Daily Archives: يونيو 23, 2011

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)84

0

دعتها خالتها لتناول القهوة الساخنة فالدلة مازالت فوق نار الكانون.. اعتذرت بلباقة وأسرعت إلى الحمام للتخلص من  ثيابها المبتلة بالماء المطري والبحري..

ارتدت ملابس نظيفة.. نظرت في المرآة.. حدقت في وجهها.. رأته مصفر اللون، تحيط بعينيها هالتان شوهتا نقاء بشرتها بلونهما الداكن.

تنهدت وهي تتذكر ما مر بها منذ مغادرتها البيت مع خالتها إلى تلك اللحظة التي هي فيها الآن.. توقفت قليلا عندما مرت في ذهنها صورتا شيماء ورضوى وهما تحتسيان القهوة.. تعمقت في الصورتين.. رأتهما ترتديان ملابس خالتها.. لابد أنهما استبدلتا ثيابهما المبتلة بثياب جافة عندما دخلتا  البيت.. لكن أمر رضوى غريب، فهي لم تذهب مع خالتها عندما اصطحبتها شيماء الرابح إلى البيت.. ظل أمر حضورها لغزا محيرا جعل أفكارها تضطرب كأمواج البحر الهائجة.

على مرمى أحداث اليوم ظلت لمى تتردد.. ترصد أوقاتها لحظة لحظة، وبين يدي تعبها أودعت انتباهها يقظا لا تغفو عيناه ومضة سهو، ولا أقل من ذلك حتى عن أصغر حدث شهدته أو أحست به.. تزيح بيد اليقظة عن ذاكرة وعيها أي ستار يحاول النسيان إسداله على ما أرادت استعادته بوضوح تام.. لا تدري  ما الذي يجعلها بهذا الاهتمام الكبير بما يحدث.

 أحست في داخلها بصوت ناقوس يقرع.. يقرع.. ارتعشت.. لا تريد أن تسمع شيئا.. تماسكت.. خرجت من غرفتها على عجل.. استقبلتها النسوة بالترحاب.. طلبتا منها أن تخبرهن بآخر مستجدات الوضع قرب البحر منذ مغادرتهن المكان.

تكلمت كثيرا.. تكلمن أكثر.. أثنت شيماء الرابح على فكرة إخبار زوج وجيهة بالأمر، فمن الأولى أن يكون موجودا في هذا الظرف المربك خاصة وأن والد سراب رجل مريض، ولا يستطيع القيام بأي شيء بل قد يقضي نحبه إن هو علم بأمر ابنته، فضغط الدم عنده مازال متارجحا.

لم تستطع لمى أن تخفي ابتسامة  صغيرة أشرقت فوق محياها عندما علمت بتزحلق رضوى في الطريق، وكيف صرخت بصوت عالٍ إثر وقوعها، فأسرعت شيماء الرابح لمعرفة مايجري قرب بيت أم أحمد، وما لبثت أن عادت برضوى وقد سحجت  الأرض ركبتها  اليمنى وكفيها عندما  تزحلقت بالطين الذي امتلأت به الطريق كما يحدث عادة عندما تمطر السماء.

تأبط قلبها يقينٌ بآت لا تزحزحه الهوج عن ثباته قيد أنملة.. أحست في داخلها بثورة غضب يلفها الحزن بشريط من الساتان الأسود.. مابال النسوة يطحن قلب الصبية برحى اليأس بما يقلن؟

كل ماسمعته فأل ينذر بكارثة قادمة ستحل غيومها بسماء الجزيرة تمطر دمعا من برد ونار..

استبقت الأحداث.. انسكبت فوق خديها دموع شكوى لله بأنين صامت.. سمعته بأذن قلبها يتوسل لمبدعه بالعفو.. بالرأفة بقلوب لوعها الزمن مرارا وتكرارا، فجسدُ الحرقة ملتهب يزيد الجراح نزفا والشغاف نواحا.

كيف لحزنها ان يغور في منبته وسقيا الخوف تغرقه اندلاقا؟ قررت العودة إلى البحر لبث الطمانينة في قلب درة، والدفء في يدي سراب.. ستقف سدا منيعا بوجه المآسي.. علها تورد في مسارب نفوسهم شعاعا بومض ارتياح..

