Daily Archives: يونيو 25, 2011

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)86

0

كادت أفئدة النسوة والرجال تخلع من منابتها وهم يرون البحر يبتلع الزورق بوحشية مفزعة.. وقف الجميع بصمت رهيب يراقبون ما يجري أمامهم عن قرب تفصلهم عنهم عدة أمتار، لكنهم عاجزون عن الإتيان بأي عمل من شأنه نفع من هم الآن في قبضة قلب أسود عندما يشتد به الغضب لا يعرف الرحمة، فلاهم يستطيعون إعادتهم إلى الجزيرة، ولاهم لهم بمنقذين.

مُدِّدتْ سراب فوق أرض الزورق المغطى بسقف خشبي وقاها من مياه الأمطار ولسع الريح.. ابتعد الرجال عنها.. وقف عادل في غرفة القيادة يعطي أوامره للآلة الصماء التي يدير بها الزورق، مصرا على أن تكون مطيعة له طاعة عمياء رغم اعتراض البحر والريح.

 بين الشبان كان ثمة شاب يعمل في زوارق نقل الركاب مابين الجزيرة والبر.. يعرف كيف يوصل المركب بسلام إلى الميناء لكن ليس في كل الأحوال الجوية خاصة في مثل ماهم فيه اليوم.. التحدي مستحيل.. ثمنه باهظ جدا ربما كلف الحياة.. ناداه عادل ليأخذ مكانه في القيادة، وليبقى هو قرب زوجته التي كانت تصرخ بصوت يفتت الصخر، و البحر قد صمَّ آذانه، وخدَّر إحساسه، أو ربما كان يسمع فيزداد ثورة وهياجا كلما طعنه صراخها الحزين.

استبشرت درة خيرا عندما أسرع أحد رجال المخفر لمنع عادل من التهور بامتطاء صهوة الأمواج، فهذا ممنوع في مثل تلك الأجواء الخطرة.. ركضت المرأتان خلفه باتجاه البحر..

أم عادل تهرول في الأزقة الضيقة، وذاكرتها تسابق الريح بنبش خزائنها العتيقة المقفلة على ذخائر من قصاصات الماضي، ذيلت بتواقيع شتى بعضها كتب بمداد الدموع، وبعضها الآخر زركش بابتسامات دفنت في هوة الزمن السحيق، والبعض منها حفرت برسوم أمنيات عاشت تنتظر شروق شمسها ذات صباح، ولم يأتِ ذاك الصباح..

أحست بها تتدفق في رأسها بفوضى مزعجة كالريح والمطر والأمواج.. وقعت في قبضتها فريسة يصعب التقاطها من بين فكيها وعادل على وشك نزول البحر..

إحدى تلك القصاصات حملتها ريح غليان خوفها على فلذة كبدها.. طارت بها في أجواء نفس درة المرهقة تلاحقها عينا قلبها بقلق ينبعث من جهة البحر..

امتدت يدا مقلتيها.. التقطتا القصاصة بشغف.. أمسكتا بها.. فتحتاها بلهفة وهما تنفضان عنها غبارالماضي السميك.. رأته هناك في غرب الجزيرة طفلا جميلا.. بريء الوجه في الخامسة من العمر.. ركضت إليه كما تركض الآن إليه.. كان يسبح مع رفاقه الأطفال، والشمس تلوح أجسامهم بلونها الذي يعشقه الأرواديون.. لم يكن  يجيد السباحة بعد.. رأت نفسها تجلس مع أمهات الصغار قريبا من المكان الذي يسبحون فيه.. يراقبن أطفالهن المبتدئين بتعلم السباحة..

 كانوا يخرجون من البحر.. يصعدون إلى الصخور الملاصقة له.. يلقون بأنفسهم في أحضانه، وعيونهم تقطف من وجوه أمهاتهم ابتسامات سعادة. الجميع يضحكون كبارا وصغارا.. ليس هناك أجمل من أصواتهم وهم سعداء يرفرفون فوق سطح البحر كتلك النوارس التي تسبح  في الجهة المقابلة لهم ثم تحلق فوقهم بواق واق ماأجمالها واقا.

في البحر يتساوى الجميع.. الغني مع الفقير.. اليتيم مع من يعيش في رعاية والديه.. يلاعبون الأمواج ببراءة.. تمازحهم بلطف حينا وأحيانا بقسوة.. يتسابقون.. من سيقفز أولا  من أعلى الصخور الصغيرة.. كم قفزة سيسجل كل واحد منهم دون أن توقِّع  تلك الصماء فوق أجسادهم الغضة تواقيع أبدية بوشم يدفعون ثمنه من نزف دمائهم الطاهرة.. جميع أهل الجزيرة يحملون مثل هذه التواقيع التي تذكرهم بماضٍ آبق يرفض العودة إليهم مهما عظم الشوق إليه.

بقلم

زاهية بنت البحر

 

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)85

0

لم يلفت انتباه عادل أنه أصبح وليمة شهية للقلق يتلذذ في تعذيبه.. جعل من قلبه حلبة للصراع بين اليأس والأمل.. ترك له حرية الحركة  بين شرايينه دون رقابة تمنعه من خطوة قد يكون فيها دماره.. اختلت عنده الموازين.. رجحت كفة سراب عما سواها.. غاب عنه خطرُ ما هو مقبل عليه رغم التحذيرات الكثيرة.. قال له أحد الرجال:

–           لا تركب البحر فإني أرى ملك الموت في الزورق..

–           لم يعطِ للعقل رشفة انتباه لما سمع رغم احتياجه لها، فقد أغرقت أمواج نفسه الهائجة صوت الحكمة.. دفنته برعونة في أعماق اللهفة.. تكسرت أضلاع وعيه.. تخلص منها بثورة الخوف على حبيبته..

اختطف من أمه خيمة ساهري كما تختطف القطط الجائعة قطع اللحم، وأسرع بها إلى  الشبان الذين تعاطفوا معه شفقة بزوجته.. ابتعد عن درة.. لم  يهمه أمرها في شيء.. لم ينظر إلى الوراء فيفتقد عبير زنابق وجودها البيضاء.. غاب عنه كم كان يروي هذه الزنابق بطلِّ حبه المتدفق دفئا، وكم كان يخشى على مشاعرها من جرحٍ ولو بعطر وردة.

كل ما في نفسه وما حوله كان غائما.. أحس بالكره لكل شيء.. للبحر.. للريح.. للأرض.. للناس.. لنفسه.. أحس بأن الجميع يقفون ضده.. كلهم أعداء له.. يريدون سلبه سراب وقتل طفله.. لو كان يعلم بما سيحدث لها لطار بها إلى أرقى المستشفيات.. لباع البيت الذي يسكنه بكل مافيه.. ثيابه.. لاستدان مالا وعاش العمر في سداده.. أقر الآن بأن حماته كانت على حق ولكن  لو ..

–          لا وقت للو.. أنت الآن  في مهب الريح.. لا جناح يدفئك.. لا ثغر يبسم لك..لا وتر يعزف لحن أمل  قادم.. حناجرالريح تعوي.. تعوي، وأنت ترقص جريحا.. حزينا.. خائفا.. يائسا.. ليس الرقص للرجال.. افعل شيئا..

تحدى الخوف.. امتطى خيل الشجاعة.. جمع عظام انكساره.. أخاط بإبرة الصمود جراحه..

ترك للريح شعره تعبث به كيفما تشاء، وحجب عنها قلبه.. لم يعد يخشى تعسفها.. استباح القوة في خضم ضعفه.. خلع عنه سترته.. قلده الشبان تخلصا من ثقلها في حال الوقوع في البحر.. لف سراب بخيمة الساهري.. امتطى الزورق بصعوبة.. لم ترحمه الأمواج.. عاندته.. ما الذي أصابك أيها البحر.. كنت حبيبا فلِمَ انقلبت عدوا؟

لم يستطيعوا نقلها إلى الزورق.. حاولوا كثيرا والأمواج تقاومهم بتحدٍ عجيب.. خاف أن يضحي بها فتسقط في البحر.. حار في أمره..

كانت علية ووجيهة تقفان قرب الشبان.. حاولتا مساعدتهم، فطلب منهما أحدهم إخلاء المكان له.. أكثر من مرة ارتطم الزورق بحافة السقالة ارتطاما شديدا كاد يحطمه لولا الإطارات المطاطية التي على جانبيه. المطر والبحر والريح  في صراع غير متكافئ مع عادل وبين يديه امرأة تكابد مخاضا بنزف غزير.

أحست وجيهة بالقوة عندما رأت زوجها يركض باتجاه الزورق.. توسمت بقدومه خيرا.. وصل لاهثا.. غاضبا.. ابتعدت عن السقالة فقد أحست بالخوف منه عندما راح يصرخ بصوت عالٍ لمنع عادل من نقل سراب إلى الزورق.. لم يسمع عادل ما قاله صهره لانشغاله وأحد الشبان بتناول سراب ملفوفة بالخيمة في لحظة عابرة أثناء انحسار موجة طويلة عن السقالة  في الوقت الذي وصلت فيه لمى ورضوى وشيماء الرابح إلى البحر.

بقلم

زاهية بنت البحر

%d مدونون معجبون بهذه: