رمضان، بلفظ اسمه ينسكب الجمال في النفس إحساساً روحياً منعشاً، ومخلصاً من بعد عناء دام طويلا طويلا.. رمضان بعظمة معناه وروعة حقيقته يغسل القلب من عفن الوحشة، وأمراض الغياب.. يهدهد أرواحنا بأمل الرضا، والمنِّ علينا برباط صلة رحيمة تعيد نقاءنا براقاً بعد موحش ظلمة. أيتها الروح الساكنة في جسدٍ يتآكل يوماً بعد يوم… تضعفه الأمراض… تهدِّله السنون …من سيقوم بصاحبه إن كنتِ مريضة.. قاصرة عن رفعه من سقوطٍ أنحَل سموُّه، وذهب ببراءته بشتي أنواع الفتن؟
أيتها الرُّوح عندما تذكرين رمضان رغماً عنك ترتعشين.. تهتزين وجلة.. تبحثين عن موئلِ أمنٍ يقيك حرَّ الذّنب ووخز الضمير.. تهتزين فرحا بموسم الخير.. ترتفعين إلى حيث ذاتك الطاهرة قبل الذنب.. تتوضَّين بتوبة صادقة تحسين بعدها بالصفاء والراحة.. تتمرغين ساجدة .. آيبة.. راجية العفو من رب كريم .. ماأحلى الرجوع إلى الله بدموع الذل تطلبين منه القرب والرضا.. رمضان ربيع القلوب المؤمنة فيه تعانق الروح الجسد.. يتوحدان في مسجد الذات طوعاً ورهبا.. مع كل ركوع وسجود تسقط دمعة قد لانراها.. نحسها حارقة في ذاتنا المذنبة فتحرق الذنب.. يصبح رماداً ينثر في عيون الشياطين عمىً.
أحب رمضان كما لاأحب غيره وفي الكل بركة وخير.. شهر عظيم لعبادات عظيمة للمِّ شمل الأسرة، فالحارة، فالمجتمع، فالأمة كلها بأمن وسلام. رحم الله من توفاهم من أهلي.. بت اليوم أحس بالفقد أكثر كلما دخلت في الشهر الكريم. كانت لمتنا رائعة وجلستنا حول مائدة الإفطار، وأبي بعينيه السوداوين يتفقدنا واحداً تلو الآخر وهو يقرأ القرآن الكريم وعلى كتفيه عباءته في فصل الشتاء. آسفة لن أستطيع المتابعة فقد بدأت ارتجف حزناً وألماً.
عندما تجمعنا اللحظةُ على مائدةِ الذكرى؛ تفيضُ العيونُ بالدموع.. تروي ظمأ القلبِ لنظرةِ عطفٍ.. بسمةِ حنانْ.
كانت عيناه مأوىً لنا؛ مصنعَ القوةِ والوقارْ؛ تكلمنا بنظرةٍ رحيمةٍ؛ مازال دفؤُها يسري في جسدي؛ منه تعلمتُ أن أكون أنا أينما كنتُ لا أسمحُ لطريدِ الرحمةِ أن يسلبَني أمنَ القلب.. رضا النفس، وعظيمَ الشكر لمن جعله لي أباً، ومعلماً كيف يكونُ الحبُّ لله صافياً؛ نقياً خالداً.. واسعاً وإن ضاقتْ بي دروبُ الحياة.
رحمك يا أبي ياحاضرَ النبض في قلبي ووجداني.. سيظل اسمك المنير محمد مصطفى يمق رمزا لعلمٍ من أعلام الرجولة والمروءة والمحبة لكل من عرفه يوما، ولنا بإذن الله.
بعد دفنها وانصراف المعزين، استأذن أولاده بدخول غرفته لأخذ قسط من الراحة بعد يومٍ أنهكه تعبا.
دخل غرفته، أغلق الباب وراءه، أشعل نور المصباح فرآها تقف في وسط الغرفة يلفها البياض عدا وجهها الشاحب، ويديها المتيبستين وقد فرجَّت بين أصابعهما، ووضعتهما فوق صدرها ووهج غريب يشع من عينيها.
حاول الخروج من الغرفة، تقدمت نحوه بهدوء، معترضةً طريقه إلى الباب. حاول إبعادها، لم يحس بملامسةِ شيء. استعاذ بالله مرة أخرى.
– لست شيطانة ولا جنيا، أنا عزيزة.. زوجتك .
– دفنتها اليوم، بيدي في القبر.
– أعرف.
– من أنتِ؟
– عزيزة، أجل أنا هي، أتريد إثباتا؟
– مستحيل، عزيزة ماتت.
– أجل، وهي ترقد بسلام تحت التراب.
– من أنت إذن؟
– عزيزة ياعزيزي؟
– أكاد أجن، كيف تكونين تحت التراب، وأنت هنا أراك بأمِّ عيني.
– وهل تظن بأن موت الجسد ودفنه يمحوني من داخلك؟ أنا أسكنك إن شئت هذا أم أبيت، سأتابع معك حياتك في كل شيء.
– مستحيل، أنت متِّ.. اتركيني وشأني.
– كيف سأتركك وأنت قاتلي؟
– حرام عليك، أنت الآن في عالم الحق، فلا تتجني علي.
– أتجنى عليك!!؟؟ لماذا يارجل؟ أنت كاذب.. منافق.
– دعي حسابي لله وانصرفي عني.
– لاأستطيع، أنا قدرك ولا فكاك لك مني، ستجدني في صحوكِ ونومك، في سعادتك وتعاستك رفيقة أنفاسك حتى آخر رمق فيها.
– ابتعدي عن طريقي.
– لم يشعر بجسدها فوقعت يده على الباب، فتحه وخرج من الغرفة مذهولا وأولاده يقفون أمامه بذهولٍ أشد، سألهم بغضب:
– لماذا تقفون هنا، ماذا تريدون ؟
لم يجبه أحد.. كرر السؤال ممسكا بكتفي ابنته الكبرى:
– غزل، لماذا تقفون هنا ؟
لم تجبه، هزها من كتفيها يأمرها بالرد عليه، فقالت والدمع يتحدر من مقلتيها فوق خديها المتوردين:
كنت تتكلم بصوت مرتفع أثارَ مخاوفنا، فجئنا للاطمئنان عليك.
– هل سمعتم أحدا يكلمني؟
– لا
حاول التماسك من أجل الأولاد فأمرهم بالذهاب إلى النوم.
جلس فوق الكنبة بعد أن أخلى أولاده المكان. أحس بنعاس شديد، تمدد وأطبق عينيه في محاولة للنوم. كان مصباح الغرفة مضاء. سمع صوت خطوات تقترب منه، أحس بتوبيخ الضمير فقد أقلق أولاده، ترى ماذا يريد القادم منه، فتح عينيه، وعندما التقت عيناه بعينيها هب واقفًا بذعر، رآها تزداد شحوبا وتيبسا، صرخ بصوت جعلها تشمئز منه:
– ماذا تريدين مني ياأنتِ؟
– ياأنتِ!؟ أرأيت حتى بعد موتي ترفض أن تناديني باسمي، كنتُ أحلم قبل أن أتزوج بأن أسمع زوجي يناديني باسمي، لكنك لم تفعل طوال سنوات زواجنا كلها.
– اغربي عن وجهي أيتها الشبح…
– لاتغالط نفسك، لستُ شبحا، أنا كائن موجود يسكن ذاتك.
– هذه المرة سأقتلك حقيقةً..
– لن تستطيع ذلك، القتيل لايقتل مرتين.
يقف بغضب، يتناول مزهرية كانت فوق المنضدة، يقذفها فوق رأس محدثته، تسقط فوق الأرض محدثة صوت تهشم الزجاج. يخرج أولاده من غرفهم وهو يضرب كفا بكف. تسأله غزل:
– أبي، هل أنت بخير؟
يجيبها مرتبكا:
– أجل، أجل، عودوا إلى أسرتكم سأدخل غرفتي للنوم فيها.
يغلق باب غرفته.. يستلقي فوق سريره.. يغط في نوم عميق.
ثمة يدٍ ترتفع من تحت الغطاء تحاول ضرب الهواء.. أنين تتراقص فيه همهماتٌ صاخبة.. كانت عزيزة تخترق اغفاءته بسبر موجع..
– اتركيني.. ابتعدي عني.. لا أريد منك شيئا
تقترب منه أكثر
– خذ هديتك، افتح الصندوق ..
يصرخ :
– لا لن أفتحه .
– سأفتحه أنا..
– تفتحه، تندلق منه أفاعٍ سود..
يقفز من السرير، يخرج من الغرفة، يدخل المطبخ، يتناول كوبا من الماء..
تقابله غزل بباب الصالة، يصرخ بها:
– اتركيني وشأني .
يدفعها بكلتا يديه، تسقط فوق الأرض، يسرع إليها أخوتها وأخواتها، يرفعونها والدموع تنساب من عيونهم. تقترب، تضع يدها في يده، تسأله:
– مابك ياأبي، ماذا أصابك بعد موت أمي؟
– عزيزة، ابتعدي عني قبل أن…
– أنا غزل ياأبي.. أسمعني أرجوك..
– قلت لك اتركيني وشأني
– أبي، أنت متعب، سأستدعي لك الطبيب.
– الطبيب، ليقتلني أليس كذلك؟
– يهجم عليها تلتف يداه حول عنقها، تصرخ، يحاول أشقاؤها إبعاده عنها، يضربهم، تفلت منه، يسرعون إلى غرفتها، يقفلون الباب، يسمعون صوته:
– اتركيني ، اتركيني.
– صوت باب يفتح، صوت إغلاقه، صمت مطبق، تخرج غزل من الغرفة، تتفقد البيت، لاتجد أباها، يسرع محمود للبحث عنه في الخارج، يصل متأخرا، لم يستطع الإمساك بوالده والابتعاد به عن طريق شاحنة كانت تمر مسرعة في جوف الظلام.
الصداقة الحقة هي عهد شرف بين اثنين دون ميثاق مبرم وموثق فوق الورق.
لأنه الصديق\ة الحقيقي\ة صار\ت من سابع المستحيلات إلا من أراد الله أن يكرمه\ا وهذا قليل ونادر، فالناس ماعادت تهمهم إلا المصلحة الشخصية من علاقتهم ببعضهم بعض بكل أسف، فإذا انتهت المصلحة انتهت الصداقة، فلو كان لكل إنسان صديق مخلص يجده وقت الضيق لكانت الدنيا بألف خير، ولكن هيهات هيهات .
هذا زمن النفاق حتى من أقرب الناس، أقرب الناس ياأختي إيمان، وقد صح قول” خيرا تعمل شرا تلقى.”
هناك من يكون صديق لرجل ثلاثين عاما، وعندما يموت الرجل يخون الصديق المنافق صديقه بإحاكة الفتن لأولاده فأي صداقة وأي إخلاص كانت هذه الصداقة؟!!!
عندما يكون الإنسان خائنا لصديق فهو بداية يكون خائنا لنفسه قبل صديقه
والنتيجة إنه يتلقى الصفعات قبل صديقه لأنه يعرف نفسه خائنا وهو يحتقرها.
فراشة ساحرة بجمالها وسنواتها الثلاث.. تلف وتدور في روض من الأزاهير.. تطير بجناحي طفولتها.. تصطدم بمنضدة جانبية في بيت جدتها.. تنقلب فوق الأرض.. تغضب الجدة.. تهرع إلى الطفلة.. تنهال عليها بالضرب لتأديبها.. تجفل الصغيرة.. تصرخ بخوف وصوت ارتطام يد الجدة فوق جسدها الغض يسمعه من هم خارج الغرفة..
في اليوم الثاني راحت الصغيرة تضرب بقسوة كل من تراه أمامها.