب الجثة؟
أجابها دون اكتراث:

–        من هم؟
–  رجال المخفر.
أجابها ببرود:

–       إنَّهم بضعة رجال وهم ليسوا محقِّقين.
فسألته: ومن سيتولَّى التَّحقيق إذن؟
–   لا تشغلي بالك يا أمّ عادل. هم يعرفون عملهم أكثر منا.
فسألته بحزن: وأهل الغريق ألن يسألوا عنه؟
–   حتماً هم يسألون، ولكن لا أحد يعرف عنهم شيئاً.
–  أهو من بلدنا؟
أجابها: لا يدل لونه على ذلك.. البحر واسع يا أمي والأمواج تقرب البعيد وتبعد القريب، والجثة متفسخة يعني مضى عليها في البحر وقت لا يمكننا تحديه.
اقتربت منه قليلاً وهمست في أذنه: هل في الأمر جريمة؟
أجابها بفتور: ربَّما، فالجثَّة وجدت مقيَّدة بالحبال.
سألته: ولِمَ قيَّدوه بالحبال؟
أجاب بضيق: لم أكن معهم عندما قيَّدوه.
فسألته: هل ألقي من إحدى السفن إلى البحر؟
أجابها وهو ينظر إلى زوجته: ربَّما يكون مات في السفينة فألقوه في البحر لأن البحر مقبرة أموات السفن كما تعرفين، أو قد يكون قُتِلَ فيها مقيَّداً ثمَّ ألقوه للتَّخلص من آثار الجريمة، ومثل هذه الحوادث تحصل في السفن التي تجوب  البحار فليس البحارة ملائكة، أو ربَّما قتل فوق اليابسة والقي في البحر، فحملته الأمواج إلينا أو قد يكون انتحر و..

–       وماذا ياعادل؟

–      البحر يحبنا ياأمي، يحبنا كثيرا، ويقدم لنا هداياه المدهشة..
فقالت وهي تنظر إلى سراب التي كانت تصغي إليهما بكثير من التأثر والدموع تلمع في مقلتيها:

–     من الأفضل أن تبقى صيَّاداً ولو شبعنا يوماً وجعنا سنة.

ظلت سراب قلقة حتى ساعة متأخرة من الليل بينما رقد عادل وأمه، واستسلما لنومٍ عميق.

أفكار شتى شغلت رأسها الصغيرة، حاولت الهرب منها، لكنها فشلت أمام أسئلة ملحة لم تجد لها جوابا، ترى كيف كانت حال  صاحب الجثة قبل الموت وما هي الاسباب التي أودت به إلى هذا المصير؟ من قتله؟ هل راى قاتله؟  ماالحوار الذي دار بينهما قبل القتل وهل قيد قبله  أم بعده؟ من أي بلد هو؟ هل له أم وزوجة وأولاد ينتظرون عودته سالما غانما كما كانت هي تنتظر عادل عندما كان مسافرا؟ هل كان سيجمع المال لشراء بيت لعائلته أم أنه كان  سيجهز بيتا لعروس؟

أتعبتها الأسئلة التي ظلت تمطر حزنا وخوفا في نفسها القلقة.. نهضت من سريرها.. خرجت من غرفتها إلى غرفة المعيشة، فوجدت حماتها تحتسي مغلي اليانسون.

بقلم

زاهية بنت البحر

الإعلانات

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر) 37

0

أيقن عادل أنه في مأزق حرج للغاية، وحدته الآن زادت من شعوره بالرهبة، تمنى لو انه امتطي صهوة صخرته ومضت به في طريقه  فوق الأمواج دون أن يحظى بصيد تقشعر له الأبدان، حصانه الصخري بدا عاجزا عن حمله والهروب به عن دائرة موقعه ولو إلى جبهة القتال مع عدو ماهم من يكون.

 انتفض من بوتقة الخوف الذي كاد أن يخذله رافعا رأسه إلى السماء، ونادى” يارب  لاتتخلى عني، ساعدني فأنا بحاجة لك”. أتراه استشعر عن بعد نداء سراب فاتحد النداءان وصعدا شفعا إلى الله عزَّ وجل؟

استجمع قواه لاهثاً فهو رجل، والخوف ليس من شيم الرجال.. نظر إلى بيوت الجزيرة المجاورة للبحر وأزقَّتها النحيلة المؤدية إليه علَّه يجد من يساعده في انتشال ما لفظته الأمواج خارج فمها المخيف.

ثمة رجلان كانا فوق أحد السطوح في عمل ما إثر هبوب العاصفة، سمعا صوته يستنجد بهما فأسرعا بالنزول إليه. لم يعد الآن وحيدا في خلوته مع البحر الهائج بطيش أرعن، سيصل الرجلان ليقذفاه خارج جوف وحدته التي كرهها كره العماء، تمنى للحظات لو أنه لم يغادر المنزل، ولم يختلف مع والدته بأمور حسبها تافهة أمام ماهو فيه الآن.

ربما عبرت ذهنه وهو صيد مفاجأة الرهبة مئاتُ الفكر، وآلاف الصور مما رآها أو سمع عنها أو تخيَّلها، ولكن ليس كمثل هذه المفاجأة شيء آخر.

هو يؤمن بالغيب، وبأنه معرض لأي شي يمكن أن يحدث له، ولكنه وجد نفسه الآن ضعيفا لاحيلة له ولاحول، فاستمسك بإيمانه، قوَّى عزيمته، والتجأ بكله إلى الله يستعجله وصول الرجلين قبل أن تسحقه المفاجأة، فشهامته تأبى عليه الهروب وغض الطرف عن أمر يستوجب الرجولة في مثل هذا الموقف، والمسؤولية أمام الله والقانون.

الرجولة الحقة تحلق بحاملها فوق الخوف والتعاسة وضوابط المعقول، واللامعقول، تجعله سيدا لايخشى شيئًا سوى الله، يتخلى عن الأنا في سبيل عمل خير يثمر رحمة للآخرين، تحركه طاقة جبارة أكبر من حجم الوصف والكلمات.. يتراءى أمامه المستقبل ناصعا، والليل مضاء بقناديل الحق التي لا يحترق زيتها مدى الحياة.

ابتسم في سره عندما وجد نفسه واقفا فوق منصة عالية يلقي خطابا أخلاقيا في صالة واسعة خلت إلا منه، فأوشك أن يصفق لنفسه لكنه توقف خشية اتهامه بالجنون إن هما شاهداه وهما قادمان بهذه الحال الغريبة مهما كانت الأسباب التي جعلته يخرج عن المألوف في تصرف الرجال المحترمين، وهو يشهد لنفسه بأنه رجل محترم لم يصدر عنه فعل مشين يجعله في دائرة الشبهات، بل جميع من يعرفه يشهد له من غير زور بشهادة الحق هذه، وأول الشاهدين والدته وزوجته سراب التي مازالت تنتظره على أحر من الجمر، تلهو بقلبها الوساوس من جراء تأخره عن الحضور إلى البيت حتى الآن.

أجل سيظل قويا كما عهده الجميع واثقا من نفسه عملا بما علمته والدته فحفظه وعمل به، فخيل إليه أنه يسمعها تردد على مسمعه مقولتها:

“عندما تشعر بالعجز لاتستسلم له، وعندما تكون حليمًا فإنَّك ترى بعين البصيرة مالايراه الآخرون.”

كل يوم تزداد مكانة أمه المرموقة في نفسه ارتفاعا، فرأيها ذو قيمة  يعتز به ويفخر أمام الجميع لعميق فكره وسمو حكمه عن التملق وصف الكلام بلا فائدة.

بقلم

زاهية بنت البحر

%d مدونون معجبون بهذه: