Daily Archives: مايو 19, 2011

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)45

0

في  أحد مقاهي الجزيرة المطلة على البحر، جلس عادل مع أصدقائه بعد عودتهم  صباحا من لمِّ شباك الصيد من عرض البحر بعيدا عن الجزيرة بعدة كيلومترات.

كانوا سعداء وهم يتجاذبون أطراف الحديث، فقد وقعت اليوم في شباكهم أفواج كثيرة من الأسماك الغالية. فأل خير بتوفيق من الله  أحس به عادل وهو مقبل على فرح بمولد طفله الأول.

قال أحد الصيادين وقد علت وجهه ابتسامة عريضة:

–        والله ياشباب ليس هناك بالنسبة للصياد فرحة كفرحته عندما يعود من الصيد والفلوكة ممتلئة بالأسماك حتى البروَّة.

   قال عادل:

–   بل هناك فرحة أكبر.

سأله: ماهي؟

أجابه:

–       عندما تنط الأسماك عائدة إلى البحر لامتلاء الفلوكة بها حتى حلقها، في هذه الأثناء يكون الصياد في قمة سعادته ولا يتأثر بهروبها منه  كما لو فعلت ذلك في أوقات شح البحر.

–        ياأخي حياتنا صعبة جدا، وأي شي من خيرِ الله يفرحنا.

–      الأرزاق من عند الله.. هناك صيادون لايجدون لقمة العيش إلا بشق النفس، وهناك من تُملأ فلايكهم بالأسماك كل يوم.

–       ياأخي الصيد بالديناميت غير الصيد بالشباك، فالأول يحصد كل الأسماك التي هي في دائرة التفجير الذي يقتل الكبير منها والصغير، فتقلَّ الأسماك في البحر، وهذا يمنعه القانون ويعاقب فاعله.

–       أجل هذا صحيح لكن صياد الشباك مثلي ومثلك بالكاد دخله يكفي مصروفه.

–        معظم الصيادين يشكون ضيق ذات اليد، قبل أيام ذهب البارومة أبو سارة إلى مسمكة أبو مصطفى يريد أن يبيع له شباك الصيد التي لايملك غيرها، كان بحاجة لمبلغ من المال لم يستطع توفيره، فالناس كما تعرف جيوبهم فارغة، وأصحاب الممتلئة عيونهم ضيقة، وأياديهم مقبوضة، لكن أبو مصطفى كثر الله من أمثاله عندما عرف سبب عرض البارومة شباكه للبيع، أعطاه المبلغ ولم يأخذ منه الشباك وقال له :

–         “لاتبع القفة التي تطعم منها عيالك”

–         صدق أبو مصطفى، فالشباك هي القفة التي نطعم منها أولادنا.

–        كل الصيادين يحبون أبو مصطفى لأنه يحن عليهم كأولاده.

–        ندعو له بطول العمر، فقد سمعت بأنه مريض وهو بحالة خطرة.

–        عافاه الله ورده لنا فهو الأب والمعلم الذي نحبه ويحبنا.

–        آمين، أبو مصطفى رجل قل أمثاله في هذا الزمن خلقا ورحمة وطيبة.

عندما يجد الإنسان نفسه بحاجة ماسة لشيء ما، يسعى إليه بجد ونشاط، يقدم في سبيل نواله الغالي والرخيص، لا يهتم بالصعاب وعثرات الطريق مادام يعلم أن فيه أمل يحقق له حياة كريمة، تغنيه عن سؤال الناس أعطوه أم منعوه.

 كفاحه في رحلة الحياة يحتاج لمن يمهد له الطريق بشيء من المساعدة وكثير من التشجيع، لكن لسوء حظ الإنسان فإن من يرحمه في الأرض هم قلة، بينما الأكثرية هم من قساة القلوب الذين لاتهمهم إلا مصالحهم الشخصية فيأخذون كل شيء، ويعطون المحتاج منه الفتات.

قلوب الضعفاء تتعلق بمن ينصرهم كقلوب المحتاجين التي تتعلق بمن يعينهم ويرأف بهم عندما يجدون أنفسهم في بؤر العوز لا يسألون الناس مساعدة، فتهوي إليهم قلوب الكرام، والكريم للكريم معين. الصياد في الجزيرة هو عين ساهرة، ودمعة صابرة، وهمة هادرة تتربص به في خضم البحر أمواج غادرة.

الصياد في الجزيرة لاييأس من فرج الله مهما اشتدت به المحن، بعزيمة وإيمان ظلَّ يستقدم من الخسارة الربح، ومن اليأس الأمل، ومن الفقر الغنى.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)44

0

 

جادت قريحة أم عادل بكلام جميل ملأته الحكمة وعطرته الآيات، فهي مازالت تحفظ ما تعلمته عند الخُجا من أجزاء القرآن الكريم، تتعبد بها الله صلاة وقراءة وتفكرا.

لم تقاطعها السيدة شيماء التي تجيد فن الاستماع كما تجيد فن الحديث. كانت عيناها تنظران في وجه درة بابتسامة صافية توافقها الرأي بهز رأسها في نقاط كثيرة، وتارة أخرى تنظر في وجه سراب المنبهرة بحديث حماتها ولباقتها في الكلام.

عندما انتهت درة من محاضرتها لفَّت شيماء نبريج النرجيلة حولها، وتابعت ارتشاف قهوتها بهدوء مالبثت بعده أن نهضت واستأذنتهما بالذهاب إلى بيتها بعد أن دعتهما لزيارتها يوم الثلاثاء القادم بعد صلاة العشاء.

عادت شيماء إلى بيتها وكلمات درة المعسولة ترن في أذنيها رنينَ الذهب، أعجبت بما قالته لها، لكنها حزنت كثيرا لعدم استطاعتها تلبية ما أرادت درة طلبه من خلال التلميح حينا، والتصريح حينا آخر دون أن تجعلها في قفص الاتهام، فهي أذكى من أن تشعرها بأنها مؤدبة لها وهي في ضيافتها.

شيماء الرابح عركتها الحياة، وعلمتها الكثير من خلال ما واجهته فيها من تحديات على صعد مختلفة، وعلمتها الهدوء والحكمة في اتخاذ القرار خاصة في أمور جوهرية، وهي قادرة على نصر الذات الواعية على الذات التي تلهو بها الحياة لكن بعد صبرٍ قد يطول أحيانا.

مرت في ذاكرتها صور كثيرة، استعادت من خلالها ما عاينته من أحداث خلال رحلة عمرها، وما تأثرت به من قصص محزنة عن أقارب ومعارف قضوا نحبهم بسبب إصابتهم بسرطان الرئة لإدمانهم التدخين، فودع البعض منهم الحياة في سن مبكرة، وآخرون أمضوا زمنا مؤلما في معاناتهم من هذا المرض الخبيث.

هي لم تخبر أحدا بأنها مريضة بالتهاب رئوي حاد مزمن لكنه لم يتعداه للسرطان، وهناك من يتحدث عن مرض أصيبت به دون معرفة حقيقته.

قبل ثلاثة أعوام سافرت إلى أمريكا، وهناك أدخلتها ابنتها مستشفى للأمراض الصدرية.. تمت معالجتها ولكن لم تشفَ نهائيا من المرض، وعندما عادت إلى الجزيرة لم تلتزم بالتعليمات التي أوصاها بها الأطباء هناك خاصة بالنسبة للتدخين فانتصرت عليها العادة على محاولة التعود.

رغم إعجابها بحديث درة فقد كانت تحس بضآلة نفسها أمام نفسها، وكيف تجرأت أم عادل وتحدثت حديثا ربما كانت هي المقصودة به، فتنفر منها ضمنيا، ولكن سرعان ما تجد صادات النفور تطرده خارج ذاتها الشفيفة فتبرِّئ درة من سوء ظنها بها.

المرآة لم تقل مايجرح الشعور بل أدلت بنصائح عامة تمنت من كل المدخنين هجر الدخان وطلب السلامة للصحة والجيب. ظلت شيماء في حوار مع نفسها بين سين وجيم، فكانت تدخل المطبخ وتستعرض النراجيل الكرستالية  الغالية الأثمان، بألوانها المختلفة ونباريجها النادرة، وتملي عينيها من صناديق التنباك العجمي التي تملأ رفوف المطبخ.

تحس بحزن تجاهها وكأن هناك من سيعتدي عليها، ويسرق منها نرجيلتها وتنباكها، فقد كانت تقول:

–  ليس للحياة طعم ولامعنى دون نفس النرجيلة والقهوة.

 كيف ستعيش شيماء بلا طعم ومعنى للحياة إن هي استجابت لنصائح الأطباء واليوم لتلميحات أم عادل؟ لابد ستكون معاناتها كبيرة، قد تصل لدرجة معاناتها من آلام الصدر المزمنة إن هي أشاحت بوجهها عن التدخين مدى العمر.

 

 بقلم

زاهية بنت البحر

%d مدونون معجبون بهذه: