Daily Archives: مايو 25, 2011

بانتظار الأمل( رواية بقلم زاهية بنت البحر) 54

5

 

بدأت سراب مؤخرا تحس بآلام خفيفة في أسفل ظهرها وبطنها.. أخبرتها القابلة القانونية بأن هذه الأعراض تنتاب الحامل في الشهرالثامن والشهر التاسع، ولم يحن بعد وقت الولادة.

حمل ثقيل ألقت به “شيماء الرابح” فوق أكتاف “درة” وذهبت تاركة قلبها في خضم بحر هائج تضرب أمواجه العاتية فؤادها بكفوف توبيخ الضمير.

صدق معها اليوم المثل القائل” بعد الكبره جبة حمرا” وأي جبة حمراء تلك التي ستجعلها تستخف بنفسها إن هي اقترفت الكذب بعد أن ابيض شعرها، وتساقطت أسنانها، ولم تعد تريد من الحياة سوى رؤية الطفل هاشم وختامها برضا من الله.

لن تسأل شيخا خجلا من السؤال رغم علمها تماما بأنه لاحرج في الدين، ولكنها تخشى أن يظن أحد بها السوء، فقررت البحث في كتاب رياض الصالحين عن حديث يبيح الكذب في عمل الخير، وكانت قد سمعت بأن الضرورات تبيح المحظورات، ولكنها تريد أن تطمئن أكثر، فهي تمقت معرف الكذب فكيف باقترافه؟! وهناك أمر آخر زاد الطين بللا فقد تطلب منها أم أحمد أن تقسم بالله أن لابنها دينا على عادل، وهي لن تقسم بالله كذبا مهما كان الأمر.

وضعت كيس النقود فوق رف خزانتها.. بحثت عن الكتاب في المكتبة الصغيرة التي توجد في غرفة المعيشة.. لم تجده.. سألت سراب عنه.. أحضرته لها من غرفتها.. كانت تقرأ فيه قبل أيام ولم تعده إلى مكانه.

درة تجيد القراءة، فقد ختمت مع أترابها وهي صغيرة قراءة القرآن في الكتَّاب.. سألتها عما تريد منه، أجابتها:

–          المؤانسة بحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام.

أغلقت باب الغرفة خلفها بعد أن ذهب ابنها وزوجته للنوم.

وهي تفتح الكتاب كانت تردد في رأسها آية حفظتها من سورة غافر -: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) [غافر: 28]وآية ثانية قال الله تعالى -: (لعنة الله على الكاذبين) [آل عمران: 61].

 اقشعر بدنها وسرت فيه برودة ولدت رعشةً في يديها وهي تقرأ مارأته من رواية ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:-: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابًا». [البخاري 6094، ومسلم 2607]

ارتدت على أعقابها.. خرجت من الغرفة وهي تستعيذ بالله من الكذب.. مايدريها كيف يأتيها عقاب الله إن هي فعلت ذلك.. لا.. لن تكذب ولتجد شيماء طريقة أخرى توصل بها المال إلى أم أحمد.. أحست بصداع يمزق رأسها.. دخلت المطبخ.. حضَّرت فنجان قهوة بدون سُكَّر.. عادت به إلى غرفتها لاحتسائه على مهل.

مازال الكتاب أمامها.. تهيأ لها أنه يدعوها إليه لمزيدٍ من القراءة علها تجد فيه ما يريح نفسها.. لبت النداء.. قرأت.. قرأت.. إياكم والكذب.. تحذير مخيف يؤدي بالكاذب إلى النار.. الكذب خيانة كبيرة: عن النواس بن سمعان – رضي الله عنه – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «كبرت خيانة أن تُحدث أخاك حديثًا هو لك مصدق وأنت له كاذب».

ياالله ماأفظع ذنب الكاذب.. في خضم قلقها واتساع همها بما حملتها شيماء من أمانة، كادت تغرق ببحر هم لا قرار له، وقعت عيناها على حديث أحست من خلالها بيد أمان تنتشلها من غرقها .

– روى الترمذي عن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يا أيها الناس ما يحملكم أن تتابعوا على الكذب كتتابع الفراش في النار، الكذب كله على ابن آدم حرام إلا في ثلاث خصال: رجل كذب على امرأته ليرضيها، ورجل كذب في الحرب فإن الحرب خدعة، ورجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما “.

بدأ خوفها ينسحب تدريجيا.. وكلما تقدمت بالقراءة خطوة تراجعت جحافل قلقها خطوات.. لكن ماجاء في الحديث لايشملها فهي لن تحارب، ولن  ترضي زوجا بكذبة فقد مات هاشم ولم يعد بحاجة لرضاها، ولن تصلح الآن بين مسلمين نشب بينهما خلاف.. أين تجد مايخصها في الأحاديث الشريفة ؟ ظلت تقرأ حتى تعبت، وغطت في نوم عميق .

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل(رواية بقلم زاهية بنت البحر)53

2

 

أحبت درة أن تستغل غياب سراب مع عادل خارج البيت وهما يتمشيان حول الجزيرة في صنع نوع من الحلوى يحبانها معا.

دخلت المطبخ.. صنعت صينية من الفستقية الشهية التي اشتهرت بها الجزيرة، وقبل مغادرتها المطبخ سمعت صوت دقات خفيفة على الباب.. لم تخمن من يكون الطارق، فهي لاتنتظر أحدا سواهما وما زال الوقت مبكرا لعودتهما، وعندما فتحت الباب ارتفع صوتها بالترحيب بالقادمة شيماء الرابح..

وهما تتحدثان بأمور كثيرة حول اللجنة التي أنشئت لمكافحة التدخين بين النساء، وغيرها من المواضيع التي ستطرح على السيدات في اللقاء القادم الذي طلبت درة تأجيله تحسبا للظروف المحتملة بشأن ولادة سراب قالت درة لشيماء.:

–        حماتك تحبك ياشيما

–        لست بحاجة لحبها الآن بعد أن أصبحت عظامها مكاحل، فتأخذني إليها..

–        أطال الله في عمرك.. لكنها كانت تحبك وهي على قيد الحياة.

–        مادليلك في ذلك يا درة؟

–        الفستقية التي صنعتها قبل قليل.

–        الله.. الله.. فعلا كانت تحبني رحمها الله وأحسن إليها. حموات زمان غير يا أم عادل..

–        كل زمن توجد فيه الحماة الرحيمة والحماة الشريرة، دنيا يعمرها الجميع..

–        حكت لي إحدى السيدات التي ظلمتها حماتها وزوجها شيئًا لايصدقه العقل. حقيقة أمر غريب عجيب أن يوجد حتى اليوم نماذج بشرية بهذا اللؤم والوحشية في التعامل مع الناس خاصة إن كان مع شابة بعيدة عن أهلها..

–        هذا لايجوز.

–         تصوري منعوها من رؤية عائلتها سبعة أعوام لايسمحون لأحد منهم بزيارتها أو محادثتها هاتفيا، فكانت أختها تذهب إليها وتقف بعيدا عن البيت علها تلمحها وهي تنظف النافذة كي تطمئن عليها وتطمئن والديها.

–        قسوة يمقتها الله

–        كانت حماتها لاتخاف الله، ظلمتها كثيرا، وكان زوجها رهن إشارة والدته الشريرة، ليس له رأي ولو خالف بأوامر أمه تعاليم الله.

–        أعوذ بالله من غضب الله.

–        وعندما ماتت العجوز.. وضعت في غرفة خاصة، وكان على الكنتين المظلومتين في بيتها أن تسهرا قربها حتى الصباح.

–        ياساتر..

–        هكذا أراد ولداها..

–        ونفذتا طلبهما؟

–        مرغمتين.. والله ياأم عادل قالت لي سلمى بأنهما كانتا ترتجفان طوال الليل وهما خائفتان وغير مصدقتين بأنها ماتت.

–        ياالله..

–         حتى أنهما كانتا تكشفان بين الحين والحين عن وجهها للتأكد من أنها ماتت خشية أن تنهض  من نومها وتريهما نجوم الظهر.

–        وهل قامت؟

–        أم عادل أراك بت مثلهما!!

–        قصة غريبة ياشيما

–        تصوري يادرة لقد ترك ظلمها في نفس سلمى شرخا لولم يعالجها أهلها لأصيبت بالجنون.

–        دنيا فيها العجيب والغريب من الناس.. على أية حال كلي الآن الفستقية ولننسَ ظلم الحموات قليلا كي نستطيع ابتلاع اللقمة، وإلا علقت في حلقينا ولحقنا بحمواتنا…

وهما تأكلان الحلوى أخرجت شيماء من حقيبة يدها مبلغا من المال.. قدمته لدرة بشيء من الحياء وقالت لها:

–        أرجو أن توصلي هذا المبلغ لأم أحمد دون أن تذكري لها اسمي.

–        بارك الله فيك ياشيما

–        أنا أعرف شآمة نفسها ورفضها قبول المساعدة من أحد.

–        قد ترفض قبوله مني أيضا.

–        قولي لها بأن عادل استدان المبلغ من أحمد وهما في السفر.

–        أتريدينني أن أكذب ياشيماء؟!!

–        – ليس كذبا هذا بل مداراة لفعل الخير، فقد سمعت من مصدر موثوق بأنها قد عرضت طنجرة نحاسية قديمة للبيع ولم يشترها أحد، وعندما حاول رجل من أهل الخير شراءها بمبلغ كبير رفضت ذلك لأنها فهمت قصده بالتصدق عليها. وكما تعلمين فقد رفضت أن تأخذ تعويضا من صاحب السفينة التي كان يعمل بها ابنها بحجة أنها لن تقبض ثمن مصيبتها، لم تقبل بأخذ أي مبلغ منه إلا مااستحقه خلال عمله، وقد صرفته على الجنازة وملحقاتها، وماتبقى منه كانت تعيش به حتى نفد ولامعين لها سوى رب العالمين، وكما يعلم الجميع لم تقبل استرجاع المصاغ الذي اشتراه أحمد لخطيبته لمى رغم محاولة الفتاة وأمها ذلك.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)52

2

 

لم تصدق درة ما رواه لهما عادل بداية- إثر عودته من الخارج وثيابه ملطخة بالدماء- عن العراك الذي جرى في أحد أزقة الجزيرة القديمة بين عوني السهام ومحروس النفيش بن فكيرة عجاير بسبب أخته واعدة زوجة عوني.

خُلع قلبها من جذوره الضاربة في أعماقها عندما دخل البيت.. كادت تسقط فوق الأرض.. اتسعت عيناها بوسع الخوف الذي احتل كيانها مشعلا فيه هيجان الخيال بوثبة فاقت قدرتها على التصبر إلى أن يفصح لها عما به، لحظات خاطفة تلك التي مرت بها، أحستها في سطوة الرعب على مشاعرها دهورا طويلة، مظلمة، ملؤها النعيق والزعيق، الألم والعذاب.

 نظرت إليه برجاء أن( تكلم مابك؟).

تكلم لكنها ربما لم تلم بما سمعت..

تطاول عوني على والد زوجته بالكلام بعد أن جاء برفقة والدته إلى باب بيتهم، وراحا يكيلا الشتائم لأخته ومن يقربها أمام الجيران والمارة.. خرج والده لتهدئتهما، فلم يسلم من قذفهما له ولابنته بكلمات نابية تأنف من سماعها الآذان الطاهرة.. لم يستطع ابنه محروس الشاب المهذب تحمل إهانة والده وأخته من قبل صهره، فهجم عليه، وأشبعه ضربا ولكما، فما كان من عوني إلا أن أسرع بشهر سكينٍ في وجهه كانت مخبأة داخل جيبه، وراح يضرب بها محروس أنى اتفق، فانتزعها منه بخفة ملفتة، وكال له بها الصاع صاعين، فأصابه  بجروح كثيرة أغرقت ثيابهما بالدماء. 

لم يستطع أولاد الحلال ومنهم عادل فك الاشتباك بينهما خشية الإصابة بطعنة طائشة حتى تدخل رجال الأمن بدعوة من إحدى السيدات التي شاهدت النزاع من نافذة بيتها المطلة على الزقاق، فاتصلت هاتفيا بالمخفر مستنجدة بهم، فحضروا خلال دقائق، وذهبوا بهما لتسجيل ضبط بالحادثة.

ظلت درة مطرقة برأسها أرضا، وارتعاشة مفاجئة تغزو أناملها المجعدة والعرق يتصبب من جبينها.. ناداها عادل.. لم يلقَ ردا..  

–        أمي.. أم عادل 

–         ….

–        أمي

–        … 

–        سراب أحضري كأسا من الماء.. أمي..

بحركة لاشعورية أسرعت سراب تقطع المسافة بين الغرفة والمطبخ وغمائم سوداء تغطي أفق ذاتها الواجفة بالحدث.. تسرع فتحس بتعثر قدميها في طريق غير معبدة في فلكها المضطرب..

تخترق عينا درة المنصبتان فوق الأرض جدارَ الزمان بشرود تام تبتعد فيه عما حولها قلبا وأذنا وشعورا..

تغرق حتى الأعماق فتراه غارقا بدمائه..  تمتد يداها نحوه.. تمسك برأسه.. تضمه إلى صدرها.. تبتل ثيابها بالدم.. تشده إليها أكثر.. لماذا ياهاشم.. أرجوك لاترحل.. لا ترحل.. لا ترحل..

يناديها عادل: أمي.. أمي 

–        

–        اشربي الماء.. رحمه الله.. رحمه الله..

–         لا ترحل.. لا ترحل.. هاشم

–        أمي.. هاشم رحل ولكن الله باقٍ.. انتقم له من القاتل بيد مجرمة..

–        

يمسح دموعها بأنامله، يضمها إلى صدره.. تمتزج دموعهما وشهقة حرى يطلقها صدر درة يحرق لهيبها وجه عادل.

كان صغيراها يبكيان.. وجيهة وعادل.. سمعت صوت نحيبهما.. وضعت رأسه في حضنها.. ضمتهما إليها.. ابتلت ثيابهما بدماء أبيهما..

ناداها:

–        أمي اهدئي.. اشربي الماء

أمسك بيديها.. صب فوقهما قليلا من الماء.. شهقت.. فتحت عينيها.. رأته رجلا بثياب خضراء، نظيفة.. ابتسمت، والدموع تلمع فوق جفنيها بوهج الشمس.. تندلق فوق خديها لؤلؤا.. تمسحهما بأصبعيها وعيناها معلقتان بثوب سراب فوق بطنها الذي يحمل هاشم.

بقلم

زاهية بنت البحر

%d مدونون معجبون بهذه: