لستَ ولن تكون الوحيد الذي تصدمه الحقيقة عندما يسقط القناعُ عن أقرب الناس له وهم يتوارون خلف أعذار واهية هروبا من تقديم مساعدة لك في ظروف صعبة مؤقتة تمرُ بها ؛ أعلم يقينا بأنكم لو تبادلتم فيها الأدوار لن تكون كَهُم وقد سقطت عن عورات نفوسهم أوراق التوت..
نظرت في وجهه وقد ابتعد عنها.. رأته يحاكي لون الشمس التي بدأت بالشروق.. خافت.. ارتجفت.. كبَّرت.. أتشرق شمس وتغرب شموس؟!!
لم يعد أمامها وقت لعمل شيء ينقذ وحيدها ومن معه من كارثة محققة الوقوع إن هم ركبوا الزورق وأبحر بهم في غياهب المجهول..
عاشت عمرها تتحدى اليأس.. والآن هي في أكبر محنة تقع بين فكيها.. كادت تصرخ.. تولول وتنوح.. تمسك حسيبة بيدها.. تهمس في أذنها بكلمات.. لم تستوعب ما قالته لها.. تطلب منها إعادته على مسمعها.. مازالت خارج تغطية الوعي.. تعيد حسيبة كلامها الهامس للمرة الثالثة.. ثمة علامة ارتياح تشرق بمعية الشمس فوق وجنتي درة..
تغادر المكان على عجل وخلفها حسيبة.. تركض.. تركض حسيبة.. يعلو صوت خطواتهما.. يقارع عواء الريح.. الأزقة خالية إلا منهما.. بقي عليهما القليل لتصلا إلى ما هما إليه مسرعتان..
ابتعدتا عن البحر وعن رشق أمواجه لكنهما وقعتا فريستين لانصباب الماء فوق رأسيهما من مزاريب الأسطح التي تملأ الحارات الضيقة.. لم تحسا بما ظل ينهال عليهما لانشغال رأسيهما بالأهم.
وصلتا إلى هدفهما على عجل.. لم تتوقفا لالتقاط أنفاسهما.. اتجهتا نحو باب يعرفه الجميع.. مخفر الجزيرة.
اليوم كان في زيارتي قادم من خلف المحيطات، جلسنا معا نحتسي قهوة المساء، وأريج الماضي يعبق في أجواء غرفتنا. كنتَ معنا، نعيدك رغما عنك بذكريات ما أجملها حاضرا وماضيا، سمع قلبي برهافة حسه همسك لنا، ورغبتك بلقائنا بعد أن رحل عنا الأب والأم والأخت ووليد. كم أحبك يامصطفى يارفيق الطفولة، وياشقيق الروح، وكم أحب هذا العُمَر الذي تذكرني عيناه بعيني والدنا رغم ما تحمله من شقاوة محببة لنا. جلست أملأ عيني من ابتسامته الساحرة، وقلبي من محبته، وروحي من شوقي لبيتنا ونحن نسقسق فيه فوق أفنان السعادة، يرعانا فيه بعطفه ورحمته محمد وأمُّنا الزهية. بالله عليك أما شعرت برعشة شوق لارتشاف قطرة حنان من كأس الماضي؟؟ أرجوذلك..
رفع يده بغضب وراح يمسح المرآة التي وقف أمامها، ومابين عينيه عقدة بحجم جوزة صغيرة..أرخى يده، وعيناه ترمقان وجهه المرتدَّ إليه من خلال صفحة المرآة.. اقترب منها برأسه.. ابتعد.. رفعه إلى أعلى.. التفت به إلى اليسار.. إلى اليمين.. نزل به إلى الأسفل مائلا، وعيناه تتفحصان وجهه في كل الاتجاهات التي قام بها خلال وقت قصير.. رجع إلى الوراء خطوتين ويداه تعبثان بوجهه صعودًا وهبوطًا.. زمَّ فمه بغضب.. فتحه ثانية وهو يقذف منه رذاذًا أغرق وجهه في غبش المرآة..