Mryam M.Y

Just another WordPress.com weblog

Monthly Archives: April 2011

قصاصات العمر

4

تتساقط قصاصات العمر عن أشجار شتى، تذروها الريح في غياهب المجهول، نحس في الصدر وخز الفراق ألما مريرًا يحفر فيه نتوآت لايملؤها توالي الأيام إلا حسرة على مادفناه فيها من عمر ولى لم نبكِ فيه خوفا من الله.. خبأنا الدموع لتهمي عند لقائه ندما على مافرطنا في دنيا فانية، وخوفا من عقابه. رجعى أيتها النفوس إلى الله بتوبة نصوح تسعدك في الدارين قبل أن لاتقبل منك توبة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

صدق الله العظيم

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر)21

0


آذار.. الرّبيع موسم التفتح والجمال، طقس التفاؤل والعطاء، ولكنه مختلف بالنسبة للصيَّادين، دائماً يأتي بوجهين، يوم مشرقٌ، بحرُه هادئ يغري بخوض غماره صيدا وسفرا ونزهة، والسعادة ترفرف فوق الجزيرة بأجنحة النوارس وغاقاتها البديعة، وبزقزقة الأطفال فوق الصخور، ونصب الشباك فوق الأسطح والساحات لصيد النُّفُّج، وآخر غائمة سماؤه، هائجٌ بحرُه يوحي باليأس من فرج قريب.
في أحد هذه الأيام الرمادية، المتشحة بالبؤس  خرج عادل من البيت منزعجا وفي رأسه الكثير من التساؤلات.
مشى في الحارات التي تملأ الجزيرة على غير هدى.. لم يكن يقصد هدفاً معيناً، فقط يريد أن يمشي عبر الأزقة الضيقة التي لا يتسع بعضها لمرور شخصين دون مواربة، هكذا تعود منذ الصغرعندما يحس بالضيق يمشي في الأزقة بعض وقت ثم يعود إلى البيت وقد استعاد شيئًا من الراحة النفسية. كانت أمه تلومه على ما يقوم به لكنه لم يترك هذه العادة وظلت مرافقته حتى اليوم.

 عادل يحب جزيرته ولاعجب في ذلك، فهو رغم زيارته لعدد كبير من مدن العالم، وبعض الموانئ الشهيرة ومشاهدته لمظاهر الحضارة فيها، والتي تفتقد جزيرته الصغيرة الوادعة إلى أقلِّها تطوراً، فإنَّه كان يحب أزقتها الخانقة حباً جماً، ولكنَّ حبه الكبير هذا كاد اليوم أن يتحول كرها عندما رأى جمهوراً غفيراً من القطط، وقد تجمَّعت حول أكوامِ القمامة الملقاة خارج البيوت دون أكياس، والذباب والبعوض يحوم حولها بشكل مقزِّز، ورائحة كريهة تنبعث منها جعلته يحسُّ بالغثيان والاشمئزاز، فأغلق أنفه بإصبعيه، والذباب يحيط به كأنَّه وليمة شهيَّة له ، وأسرع باجتياز الحارة التي اشتهرت بعدم نظافتها بخلاف بيوت سكانها، والتي تسبب حرجاً لأهالي الجزيرة أمام السُّيَّاح.

 رفع أصبعيه عن أنفه بعد ابتعاده عن رائحة الأوساخ وتراجع الذباب عنه.. استنشق الهواء بملء رئتيه هرباً من الاختناق، وسرعان ما تجدد شعوره بحب الجزيرة فحدَّث نفسه:

– آه لو كنت رئيساً للبلدية.
– وماذا كنت ستفعل ياشاطر، إن كان الأهالي قد تعودوا رمي الأوساخ قرب بيوتهم؟
أجاب نفسَهُ: أفعل الكثير، الكثير.
–  كلُّهم يقولون مثلك في البداية، ثم يصابون باليأس من الإصلاح، فينسوا ويطنّشوا ليبقوا في البلدية.
–  ولكنَّني لن..

– حتى عمال النظافة يهربون..

– سأحـاو…
–  لن تصل إلى ما تريد، فلا تتطاول كثيرا.

– صدقت ومن أنا كي أتطاول كثيرا أو قليلا؟!!
خرج من دائرة الأسئلة والأجوبة ليجد نفسه مواجهاً للبحر غربَ الجزيرة.
امتطى صهوة صخرة عالية قديمة التاريخ مجهولته وجلس فوقها مبهوراً بعظمة الأمواج الصاخبة التي راحت تضرب الشواطئ والصخور بثأر لا يعرفه.
حاول اكتشاف المجهول بنظرة إلى الصخور المجاورة، والبعيدة يستطلع منها ملابسات الثأر، ولكنَّه فشل في استدراجها للاعتراف.
جثا صامتاً.. حائراً تتقاذف الأمواج أفكاره ثمَّ تلقي بها فوق كتل الأوابد القاسية.. الصامدة فتكسرها بالعناد.
أحس بالبرد يأكل عظامه، فوقف يحرك رجليه كجندي أثناء التَّدريب ليطرد البرد من شرايينه قبل أن تتجمَّد فيها الدماء، أعجبته الحركة فكررها كثيرا وسرح بأفكاره بعيدا متمنيا لو أنه خدم في الجيش وجرَّب حياة العسكربكل مافيها من نشاط وقوة، لكن للأسف لم يتسنَ له ذلك لأنه وحيد، ومن كان وحيدا لأمه يُعفَ من خدمة العلم.

شعر بشيء من الحرمان.. توقف عن المراوحة وبعض دفء يسري في داخله، وعندما ترجل عن صخرته قدَّمت له الأمواج بغتة هدية غريبة جعلت جسده يرتعش لدقائق كادت خلالها أطراف لسانه تقرض تحت أسنانه المضطربة عندما فقد السيطرة على مشاعره وهو يرى كرم البحر يستقرُّ فوق الصخور خارج الماء.

بقلم

زاهية بنت البحر

وردات ثلاث

3

 

 

 

كلُّ الحواجز واهية ٌأمام عزيمتي وإصراري على الصمود وتحدي الحزن والوجع.. أخدِّرُ آلامي بهمس الفكر عندما يشرق باسمًا عبر حروفي.. أقتل اليأس بمدية الأمل، وأجتاز الضعف بنور الإيمان.. أمسح حبات عرق الصيف بمنديل الشتاء، وأطوي فيافي الفاقة بكفِّ الرضا.. سعيدة معه وبه فقط، وكل ماعداه أوهام لاتعني شيئًا لنبضِ قلبي المحب.. الموحد له، به أحبُّ وبه أكره.. سبحانه حبيبًا ليس كمثله شيء..

بقلم
زاهية بنت البحر

 

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)20

0

في إحدى زيارات سراب وأم عادل لوالدة أحمد، التقت هناك بخطيبته لمى التي أقامت عند خالتها منذ وصول الجثة ولم تفارقها إلى بيت أهلها إلا نادرا، وللضرورة الملحة خاصة وأنهما تعيشان في حارة واحدة.

تحدثن كثيرا عن أحمد وعادل، وعن عمق الصداقة التي ربطت بينهما.

 روت سراب عن رحلتهما الأخيرة الشيء الكثير بإلحاح من لمى وأم أحمد التي أرادت أن تسمع كل شيء عنه صغيرا كان أو كبيرا، فلم تبخل عليهما بالقص، مما جعل الابتسامة تعود إلى محياهما بما روته عن بخل القبطان خاصة فيما يخص الطعام رغم انه كان يأخذ من مالك السفينة أضعاف أضعاف مايصرفه أثناء السفر كما يفعل بسعر الوقود، وهذا كما قيل معروف عن بعض القباطنة الذين يصبحون من الأثرياء بل من أصحاب البواخر في مدة قصيرة من الزمن، عدا عن السرقات العامة التي تتم عندما يعلن أحدهم أنه سيشتري باخرة، والباب مفتوح لمن يريد مشاركة الناس له.

يُحدد القبطان ثمن السهم مبلغا معينا من المال لمن يريد الشراء.. يتهافت عليه الأهالي تهافت الفراش على النور، ولِمَ لا  فهم يعرفون كرم البحر.. تبيع النساء مصاغهن.. يستدين الفقراء ثمن ربع أو نصف أو حتى ثمن عشر سهم.. تضع الأرامل واليتامى ما معهم من صدقات المحسنين ثمنا لجزء من سهم أيضا، وآخرون يضعون تحويشة العمر وحتى حصة ميراثهم من أمواتهم على أمل الربح العميم.. ويتم جمع المال.

 تبدأ الأحلام الوردية تأخذهم إلى عوالم شتى يجدون بها أنفسهم في ثراء وهناء، وقد قبروا الفقر والعوز إلى الأبد.

أحلام كبيرة وآمال براقة بخيال جامح، ولكن  سرعان ما يتهاوى كل شيء عندما يعلن القبطان بعد عدة أشهر من استغلال الباخرة في التجارة البحرية خارج البلد، بأن الديون قد تراكمت عليها، وأنه سيبيعها بسعر بخس لتحصيل مايمكن الحفاظ عليه من ثمنها، وقد يعيد للمبخوسين ربع أموالهم أو ثلثها دون أرباح إلا ماندر.

بعد مدة  من الزمن يفاجأ الناس بأن القبطان قد اصبح مالكا لباخرة خاصة بحمولة كذا طن، وهو الآن يشيد فيلا ستبهر عيون القبطان فلان وتقلع عيون علان وخو يدري بأنها ستحرق قلوب الفقراء الذين سرق أموالهم بطرق يظنها مشروعة ناسيا أن الله له بالمرصاد، ولكنه وأمثاله لايتعظون، ولا يريدون أن يقروا بأن معظم من استغل طيبة سكان الجزيرة وقطف أحلامهم أصابه الله بسهم أحنى ظهره، ولكنه لم يرجع عن ضلاله متحديا صحوة الضمير ولو للحظة عابرة.

تركت هذه الزيارة أثرا طيبا في نفس سراب، وأسعدها التعرف على لمى  فهي  شابة جميلة، مهذبة تحب أم أحمد قبل أن تخطبها لابنها، وازدادت لها حبا بعد الخطوبة، وتعمقت المحبة بينهما أكثر بعد رحيل الخطيب.

في عيني لمى بريق يخطف الأنظار، ولها ابتسامة حزينة تزيدها جمالا غريبا ينطق بالألم رغم صمت صاحبته شبه الدائم.

 تمنت سراب لو كان لها أخ فتزوجه منها، ولكن علية لم تنجب إلا الإناث فضيعت فرصة التمني على ابنتها.

لمى أصغر منها سنا وأجمل أيضا، هي اعترفت بذلك بينها وبين نفسها لكنها لم تقل لها بأنك أجمل مني، فليس الوقت مناسبا لمثل هذا، ولا يليق بها أن تتكلم بموضوع ليس له مبرر على الأقل في مثل هذه الظروف، بل ولا حتى في غيرها.

 أحست بشيء من لوم النفس دون أن  تدري لماذا راود رأسها هذا الأمر، ربما كان من باب الشفقة عليها، فرأتها كما لم تكن لتراها في ظروف عادية، ولكن ماالعمل فيما همست لها به نفسها؟!!

كلمة حق بهمسةٍ دافئة قد تفتح أمام الآخرين أبواب السعادة ما لم تستغل  مصيدة لكسب مأرب لا يتوافق هدفه مع مكارم الأخلاق، وليس لهمسة نفسها مايعارض ذلك لكنها آثرت الصمت.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر)19

0

أكثر من مرة زارت سراب مع والدتها القابلة القانونية التي ستقوم بتوليدها، وفي كل مرة كانت تطمئنها بأن أمور الجنين بخير، وتصف لها بعض المقويات وتطلب منها شرب الحليب وتناول الفاكهة، وأن لا ترهق نفسها بالعمل كثيرا على أن تقوم بالمشي بين فترة وأخرى، ووصفت لها حبوب الحديد والكلس.
لم تكن أم عادل مسرورة بشأن القابلة، فهي تريد أن تستقبل حفيدها على يد الداية كما جاء والده وعمته، فرفضت والدة سراب وعادل ذلك خاصة وأنها الولادة الأولى، ولن يجازفوا بمغامرة لا يدري أحد ماتخبئه من مفاجآت. سكتت أم عادل على مضض مالبثت بعد وقت أن رضيت بالقابلة مفوضة الأمر إلى الله.
لم يكن حمل سراب بالنسبة لعادل أمرا عاديا فكان فرحا بقلق، وقلقا بحذر، يشعر رغم كل شيء وهو بانتظار المولود بأنه يمر في أجمل أيام حياته، وأكثرها ترقبا وتوجسا وسعادة بتمازج المتناقضات في إحساسه الجديد، كان يتشوق لرؤية المولود، فأحضر له ألعابا كثيرة، وثيابا تكفيه لسنوات، وذهب بسراب إلى طبيب الجزيرة فطمأنه، وضعها ممتاز وكل شيء طبيعي، لكنه كان في بعض الأوقات يحس بالضيق فيجلس إلى أمه.. يحدثها عن الحاضر والماضي والمستقبل، وسراب تنصت إليهما وابتسامة تعلو ثغرها وبين الحين والآخر تتلقى من جنينها ضربة رقيقة بحركة قدم أو كوع أو رأس.. تتحسس موضع الحركة متمتمة بالمعوذتين وعينا عادل تراقب يدها فوق الثوب وقلبه يرقص فرحا.
ذات يوم طلب عادل من سراب ارتداء الفستان الأخضر الذي أحضره لها عندما عاد من السفر:
أحب أن أراك به.
حاولت فلم تستطع ذلك لزيادة وزنها بالحمل، وعدته بارتدائه بعد الولادة، وبأن تتخلص من الوزن الزائد في أقرب فرصة، فقال لها بأنه سيشتري لها غيره بعد الولادة، وأنه لا يريدها أن تستعجل بالتخلص من الوزن الزائد خوفا على الطفل من سوء التغذية، ولتدع هذا الأمر لحينه، ويكفيه أنها ستهديه أغلى زهرة عطرة في الوجود، أنها كثيرة هي الزهور، ومتنوعة هي العطور، ولكن أجملها في يقينه على أية حال تلك التي تجعله يشعر بالسعادة حقيقة، وهو ينعم النظر في بديع صنعها، فيقول سبحان الله الخالق العظيم.
وهاهو الأملُ يدلف من ثقب قلبه خيطا رفيعًا يغزل به ستارة دفءٍ يعلقها فوق جدرانه خشية اجتياح الصقيع له في هجمة حزنٍ قارصة، ولن ينسى أن يسدَّ الثقب ببقايا الخيط، فبين اللحظة واللحظة برزخ مجهول لايعلمه إلا من سوَّاه.. كم نفس تقبض بين شطيه ?كم دمعة تسكب بحرقة أو بفرح؟
كم من دمٍ يهدر قبل بلوغ الشط الثاني بين اللحظة واللحظة؟
واليوم هو بانتظار طفله ورغم خوفه فالأمر يعجبه، بل يبهره، فعندما تولد حياة من حياة، فإنها تستحق المخاض الصعب بصرخة وليد يشرق أملا من بعد استبداد يأسٍ، فإن حقق الهدف من مولده فلا أحلى منه ولاأجمل، وإن لم يتم ذلك، فيكفي أنه مولد حياة تتولد منها حيوات جديدة قد يكون فيها ما ينتظر من أمل.

بقلم
زاهية بنت البحر

بانتظارالأمل(رواية لزاهية بنت البحر)18

0

 

ليلة من ليالي العمر شهدتها الجزيرة، رقصت فيها سجية حتى الفجر، فرحة بزفاف ابنتها شهلة عبد السميع لابن عمها توفيق، وظلت الأفراح والليالي الملاح قائمة عدة أيام بلياليها أعادوا فيها تقاليد الأعراس القديمة التي انقرضت في السنوات الأخيرة أو كادت من الجزيرة.
بداية اشترك أطفال العائلة والجيران ومن يشاء من الشبان والرجال بنقل جهاز العروس من بيت أهلها إلى بيتها على صوت قرع الطبول.. وقف الناس يشاهدون الجهاز من الأزقة الضيقة ومن على الأسطح، ومن النوافذ ويحفظون ما يشاهدونه ليكون المادة الدسمة للسهرات التي يتحدثون فيها عن الجهاز، وكم دزينة من الصحون بكل أنواعها أخذت معها، والطناجر، والصواني، والكاسات، والفناجين، والأحذية، والأراجيل، والفرش واللحف، والمخدات، والشراشف، وأدوات المطبخ والخياطة والتطريز، ويستمر الرجال بالنقل لوقت ليس بالقصير، والنسوة يزغردن كلما شاهدن فوجا من حملة الجهاز يمرون من أمامهن.
فجهاز البنت في الجزيرة تبدأ به الأم منذ أن تكون الفتاة صغيرة ويستمر حتى يوم نقله إلى بيتها.
في اليوم الثاني ليلا تكون ( الشوفة ) فيها تعرض العروس فساتينها في حفل ساهر، وفي اليوم الثاني (التغسيلة) وفيها تحني الماشطة الحاجة( أم النشار) العروس وتهيِّئها لليلة الدخلة التي ستكون في الليلة القادمة، أما ليلة التغسيلة فترتدي فيها العروس فستانها الأسود، وتستمر الحفلة حتى وقت متأخر من الليل دون أن يأتي العريس فهي للنسوة فقط ، يغنين ويرقصن على قرع الطبلة(الدربكة)، وغناء الحاجة بكريَّة صاحبة أجمل صوت في الجزيرة، وهي التي تزف العرائس منذ أكثر من ستين عاما بمساعدة ابنتها خضرا.
وفي اليوم الثاني تمد سفرة في بيت العريس(العَشْوة) لجميع أهل الجزيرة يأتي إليها من يشاء من الناس، ويجد الأطفال فيها فرصة للفرح وتناول أشهى المأكولات التي اشتهرت بها الجزيرة من كجيجات (كبة بالفرن) وفاصولياء ورز، وورق عنب، وخروف محشي، وكبة لبنية ومقلية وغير ذلك مما لذ وطاب من الحلويات كالكنافة والبقلاوة والمعمول والعجوة والفاكهة بكل أنواعها، ومن ثم تبدأ بعد العصرالحلاقة للعريس والتلبيسة حيث يقوم رفاقه بتلبيسه بدلة العرس على صوت قرع الطبول، ورقص إخوته ورفاقه، ويستمر ذلك حتى الليل حيث تُجلى العروس في بيت أهلها بفستانها الأبيض والطرحة فوق منصة عالية ليتسنى للجميع رؤيتها، وتزفها بكرية وتكون ليلة خاصة جدا تفوق ببهجتها كل ما مضى من ليالٍ، وفيها يتم النقوط للعروس كل حسب مكانتها وقرابتها من العائلتين، لايقتصر الحفل على المدعوات فهناك أيضا( الفراجة) وهنَّ من النسوة غير المدعوات يأتين لحضور العرس وقد خبأن وجوههن بمنديل أسود، فلا يظهر منهن سوى العيون ويكنَّ بأعداد كبيرة لم يخلُ فرح منهن. أما الماشطة أم النشار فتجلس بالقرب من العروس وتضع في حضنها منديل أبيض للنقوط ثم تلفه وتحمله معها، ولبكرية أيضا نقوط ممن تغني لهن ويرقصن على نقرات أصابعها السحرية على الطبلة(الدربكة)، ولكل فتاة وامرأة أغنية خاصة بها تختلف عن أغنية غيرها من الحاضرات. ويأتي العريس ليأخذ عروسه بمرافقة الطبل والعراضة ورقص الرجال بالسيوف من أصحابه وأقربائه.
يتأبط العريس يد عروسه، ويخرج بها من بيت أهلها بمرافقة بكرية وأهل العريس والزغاريد تملأ الأجواء بعد أن يخلي الرجال الطريق لموكب العروسين، ويستمر الغناء حتى تصل إلى بيتها الذي ستقيم فيه مع زوجها حيث أتمت أم العريس تجهيزه وفرشه بما يليق بسمعة العريس، وكل يجهزه حسب قدرته المادية، وقبل دخول البيت تناولها حماتها قطعة من العجين (الخميرة) فتلصقها فوق العتبة، وهذه عادة درج عليها السكان يعتقدون من خلالها بأن العروس ستلتصق مدى العمر ببيت زوجها كقطعة العجين التي التصقت فوق العتبة.
في صباح اليوم الثاني تكون الصبحية، ترتدي العروس فستانها الأبيض، وتزفها بكرية والأهل يغنون ويرقصون. بقي عليها ليلة السرقة وفيها تأتي إلى بيت أهلها، تسهر معهم وعندما تريد العودة إلى منزلها تشير لها أمها بأن تأخذ شيئًا من المنزل متفق عليه مسبقا، فتسرقه وتذهب به إلى بيتها.
فرح أهل الجزيرة بشهلة وتوفيق بعد أن وفق عقلاء الجزيرة وحكماؤها بين العائلتين، وتمنوا لهما حياة سعيدة.
حضرت سراب وحماتها حفلات النسوة وحضر عادل حفل الرجال رغم حزنه الشديد على صديقه أحمد.
دخل وزوجته إلى غرفتهما وهما يحلمان بليلة زواج ابنهما هاشم أو ابنتهما درة، وتعاهدا على أن يكون الزفاف على الطريقة القديمة فليس هناك أجمل من التقاليد التي تعبق بالأصالة وتعيد ذكرى الآباء والجدود.

بقلم
زاهية بنت البحر

بانتظارِ الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)17

1


طُرِقَ الباب صباحاً وسراب لم تزل في سريرها إثر شعور بإرهاق ألمَّ بها، أصغت قليلاً وانتظرت ريثما ينتهي هذا الصوت المزعج بفتح الباب، ولكن لم يحصل ما تريد.
نهضت من فراشها، وخرجت إلى فسحة الدار.. بحثت عن حماتها فلم تجدها في البيت، يزداد الطرق على الباب قوة وإصراراً، تأففت ضيقاً، وبلحظة طيش عصبي خانت عهد اختفائها عن الناس بالرد على القادم الطارق.. اقتربت من الباب وسألت من؟ فسمعت صوت جارتها هناء تستعجلها في أمر هام.
حوصرت سراب بالنداء، لن يفك حصارها أحد، فأدركت أنها في ورطة حقيقية وأنها لا محالة ستضحي بالبيت الجديد.
قبل أذان الظهر كان خبر حمل سراب يملأ أسماع أهل الجزيرة، كثر العاتبون، وتكلَّم الحاسدون، وفاعل خير يحبُّ (عادل) بثَّ إليه عبر راديو السفينة خبر الحمل هذا ليفوز بهدية قيمة.
وعندما عادت أم عادل إلى البيت قالت بخيبة: لن يشتري عادل البيت الجديد هذا العام.
كما ودَّعته بالدموع استقبلته بها سخيَّة عند عودته عل متن طائرة ركاب نقلته من ميناء مرسين إلى العاصمة، ومنها بالسيارة فالمركب إلى الجزيرة. روت له بتفوق ملحوظ حتَّى أدقَّ التفاصيل منذ بداية حملها إلى كشف سرِّه.
لفَّها بالإمتنان وضمَّها بالشوق، ولكنَّه لم ينس أن يفخِّخ لهفته الحرَّى واشتياقه المجنون إليها بشيء من اللوم وكثير من العتب، ولم تخفي عليه هي حسرتها المرة بخسارة البيت الجديد.
قال لها: أيسعدك أن أعمل صيَّاداً ريثما يأتي هاشم؟
أجابت بسرور: طبعاً، ولكن مايدريك بأنَّه( هاشم)؟
أجابها: هاشم، درة لا فرق، كلاهما نعمة من الله تستوجب الشكر.
فُك حصار سراب برجوع زوجها، فعادت إلى الظهور في المجتمع ولكن بحذر بعد أن تعلمت من الأحداث التي مرَّت بها فلسفة جديدة.
بهدوء جهَّزت ووالدتها ما يلزم للمولود عند قدومه، وأعدَّت البيت كما يليق بهذه المناسبة الرائعة، وبيَّضت الجدران.
لم يكن عادل كريماً بإنفاق الوقت دون عمل، فسعى منذ وصوله لإيجاد قارب صيد استأجره مع بعض رفاقه لتأمين قوت يومه بعد أن ترك العمل على ظهر السفينة وعاد بالقليل من المال.
مهنة الصيد تحتاج لخبرة جيدة، والريس منصور معلم ٌبها، وقد سبق لعادل أن عمل معه أحياناً كثيرة فيما مضى فاستدعاه لرياسة المركب.
هناك في البحر وعلى بعد عدَّة أميال من الجزيرة غرباً كان قارب الصيد يحمل(عادل) ورفاقه كي يلقوا شباكهم بعد عصر كلِّ يوم ويعودوا إلى الجزيرة قبل الغروب، وقبل الفجر يخرج الصَّيَّادون لجمع شباكهم بما علق فيها من اسماك، ثمّ َيعودون بها إلى المدينة الساحلية القريبة من الجزيرة لبيع صيد يومهم لمسمكاتها بالسعر الذي يستحقُّه كلُّ نوع منها.
قالت أم عادل له ذات يوم عندما عاد بثمن الصيد: سمعت والدك يتحدَّث عن الأسماك وعن علاقتها الحميمة بالصَّيادين.
سألها باهتمام: وماذا قال عنها؟
أجابت: قال رحمه الله: إنَّ الأسماك تحس بتعاسة الصَّيَّادين، لذلك فهي تحبُّهم وتشفق عليهم وتدخل في شباكهم لتخفِّف عنهم شيئاً من المعاناة.
فقال عادل باسماً: ولكنَّها تقع فريسة في الشباك لصغر عقلها، وضعفها فتهزم.
فقالت: مايدريك فلربَّما كانت منتصرة بالهزيمة، قويَّة بالضعف.
فسألها ساخراً: وهل هناك انتصار بالهزيمة وقوَّة بالضعف ياأمَّ عادل؟!!
أجابته بثقة: عند المحبين فقط، بمعنى أن تقدم نفسك فداء لمن تحبُّ.
فقال: أليس هذا غاية الجنون ياأمي؟ إنَّه انتحار ولو كان من سمكة، منطق غير صحيح ولا أحبُّه ياسيِّدتي.

بقلم

زاهية بنت البحر

 

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)16

2

في عرض البحر كانت السفينة تواجه عاصفة هوجاء هبت عليها رياح شديدة في غرب المتوسط، في نقطة بحرية تفصلها عن اليابسة مسافات طويلة.

 حركة غير طبيعية ملأت السفينة فبدا البحارة في ذهول، والقبطان في غرفة القيادة مستنفر الفكر والأعصاب لمواجهة ما قد تتعرض له السفينة من أخطار في هذه الأجواء الكئيبة التي تخلع القلوب من أعماقها، وتلقي بها في أعماق لا تليق بالرجال.

في هذه الظروف يجدون أنفسهم رغمًا عنهم يعيشون لحظاتهم ارتحالا في المدى، يتقبلون كلَّ ما يخطر على بالهم من عثراتٍ تحجب عنهم أمن السفر، وعندما يخطون أولى الخطوات يبدون بعدِّها بعين مفتوحة، يسترقون السمع لهمسات الوهم، وهم يغذون السير باتجاه الهدف، وحدهم الشجعان منهم يتابعون الإبحار في المجهول، بينما يتساقط الجبناء غرقى في أعماق البحار.

 

يمضي الوقت غير مكترث بشيء، يقطع جموعَ المارين به سعادة أو تعاسة، فمن يفهم لعبة الوقت يكسب منه كثيرًا، فكل شيء محتمل في دنيا غريبة عجيبة نفسر الظاهر منها حسب المعطيات التي تصلنا، فنقف عندها، ويظل المجهول أبعد من أن يطاله فكر أو حسابات بأي حال.

 كان عادل في الحقيقة يشعر بالخوف أحيانا عندما يجد السفينة في شاهق من الماء ثم تنحدر بسرعة في واد منه وأمامها جبل مائي عليها تسلقه ببطولة قبل أن يطمرها بأحماله الهائلة من الماء المالح.

الآن بين الخطر واليأس يبتهلون إلى الله حتى سارق السرقة قد يقوم بذلك ضعفا ،   فهم بين قبضة واقع لا يدري أحد كيف تكون فيه  النهاية، فكم من سفينة ضخمة اخترقتها الأمواج وأرستها في بطن البحر بمن وما فيها قبل أن يصل إليها الإنقاذ من إحدى الدول أو السفن القريبة منها.

كانت الأمواج تظهر كغول ضخم فاغرا فمه لابتلاع السفينة، من ينجُ ويعود إلى أهله يحدثهم عن رعب لم يذقه إنسان إلا شاب رأسه قبل وقت المشيب. لكن هناك من اعتاد على تلك العواصف فبات الأمر عنده غير ذي أهمية فيعلن تحدي البحر بكلمات لا يتفوه بها إلا زنديق.

نسي زوجته وأمه وحتى جزيرته، وشغل نفسه بالدعاء وهو يؤدي مع البحارة ما يطلبه منهم الربان الثاني من أعمال.

كان أحمد يركض من مقدمة السفينة إلى مؤخرتها ثم ينزل إلى  العنبر ومنه إلى غرفة الماكنات التي تسير السفينة، لم يكل عن الحركة كنحلة نشيطة جعلت الربان يثني عليه عندما هدأت العاصفة ووعده بمكافأة مالية . فرح أحمد بوعد الربان له بالمال ولو كان قليلا فقد يساعده بقضاء حاجة من حاجات التحضير للزواج.

تعمقت الصداقة بين عادل وأحمد حتى أصبحا كأنهما أخوان من أم وأب واحد، فهناك خيط شفاف لايراه إلا الأوفياء، يربط القلوب النقية الصادقة برباط غالٍ جدًا لايملك ثمنه إلا الحقيقيون من البشر، أؤلئك الذي يعرفون قيمة أنفسهم من خلال قيم الناس في قلوبهم، ولكن للأسف هم قلة، ورغم ذلك فبهم يكون للحياة طعم جميل ومعنى محترم.

وعندما سقط أحمد في عنبر السفينة، وفارق الحياة ظلَّ عادل يبكيه عدة أيام دون أن يعرف الرقاد له جفنا.

ودع البحارة رفيقهم أحمد بالدموع والزهور.. ونقلته الطائرة من أحد مطارات الغرب إلى بلده، ترافق تابوته حقيبته الصغيرة والكيس الذي وضع فيه جاكيت لمى، ودفن في الجزيرة وسط دموع أمه وخطيبته وجميع أهله ومعارفه.

لقد تعودت الجزيرة على استقبال أولادها البحارة أحياء وأمواتا بدموع الفرح، أو بدموع الحزن والفقد وهم في ربيع العمر..

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية بقلم زاهية بنت البحر)15

0

 

سرق الخوف أمنها، وبدد صفوها، فاتسعت عيناها وهي تخرج من غرفتها إلى بهو الدار والهواجس تملأ رأسها، رأت حماتها هي الأخرى بحالة قلق أشبه بالذعر:

–         ماالذي يحدث في الخارج ياامرأة عمي؟

–         لاأدري، اهدئي سأستطلع الأمر.

–         صراخ رجال يملأ الأجواء، سأنظر من خلف الشيش لمعرفة ما يدور.

–         لا.. قد يراك أحد.

–         كيف سيراني والشيش بعيون صغيرة بحجم رأس الأصبع؟

–         قلت لك لا تفعلي، سأرتدي ثياب الصلاة وأخرج، ناوليني الغطاء، أسرعي.

 

تزداد الأصوات علوا مختلطة بأصوات نساء، تفتح أم عادل باب البيت وتمد رأسها، تلتفت إلى سراب.. تشير لها أن لا تقتربي.. يلتهما الزقاق.. تمتد يد رجل وتغلق الباب.

مازالت الأصوات تعلو.. تعلو.. يختلط الحابل بالنابل.. أصغت من خلف الشباك.. وقع في سمعها صوت امرأة:

–         انت السبب يامنافق، لو أنك أحسنت تربية ابنك لنجت ابنتي وغيرها من أنيابه القذرة. والله ثم والله، لن نسكت على هذا الأمر وسترى ما الذي سيحل بك وبابنك الواطي ياابن الأوادم.

 

إنه صوت جارتهم سجية.. أجل هي سجية أم الصبية شهلة، لكن ما الذي حدث؟ الفتاة مخطوبة لابن عمها، وسيتم الزواج بعد شهر، لابد أن الذي  أثارها خطب جلل، فهي امرأة متزنة ومن عائلة يحترمها الجميع، ويقال بأنها حليمة، فهيمة.

انتظرت عودة حماتها لكن الأخيرة لم تعد إلى البيت رغم عودة الأجواء إلى هدوئها المعتاد.

توضأت سراب وصلت فرض العصر، وجلست تحتسي قهوة ما بعد العصر،

يؤنس وحدتها ما يقوم به الجنين في بطنها من حركات مفاجئة كانت تضع فوقها يدها وتقرأ المعوذتين والسعادة ترسم فوق وجهها ابتسامات الرضا.

 

منذ مدة احتجبت سراب عن الناس ولم تعد تظهر لأحد، فهي تخاف على حملها جدا وتخشى أكثر أن يرى الآخرون دهشتها وتأملها بما لم تعرفه سابقا، فالتأمُّلُ بشيءٍ غريبٍ يحدثُ لصاحبِهِ دهشةً تجعلُ الآخرينَ في حَيرةٍ من أمرِه.. منهم من يتهمُهُ بالاضطرابِ، وآخرونَ بالجنون، والبعضُ يظنُّهُ حالماً يرنو لأملٍ بعيدِ يوشكُ أنٍ يصطادَهُ بعينينِ مشدوهتينِ بروعةِ الصًّورة وربما كان ضربا من خيال..

سراب تؤمن حقيقة بما علمتها أمها وكانت تردد على مسمعها قولا حفظتها إياه عن ظهر قلب”إذا شعرتِ بأنك متشوقة للقاءِ فكرةٍ ما خطرتْ في بالك، فلا تمانعي باعتناقِها إذا كانتْ مفيدةً لك ولمنْ حولك، فازحفي إليها بكل ما أوتيتَ من قوةٍ إن لم تستطعي ركضاً، أو مشياً، وتأكدي بأنك لن تتلوثَي بالتراب لأن الفكرَ النظيفَ يكون دائماً طاهرًا.. وحملها نظيف فلمَ لا تتعلق بفكرة المحافظة عليه وعلى مستقبله بما سيحضره عادل من مال؟

 وعندما عادت أم عادل إلى البيت مخطوفة الوجه سألتها عما حدث. هزت المرأة رأسها بأسف واختصرت ماجرى بعدة كلمات، لعنت فيها الشيطان الذي يلعب بعقول الشباب فيقترفوا الإثم عن طيب خاطر، وعند المطالبة بإصلاح الخطأ والإسراع بالزواج يقولون: لم نجبر أحدا على شيء.

قالت سراب بأسف: لاحول ولاقوة إلا بالله، حتى لوكانت خطيبته يرفض ذلك؟

–        أجل ياابنتي لأنه يقول، من تسلم نفسها قبل الزواج لا تُستأمن على عرضٍ بعده.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)14

0

 

 

 الجمعة، صباحا، في أحد موانئ البحر الأبيض المتوسط رست السفينة التي يعمل على متنها عادل.. رمى البحارة الياطر، واستعدوا للنزول إلى اليابسة والتجول فيها والالتقاء برفاقهم الذين سبقوهم إليها، فهم جميعا يعرفون هذه المدينة جيدا، وقد شهدت للبعض منهم مغامرات كثيرة، وهناك من له فيها بيت لزوجة وأولاد أو لصديقة يقيم عندها ريثما تفرغ السفينة حمولتها في الميناء، وتُحمَّل بغيرها من البضائع التي تنقلها إلى ميناء آخر.

أنهى عادل أعماله المكلف بها في السفينة ونزل برفقة أحمد إلى المدينة لمحادثة والدته وسراب هاتفيًا، فقد هده الشوق إليهما، بعد مرور زمن طويل على سفره دون أن يستطيع الاتصال بهما لعدم السماح لهم بالنزول إلى المدن الساحلية التي مروا بها، بموجب قانون بعض الدول الذي يمنع البحارة من مغادرة السفينة، ومن ناحية ثانية فإن القبطان لا يسمح باستخدام الراديو إلا لأمور هامة جدا، إضافة إلى رفض عادل مبدا الحديث عن طريق الراديو واستماع الناس المنتظرين محادثات ذويهم مايدور بينه وبين أهله من كلام.

مشى عادل بهدوء يمتع نظره بجمال المدينة وما فيها من رقي حضاري، ونظافة شوارع والتزام الناس بقواعد السير والنظام في كل شيء، لكن رغم ذلك كانت صورة جزيرته لاتفارق مخيلته.

وهو في الطريق لفت انتباهه فستان أخضر في إحدى الواجهات المنتشرة بكثرة في هذا الشارع الكبير، لم يولِ اهتماما للمانيكان الجميلة التي ترتديه بل تخيله على زوجته التي يحب. طلب من أحمد أن يرافقه لشرائه، اعتذر أحمد لأنه هو الآخر قرر شراء جاكيت جلد طويلة للمى رآه في واجهة أخرى فأعجبه. افترقا على أمل اللقاء في الكافتيريا التي يجتمع فيها البحارة من أبناء الجزيرة ومضى كل إلى مايريد شراءه.

وعندما عادا إلى السفينة كان عادل غاضبا والضيق يعلو وجهه، حاول أحمد تهدئته فلم ينجح. رمى الكيس الذي كان فيه الفستان وبعض الأغراض التي اشتراها لوالدته وسراب ووجيهة فوق السرير في غرفتهما، وجلس مقطبا بينما راح أحمد يلطف الجو بإلقاء بعض النكات المضحكة إلى أن بدأت علامات الارتياح تظهر على وجه عادل فقال له:

–          لاتشغل نفسك بما لايخصك، كل إنسان هو حر بحياته يفعل مايشاء، ولن ينزل أحد مع أحد في قبره.

–         ماكنت لأهتم لولا أنه أراد أن أشاركه في خطيئته، لقد فقد عقله.

–         ولِماذا الغضب، فأنت رفضت أن تقرضه المال، وانتهى الأمر؟

–         ما يؤلمني يا أحمد أنه يضيع عمره وماله في الحرام تاركا زوجته وأطفاله للمحسنين، أهذا عدل؟

–         أمثاله كثر، ولا يهمهم إلا الساعة التي هم فيها، فادعُ لهم بالهداية؟

–         أي هداية؟ وهو يريد أن يقترض المال منى من أجل صديقته التي يقيم عندها، لتدفع قسط المدرسة لولدها بحجة أنه عمل إنساني، تصور ياأخي سيدفع لأولاد الصديقة، بينما أولاده بأمس الحاجة للمال. لم يعد يستحي والله.

–         سيرته باتت علكة بأفواه الناس، مثله ومثل غيره.

–         الله يعافينا مما ابتلى به الكثير من خلقه؟

–         آمين. المهم أنك تكلمت مع الوالدة والحمد.

–         أجل، ولكن أخونا أزعجني والله.

–         لاعليك، أنا أيضا تحدثت مع الوالدة وكانت لمى  عندها فضربت عصفوين بحجر.

–         عندما سمعت صوت أمي شعرت بغصة تخنقني، تمنيت لو أعود إلى الجزيرة، ولكن عندما تكلمت مع زوجتي غيرت رأيي وصممت على متابعة السفر لتأمين ثمن البيت الجديد أو مبلغٍ منه. لكن لاأدري شعرت بأن هناك شيئا ما تخقيه أمي عني.. لأول مرة أحس في كلامها نبرة جديدة أرجو أن تكون خيرا.

–         كل خير بإذن الله. قل الله.

–         الله ، لاإله إلا الله

       بقلم

      زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)13

0

 

بتوالي الأيام دخلت سراب مدرسة الحوامل لاول مرة. لم يكن انتسابها سهلا فقد انتظرت سنوات عجافا ريثما فتح لها باب القبول فيها، فبدأت أولا تتذوقُ طعم  الوحام، ومن ثم مضت تعيش تفاصيله بندا، بندًا. بداية كرهت رائحة البحر التي تصدر عنه في بعض الأحيان، فتهرع إلى الحمام، وتفرغ ما في جوفها، وأم عادل تلحق بها بقطعة من ليمون  حامض قيل بأنها تخفف الشعور بالغثيان.

 حارت العجوز بأمرها.. لماذا يحصل هذا مع كنتها عندما تشم رائحة البحر تحديدا، فهي لم تمر بمثل هذه التجربة سابقا أم تراها نسيت ذلك بمرور عدة عقود وألفت تدشؤ البحر كما يقولون؟!!

خافت عليها فقررت اصطحابها إلى طبيب الجزيرة فربما كان في الأمر خطورة، لكن سراب رفضت  ذلك واكتفت بالصمت، وكثرة النوم، وقلة الطعام.

لم يقتصر نفورها على رائحة البحر بل كرهت أشياء كثيرة، وأحبت أشياء أخرى لم تكن على علاقة طيبة بها قبل الوحام.

أصبح الشاي يثير اشمئزازها، فلم تعد تطق تناوله بل بات ذكر اسمه يدفعها للتقيؤ، وكان سابقا من أحب المشروبات إلى نفسها باردا أو ساخنا، والغريب أيضا أنها لم تعد تذكر زوجها كثيرا وإن تحدثت عنه حماتها استأذنتها بالذهاب، ودخلت غرفتها خوف إزعاج العجوز بكلمة أو بالتفاتة تصدر عنها  محملة بما تحسه تجاه عادل من تغير عاطفي فتجرح شعورها به، لكن والدتها أخبرتها عندما التقت بها ذات يوم بأن بعض النساء يشعرن بكره الزوج في الوحام، ومنهن من تترك البيت لعدم استطاعتها رؤيته أو شم رائحة ثيابه، وهذا أمر طبيعي سرعان ما ينتهي بانتهاء مدة الوحام التي قد تستمر أشهرا، فحمدت الله على أن عادل ليس موجودا معها في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الآن.

سألتها ذات يوم حماتها عما تشتهي من الطعام فقد كانت العجوز تقوم بالطهي في ذلك الوقت لعدم استطاعة سراب شم رائحته المقلي منه والمسلوق، فطلبت منها أن تطبخ ورق  عنب بزيت(يالنجي).

جلست أم عادل بنشاط ملحوظ  تلف اليبرق بمساعدة ابنتها وجيهة التي راحت تغني بصوت هامس لأمها تظهر فيه مدى لهفتها لاستقبال هاشم الصغير على أحر من الجمر، وعيون أم عادل تهمي بكرم دموع الهناء.

في هذه الأثناء بدأت سراب تحد من خروجها من المنزل، فقطعت علاقتها مع صديقاتها وقريباتها بحجة انشغالها بأمور البيت، فعتبن عليها، وبعضهن اتخذن منها موقفًا معاديا، بينما التزمت أخريات بالحياد، وتركن  لسراب حرية التصرف ولم يقلن بحقها إلا خيرا.

 في عزلتها كانت تحس بالضيق مما ينقل لها عما يقال عنها، ولكنها كانت تعود فتبتسم فالأمر لن يطول كثيرًا، فكانت عندما تحسُّ اختناقًا يحاول اقتلاعها من أعماق الصبر في حياة صعبة المراس، تجد نفسها برئة الأمل تتنفَّس، وبحضنه تتدفَّأ، وهي على يقين بأن من يُحرَمْ هذا الحضن يُسلبْ السعادة.. فتسبِّح من جعل لكل داءٍ دواء، فدواء الملل واليأس هوالأمل بكل نوافذه، وشرفاته وحدائقه الغناء.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)12

0

 

يتساقط المطر نوراً.. يسقي الروح العطشى الصاهلة على ضفاف الفرح المعشق بالحلم.. المزخرف بالأمل. المعطر بالطهور من الزلال.. تسمو بها اللحظة  بالشكر.. تسجد الجبهة بسكون لخالقِ الممكن واللاممكن، خالق الكون وقوانين الوجود، ويظل النور مضاءً بالفرح..

 هناك في الجهة اليسرى قرب شلالٍ على كتفِ الأمل حيث الظلالِ الواررفة، جلست أم عادل وحيدة تناجي ربها بما تجود به نفسها الصبورة، المؤمنة، الخاشعة، الراضية بقضاء الله وقدره.

أحست بحاجةٍ للبكاء.. إحساس غريب يلهب مشاعرها بفقرها للطمأنينة هذه الليلة.. ما بال قلبها يخفق بحزنه وقد آن له أن يفرح بحَمل سراب؟ّ

رجته قلبا أن يدعها  بلا قلق،  فهي بحاجة لنبضة سعادة تدفئ حولها برد الدنيا. رجته أن يكون صديقها.. أن يتسلق معها قمم الرضا.. أن يحررها من الحزن فقد أضناها عمرا مديدا.. ابتهلت إلى  الله أن يشرِّع لها نوافذ خيرٍ تلقى بها ومن تحبهم النعيم في الدارين.. تشهق بالبكاء.. يغرق وجهها بطهور الدمع علَّه يطفئ في داخلها شعور الحزن.. علَّه..

عبر أمواج الدموع تجد نفسها هناك على الشاطئ الشرقي تحمل بيدها اليمنى طاقة قرنفل حمراء، وحول عنقها طوق من الياسمين تعبق رائحته الشذية في أجوائها الصباحية والشمس تنهض من نومها بابتسامة برتقالية مشرقة، والنسيم يغازل بجرأة فستانها الوردي.

 بخفة شبابها الغض تمتطي صهوة صخرة عجوز مازالت تربض على جفن الجزيرة منذ آلاف السنين..  تتطاول على رؤوس أصابع قدميها الدقيقتين.. تلمح من بعيد فلوكته تتهادى بين الأمواج كعروس خجلى، تقفز إلى صخرة أخرى ومنها إلى أخرى والفلوكة تقترب من الشاطئ.. تراه مبتسما يلوح لها من بعيد، تناديه: هاشم، أطلت الغياب، يجد بالتجديف أكثر.. يقترب.. تنزل عن الصخرة.. تلامس  المياه الباردة قدميها، تحس بقشعريرة تسري في جسدها.. تنتبه.. تفتح عينيها.. أين هاشم؟ أين الفلوكة؟ لم تجد شيئا.

انتفضت خائفة.. فتحت نافذة الغرفة المطلة على البحر، لفحت وجهها نسمات باردة، أغمضت عينيها للحظات.. فتحتهما بكسل.. نظرت إلى السماء.. الظلام الدامس يحجب عنها الرؤية.. أغلقت النافذة.. تأوهت بحرقة وهي تقلب كفيها حسرة وألما فأصعبُ مافي النفسِ الإنسانيةِ ألا تعرفَ أينَ هي ..تموجُ الحياة ُبكلِّ صعبٍ ومريرٍ، ويبقى الأملُ شراعَ السفينِ التائهِ في خضَّمِ العمرِ، يبحثُ عن شاطئِ سلامٍ يتخيلُهُ جميلاً.. هادئاً لاتعصفُ بهِ الأعاصيرُ كذاك الذي يتلظى في صدورِ المساكين بين حريقٍ ورمادٍ.
هي لحظةٌ فارقةٌ بين الحقيقةِ والخيالِ ما أمسكَ بها قلب إلا وصلَ برَ الأمانِ، ولكنَّ مجداف َالخيالِ يظلُّ أقوى، وفورةَ الدماءِ أشد سفحاً بكفِّ الوعدِ الكاذبِ أحيانًا، وتلاعب الأمواج بسفينِ الأمل وقدْ.. وقدْ.. قدْ تغرقُ الرُّكَّابِ..

بقلم

زاهية بنت البحر