بقلم

زاهية بنت البحر

الإعلانات

بانتظار الأمل( رواية بقلم زاهية بنت البحر)83

0

 لم يكن أمرا عاديا أن تمشي وحيدة في مثل هذا الوقت من الصباح الباكر. أحست لمى بالحرج وهي تقطع الطريق إلى بيت خالتها أم أحمد راجية الله أن تصل الدار قبل أن يراها أحد، فألسنة السوء لا ترحم بريئا.

 لابد أن تكون خالتها الآن مستغرقة في النوم بعد صلاة الفجر لأخذ قسطٍ من الراحة بعد تعب الفكر والجسد.

ظلت  مشغولة البال بما يحدث قرب البحر.. أحزنها حال سراب، والوضع الذي هي فيه تحت المطر وبين جوانح الريح، وكان قلقها جليا على العجوز درة، ولم يكن أقل شأنا  منه على ابنها عادل وعلى الجميع..

 أثار الشفقة في نفسها على عادل عدمُ قبول الرجال مساعدته في نقل زوجته إلى الزورق لتظل معلقة بين الحياة والموت.. ليتها  تستطيع تقديم المساعدة لهم مساهمة ًمنها في إخراجهم من مأزق صعب للغاية، ولكن للأسف عضلاتها ليست مفتولة..

 تركت وجيهة وعلية وامرأتين بالقرب من سراب عندما لحقت بأم عادل التي أرسلت بها إلى البيت رغما عنها، وكانت القابلة قد غادرت المكان قبل قليل معتذرة لعدم جدوى بقائها، فهي لن تستطيع تقديم أي شيء لسراب كما قالت لأم عادل، وبعد قليل لحقت بها رضوى..

لكل نفس أمنيات تود تحقيقها في حياتها، أمنيات لمى بدأت الآن تنفض عنها الغبار.. تشرئب برأسها عاليا.. تجدها تتمنى لو أنها أكملت دراستها وتخرجت طبيبة نسائية.. جراحة .. أو  حتى قابلة قانونية لا فرق عندها مادامت في النهاية تستطيع إنقاذ حياة امرأة في وضع كالذي تشهده اليوم.

انتابها شعور خفي  بالنقمة على والدها الذي لم يسمح لها بمتابعة الدارسة لأنها فتاة.. ترجته كثيرا.. أدخلت عمها للتوسط لها عنده، وصديقه الأعز والد أهداب صديقتها التي  أصبحت مدرسة، وقد تركت الجزيرة مع أهلها منذ عامين، فلم تستفد شيئا، فقضى برفضه الوساطة على أي فسحةِ أمل في تحقيق حلمها..

حاولت التملص من هذا الإحساس المفاجئ تجاه أعز الناس إليها.. لم تستطع  تقبله رغم حفره مساحة واسعة من الحزن في شغافها، كرهت اللحظة التي استيقظ بها حلمها الغافي منذ زمن تحت طبقة شفيفة من التناسي، فتمنت لأول مرة في حياتها لو أنها كانت رجلا رغم اعتزازها بأنوثتها.

قبل أن تدخل منزل خالتها خطر في بالها خاطرغاب عن بال عادل ومن معه، فارتدت على أعقابها مسرعة إلى بيت وجيهة أخت عادل.. ناسية ماحدثتها به نفسها قبل قليل بشأن خروجها وحيدة في الصباح.. قرعت الباب على عجل.. انتظرت ربما دقيقة أوأكثر.. فتح الباب زوج وجيهة.. فوجئ بالقادمة.. لم تنتظر صحوته من المفاجأة.. أخبرته بحياء واختصار بما  يواجه أهل زوجته، وطلبت منه الذهاب إليهم عسى أن  يفيدهم بشيء، فهم في أزمة تحتاج لوقوفه بجانبهم.

فتحت باب بيت خالتها بهدوء شديد خشية أن توقظها من النوم.. وقبل أن تلتقط أنفاسها وتشعر بالطمأنينة سمعت كلاما في غرفة الجلوس.. خفق قلبها بشدة.. إنهم نسوة.. من عند خالتها في هذه الساعة المبكرة؟ خافت أن يكون قد ألم بخالتها مكروه.. أسرعت باتجاه الغرفة وأذناها تحاولان معرفة صاحبات الصوت.. قرعت الباب قبل أن تفتحه.. نادت بصوت  منخفض خالتها.. سمعت صوتها تدعوها للدخول.. اطمأنت قليلا، وعندما فتحت الباب رأتها وشيماء، ورضوى  يحتسين القهوة والحيرة بادية على وجوههن.

بقلم

زاهية بنت البحر

%d مدونون معجبون بهذه: