Mryam M.Y

Just another WordPress.com weblog

قالوا في الزاهية( طائر الأشجان)

2

 الغريد طائر الأشجان إلى أخته في الله زاهية بنت البحر

وهذه القصيدة المبهرة.

يا من نكأتِ جراحـاً خِلتُهـا  اندَمَلـتْ”

“وأيقَظتْ بي شجونـاً كُـنّ فـي وَسَـنِ

ما بال دمعُـكِ لمـا سـالَ فـي  دِعَـةٍ”

“شَبّـت لواعِـجُ ذَيّـاك الفتـى الفَطِـنِ

ذَهبـتُ فـي غَيهـب الماضـي ولجّتِـهِ”

“فما وَجَدتُ سوى الأشلاء مـن  سُفُنـي

تَرنّحتْ فـوق سفـح المـوج قائلـةً  :”

“”زِدني من النّوح واسعِدني على حَزَنـي”

يـا غـارةُ الله مُـذ شَـطّ المِـزارُ  بِنـــــا”

“ما طابَ عَيـشٌ ولا شَـدوٌ علـى فَنَـنِ

أنعِـم بجيـرَةِ ذاك العهـد واسـقِ بهـم”

“ظمئى النفوسِ وكَـم سُقيـا بِـلا ثَمَـنِ

كانـوا وكُنــــــــا بِرَغـم البُعـدِ  كَوكَبَـةً”

“مـاذا أحَـدّثُ عـن أسلوبِهـا  المَـرِنِ

كيفَ استباحت ريـاح البَيـن  حُرمَتَهـا”

“وَهل قَضت سُنّةٌ مـن جُملـةِ السُّنَـنِ  !

سَل “ابنة البحر” كم  قيثـارةٍ عَزَفَـت”

“لحنَ الخلودِ وأشجَـتْ كـل ذي شَجَـنِ

وكَم علـى تِلكُـمُ الأوتـارِ ” زاهيــــةٌ “”

“تَرَنّمَتْ وسَـرَت بـي حيـث تأخُذُنـي

إلـى حدائـقَ غُلبـى لا مثـيـلَ لـهــــــــا”

“تكـادُ مـن سحرهـا الفتـان  تَقتُلنـي

هذي”دمشقُ”وذا إبـداعُ”زاهيـةٍ”:

“فاسمع صدى”طائرالأشجانِ”من”عَدَنِ

 

تحيات أخيكم/
طائر الاشجان

 

 

بانتظار الأمل( رواية بقلم زاهية بنت البحر)38

1

عندما وصل الرجلان إليه وشاهدا عن قرب ما رمته الأمواج فوق الصخور، هالهم المشهد وأربكهم لبعض وقت، لكن سرعان ما استأذن أحدهما بالذهاب لإحضار لوح خشبي كبير يساعدهم فيما هم مقدمون عليه.

 وعندما عاد كان معه عدة رجال ولفيف من الأطفال الذين لا يفوِّتون حدثا في الجزيرة إلا ويكون كل واحد منهم شاهد عيان يدلي بمعلومات عما رآه بعضها صحيح، وكثير منها مما أوحى به خياله بتفسيرات شخصية خاصة جدا مع رشَّات من التوابل.

تعاون الرجال على  إخراج الجثَّة المنتفخة التي حوصرت بين الصخور، وقد تسبب ارتطامها الشديد بتناثر أجزاء منها فوق المياه وعلى بعض الصخور القريبة منها.

لم يتعرَّف أحد على صاحبها شأن كلِّ جثَّة تحملها الأمواج عادة إلى شواطئ الجزيرة.
كانت لرجل أسود مجهول الهويَّة، مشوَّه الملامح، شبه عارٍ مقيَّد بحبال غرست في جسده الرخو المتآكل.
أخطر المخفر بشأنها، فأُمروا بدفنها في المقبرة قرب قبور الغرباء.

بعد صلاة المغرب قام المصلون بأداء صلاة الغائب عليها، ودعوا له بالرحمة والصبر لأهله.
في المساء جلس عادل حزينا متعبا أمام التلفاز يشاهد نشرة الأخبار من إحدى المحطَّات الكثيرة التي يلتقطها الهوائى بسهولة في الجزيرة بعد أن أرهقته أسئلة الأهالي عن الغريق، فقد ظن الكثيرون منهم بأنه ربما يكون أحد أقربائهم، ولكن لون الجثة كان ينقذه من طول الأسئلة.
وعندما دعته أمه وزوجته للعشاء اعتذر بلباقة بحجَّة عدم شعوره بالجوع ولفقدان الشَّهيَّة. وبإلحاح من أمه تناول بضع لقيمات من الديك المحشي الذي كان متشوقا لالتهامه منذ الصباح، لكن منظر الجثة جعل نفسه تأنف من تناول الطعام، والاكتفاء بكأس من الشاي عاد بعده لمتابعة النشرة الجويَّة في التلفزيون المحلي، وقد نوى ضمنيا ألا يذوق بعد اليوم لحم ديك محشي.

سألته والدته وقد جلست بالقرب منه:

–        هل توصَّلوا لمعرفة صاحب الجثة؟
أجابها دون اكتراث:

–        من هم؟
–  رجال المخفر.
أجابها ببرود:

–       إنَّهم بضعة رجال وهم ليسوا محقِّقين.
فسألته: ومن سيتولَّى التَّحقيق إذن؟
–   لا تشغلي بالك يا أمّ عادل. هم يعرفون عملهم أكثر منا.
فسألته بحزن: وأهل الغريق ألن يسألوا عنه؟
–   حتماً هم يسألون، ولكن لا أحد يعرف عنهم شيئاً.
–  أهو من بلدنا؟
أجابها: لا يدل لونه على ذلك.. البحر واسع يا أمي والأمواج تقرب البعيد وتبعد القريب، والجثة متفسخة يعني مضى عليها في البحر وقت لا يمكننا تحديه.
اقتربت منه قليلاً وهمست في أذنه: هل في الأمر جريمة؟
أجابها بفتور: ربَّما، فالجثَّة وجدت مقيَّدة بالحبال.
سألته: ولِمَ قيَّدوه بالحبال؟
أجاب بضيق: لم أكن معهم عندما قيَّدوه.
فسألته: هل ألقي من إحدى السفن إلى البحر؟
أجابها وهو ينظر إلى زوجته: ربَّما يكون مات في السفينة فألقوه في البحر لأن البحر مقبرة أموات السفن كما تعرفين، أو قد يكون قُتِلَ فيها مقيَّداً ثمَّ ألقوه للتَّخلص من آثار الجريمة، ومثل هذه الحوادث تحصل في السفن التي تجوب  البحار فليس البحارة ملائكة، أو ربَّما قتل فوق اليابسة والقي في البحر، فحملته الأمواج إلينا أو قد يكون انتحر و..

–       وماذا ياعادل؟

–      البحر يحبنا ياأمي، يحبنا كثيرا، ويقدم لنا هداياه المدهشة..
فقالت وهي تنظر إلى سراب التي كانت تصغي إليهما بكثير من التأثر والدموع تلمع في مقلتيها:

–     من الأفضل أن تبقى صيَّاداً ولو شبعنا يوماً وجعنا سنة.

ظلت سراب قلقة حتى ساعة متأخرة من الليل بينما رقد عادل وأمه، واستسلما لنومٍ عميق.

أفكار شتى شغلت رأسها الصغيرة، حاولت الهرب منها، لكنها فشلت أمام أسئلة ملحة لم تجد لها جوابا، ترى كيف كانت حال  صاحب الجثة قبل الموت وما هي الاسباب التي أودت به إلى هذا المصير؟ من قتله؟ هل راى قاتله؟  ماالحوار الذي دار بينهما قبل القتل وهل قيد قبله  أم بعده؟ من أي بلد هو؟ هل له أم وزوجة وأولاد ينتظرون عودته سالما غانما كما كانت هي تنتظر عادل عندما كان مسافرا؟ هل كان سيجمع المال لشراء بيت لعائلته أم أنه كان  سيجهز بيتا لعروس؟

أتعبتها الأسئلة التي ظلت تمطر حزنا وخوفا في نفسها القلقة.. نهضت من سريرها.. خرجت من غرفتها إلى غرفة المعيشة، فوجدت حماتها تحتسي مغلي اليانسون.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر) 37

0

أيقن عادل أنه في مأزق حرج للغاية، وحدته الآن زادت من شعوره بالرهبة، تمنى لو انه امتطي صهوة صخرته ومضت به في طريقه  فوق الأمواج دون أن يحظى بصيد تقشعر له الأبدان، حصانه الصخري بدا عاجزا عن حمله والهروب به عن دائرة موقعه ولو إلى جبهة القتال مع عدو ماهم من يكون.

 انتفض من بوتقة الخوف الذي كاد أن يخذله رافعا رأسه إلى السماء، ونادى” يارب  لاتتخلى عني، ساعدني فأنا بحاجة لك”. أتراه استشعر عن بعد نداء سراب فاتحد النداءان وصعدا شفعا إلى الله عزَّ وجل؟

استجمع قواه لاهثاً فهو رجل، والخوف ليس من شيم الرجال.. نظر إلى بيوت الجزيرة المجاورة للبحر وأزقَّتها النحيلة المؤدية إليه علَّه يجد من يساعده في انتشال ما لفظته الأمواج خارج فمها المخيف.

ثمة رجلان كانا فوق أحد السطوح في عمل ما إثر هبوب العاصفة، سمعا صوته يستنجد بهما فأسرعا بالنزول إليه. لم يعد الآن وحيدا في خلوته مع البحر الهائج بطيش أرعن، سيصل الرجلان ليقذفاه خارج جوف وحدته التي كرهها كره العماء، تمنى للحظات لو أنه لم يغادر المنزل، ولم يختلف مع والدته بأمور حسبها تافهة أمام ماهو فيه الآن.

ربما عبرت ذهنه وهو صيد مفاجأة الرهبة مئاتُ الفكر، وآلاف الصور مما رآها أو سمع عنها أو تخيَّلها، ولكن ليس كمثل هذه المفاجأة شيء آخر.

هو يؤمن بالغيب، وبأنه معرض لأي شي يمكن أن يحدث له، ولكنه وجد نفسه الآن ضعيفا لاحيلة له ولاحول، فاستمسك بإيمانه، قوَّى عزيمته، والتجأ بكله إلى الله يستعجله وصول الرجلين قبل أن تسحقه المفاجأة، فشهامته تأبى عليه الهروب وغض الطرف عن أمر يستوجب الرجولة في مثل هذا الموقف، والمسؤولية أمام الله والقانون.

الرجولة الحقة تحلق بحاملها فوق الخوف والتعاسة وضوابط المعقول، واللامعقول، تجعله سيدا لايخشى شيئًا سوى الله، يتخلى عن الأنا في سبيل عمل خير يثمر رحمة للآخرين، تحركه طاقة جبارة أكبر من حجم الوصف والكلمات.. يتراءى أمامه المستقبل ناصعا، والليل مضاء بقناديل الحق التي لا يحترق زيتها مدى الحياة.

ابتسم في سره عندما وجد نفسه واقفا فوق منصة عالية يلقي خطابا أخلاقيا في صالة واسعة خلت إلا منه، فأوشك أن يصفق لنفسه لكنه توقف خشية اتهامه بالجنون إن هما شاهداه وهما قادمان بهذه الحال الغريبة مهما كانت الأسباب التي جعلته يخرج عن المألوف في تصرف الرجال المحترمين، وهو يشهد لنفسه بأنه رجل محترم لم يصدر عنه فعل مشين يجعله في دائرة الشبهات، بل جميع من يعرفه يشهد له من غير زور بشهادة الحق هذه، وأول الشاهدين والدته وزوجته سراب التي مازالت تنتظره على أحر من الجمر، تلهو بقلبها الوساوس من جراء تأخره عن الحضور إلى البيت حتى الآن.

أجل سيظل قويا كما عهده الجميع واثقا من نفسه عملا بما علمته والدته فحفظه وعمل به، فخيل إليه أنه يسمعها تردد على مسمعه مقولتها:

“عندما تشعر بالعجز لاتستسلم له، وعندما تكون حليمًا فإنَّك ترى بعين البصيرة مالايراه الآخرون.”

كل يوم تزداد مكانة أمه المرموقة في نفسه ارتفاعا، فرأيها ذو قيمة  يعتز به ويفخر أمام الجميع لعميق فكره وسمو حكمه عن التملق وصف الكلام بلا فائدة.

بقلم

زاهية بنت البحر

نشوة الزهر

1

 الزهـــرُ يامقبولـــــةَ الخيـرِ انتشى”=”زهوًا بسحـرِ الشعـرِ والأوزانِ
من أيِّ شهدٍ قـــد قطفتِ  رحيقَـــــهُ”=”حتى تدفَّقَ مـن  رواءِ  جَنـانِ؟
صبَّحتِني بالخيرِ ياوجـهَ  الضِّيــا”=”فلتسلمـي للأهـلِ والأوطـانِ
وليرعكِ المولـى الرحيـمُ بحبِّــــــهِ”=”ياأختَ قلبي في هـدى الديـانِ
وليسلمِ الشعرُ البديعُ إذا اعتلــــــى”=”قِممَ الشوامـخِ زاهـيَ الأوزانِ
مترنِّمَ الخفقاتِ عبـرَ صدوحِــــــــهِ”=”بمكارمِ الأخلاقِ فـي النسـوانِ
كلُّ المروجِ  جميلـةٌ  بعطورِهــــــــا”=”وعطورُ عابدةٍ شـذى  الإيمـانِ
من غيرِ قربٍ نستشفُّ  عبيـــــرَهـا”=”بحروفِ داعيـةٍ إلـى  الرحمـنِ
تلقى بها الأرواحُ نــــــــــورَ مخلُّـصٍ”=”من ظلمةِ العصيانِ في  الإنسـانِ
من لايحبُّ المِسْكَ في  بنتِ  التقـــى”=”باعَ الصلاحَ،  وباءَ  بالخسـرانِ
ماأفلح الشيطانُ في كسبِ  النهـى”=”إلا بدربِ  الفسـقِ  والطغيـانِ
ربَّوا البناتِ على العفافِ وبالهدى”=”كونوا لهنَّ  بقـدوة  الإحسـانِ
ياياسرَ الأشعارِ ياحـرفَ النقــــــــا”=”فليجزِكَ الرحمنُ  خلـدَ  جِنـانِ

شعر
زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)36

0

 

كانت سراب متخذة بحديث  حماتها فقالت لها:

–        صدقت يا امرأة عمي لكن لا ينسحب هذا على الجميع.

–        طبعا، فلو خليت لخربت. هناك أناس لا تعلم يدهم الشمال ماذا قدمت يدهم اليمين.

–        كالحاج مصطفى وكثير غيره..

–        أجل.. المهم أن يطلب الإنسان المتصدق رضا ربه لا السمعة بين الناس التي تحبط عمله في الدنيا والآخرة. وتلوك سمعته الألسن.

–        المهم أن يكون إنسانا حقيقيا في السر والعلن، ولايهم إن كان الآخرون غيرذلك، فالمعاملة هي أولا وأخير مع الله، ومن أحسنها معه أحسنها مع عباده.

–        قل الصادقون وكثر المزيفون، حتى كدنا لانميز بينهما من غلبة النفاق.

–        لكن الطيبين سيماههم في وجوههم، يرشدنا إليهم تواضعهم ولينهم في معاملة الناس.

–         قد يجر اللين في المعاملة على صاحبه في أحيان كثيرة ما يتعبه في الوسط الذي هو فيه، فكم من بشوش طيب القلب، مسالم، صدوق جر عليه حسن خلقه – مع من لايستحق تلك المعاملة-  من آلام لو أنه وقف في بدء نشوئها موقفًا صارمًا، دون جرحٍ أو تجريح، لكفاه ذلك ما وجد نفسه فيه من مشقة.

–        ورغم  هذا فلا يزداد إلا تواضعا في نفسه، وعلوا بين الناس.

–        سبحان الله من تواضع لله رفعه ياابنتي.

أرأيت يا امرأة عمي كيف يأخذنا الحديث – عندما نفترش بساطه- من فكرة إلى فكرة دون أن نشعر بمرور الوقت؟

–         وكثيرا ماننسى النقطة التي بدأنا بها لتولد نقاط كثيرة ماتلبث هي أيضا أن تتشعب لأخرى.

وترحل بهما الكلمات أنى طاب لها السُّرى، لكن في قلبيهما انشغال على من  سكنهما حبيبا تترقبان قدومه بصمت فتخفي كل منهما عن الأخرى مايختلج في صدرها من قلق عليه. سألتها أم عادل:

–        هل أنت بخير؟

–        ليس كثيرًا. احس اختناقا.

–        مما؟

–        تأخر عادل.

–        سيعود بإذن الله لاتقلقي. ذكرتني بأختي وهيبة رحمها الله.

–        رحمة الله عليها، كيف ذكرتك بها؟

–        ذات يوم كنا في سيران على البر والجميع سعداء إلا أنا، وأجبتها عندما سألتني عما بي بأنني أحس اختناقا، فقالت لي رحمة الله عليها:

” عندما تحسين اختناقًا، وأنت في روضٍ جميل، تزقزق طيوره بهجة، وتفوح أزاهيره شذا، والنهر يتدفق رقراقًا، والنسيم العليل يغازل أوراق الشجر وأهداب الورود، فأعلمي أنك في محنة حقيقية، وأنك بحاجة لطبيب يخرجك من أزمة الاختناق المتكمشة بشغاف قلبك، وعندما يفشل الطبيب بفك أسرك من قيدٍ فتاك ثقيل الوطء على النفس والقلب بل والروح أيضًا، انظري حولك وتفكري بروعة ماترين، وأن من خلق هذا الجمال وأبدعه، هو الطبيب الشافي، فناديه يارب.

ابتسمت سراب وهي تنادي:

–         يارب، يارب، يارب. سبحان الله أحسست بالراحة الآن بل بالفرح حقيقة..

–        ياابنتي، عندما يولد الفرح بغفلة منا، تسرقنا الدهشة من أنفسنا بعض وقت، ننسى خلالها كيف تبدل الحزن فرحًا بطريقة تجعلنا بغياب تام عما نغصَّ حياتنا في وقت مضى، سبحانك ربي (فإنَّ مع العسر يسرا) وتُؤكِّدُ ذلك( إن مع العسر يسرا)


بقلم
زاهية بنت البحر

خلف الأجفان

3

 

خلفَ أجفان الحروف لمحتك بسمة نور تتوهج بين أحضان الأمل، تعلقتُ بها.. ركضت خلف نظراتي اللهفى أتلمس حرير الخطوة فوق حرِّ الأثير، وعندما وقفت أمام بوابة اللقاء، أغلق الرحيلُ عينيك، وغاب عن عيني بريق الأمل.

 

أختك

زاهية بنت البحر

 

 

الحبُّ الحقيقي

6

الحب الحقيقي أمر لايحظى به الجميع، هناك أوهام حب تطيح بالإنسان، وتلعب به أنى شاء له الهوى، فالحب الحقيقي أسمى من كل شيء، لايعكر نقاءه البقاء أو الرحيل، ولا يترك في قلوب مكابديه كرها، ولا حقدا، ولاردود فعل انتقامية مقيتة. الحب يولد بين قلبين ولاينتهي إلى يوم الدين، وقلَّما تجد هذا في زمن الغش، والخداع، ونصب الشباك لغايات أخرى.

 

بقلم
زاهية بنت البحر

 

 

 

 

قطوف دانية( من حدائق العمر لحظة)

2

 

قيل: الحياة وهم.

 ترى هل حياتنا فعلا هي مجرد وهم؟!!

جعلتني هذه الجملة أفكر كثيرًا، أحس بأن الدنيا من حولي فعلا مجرد وهم ينتهي بمجرد لفظ الروح، وما العظماء الذين سبقونا إلا كلمات وقصص في روايات أو في كتب التاريخ، يمكننا أن نكتب اسم أعظمهم على أي قبر شئنا لعدم استطاعتنا مطابقة الاسم على المقبور، أوهام، خيال هي الدنيا إذن وكل مايحدث فيها.
يااه كم هو مزعج هذا الأمر، أنا لاأحب أن تكون حياتي مجرد وهم، وليس عدلا أن تكون كذلك، ولكن ألم يخبرنا الله عزَّ وجلَّ أن النوم هو الموت الأصغر، وأن صعود الروح إلى بارئها هو الموت الأكبر؟ بلى، كما أُخبرنا أيضًا بأننا في حياتنا هذه نعيش في حلم ينتهي عندما نستيقظ منه بالموت، فتكون الحقيقة، هنا نجد تفسيرًا لقول إن حياتنا هي أوهام، أي خيال، ولكننا بهذه الأوهام نكتب مستقبل القادم من خيرٍ أو شر، من سعادة الجنة أو عذاب الجحيم، إذًا فحياتنا هي واقع وليست أوهاما..

بقلم
زاهية بنت البحر

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)35

0

وكما تهب ثورة الفرح عارمة تعمي عيون القلب عن كل ماعدا الحدث المفرح، فإنها تهدأ رويدا رويدا، ومع مرور الوقت تخمد تحت طبقة  رقيقة من التناسي، أو سميكة  بحسب أهميتها للنفس الحاضنة لها، بانتظار ما يثيرها مجددا من رياح محببة تذروها ملء القلب والأجواء، كذلك عادت سراب إلى طبيعتها خارج أي مؤثرات تبعدها عن التفكير بتأخر عادل خارج البيت.

في غرفتها، وهي ممددة فوق سريرها راحت تستعرض بصورة لاإرادية أحداث اليوم بكل ما حمل لها في جعبته من إرهاقٍ وإشراق.. تبتسم حينا، وتقطب حينا آخر.

 في إحدى محطات الذاكرة استوقفتها نقطة تفتيش بدأت تتوضح هويتها شيئًا فشيئًا.

نهضت من سريرها.. مشت في الغرفة الصغيرة ذهابا وإيابا في محاولة للإجابة على أسئلة طرحت عليها في خضم تصارع أفكارها المنهالة فوق دماغها في لحظة طلبت فيها الراحة، فأغرقتها بوابل من التساؤلات المشروعة، وإن كانت بصورة مزعجة على أية حال.

“لماذا تفتح أم عادل الصندوق اليوم مستبقة مولد الطفل، وتريها الفستان مخالفة بتسرعها هذا وصية حماتها؟” هي تعرف جيدا من خلال الزمن الذي عاشته معها بأنها امرأة صادقة إذا عاهدت صدقت العهد، وإن وعدت أوفت به، لكنها اليوم….. تدور رأسها بها، وعيناها تجولان في الغرفة أنى اتفق مبحرة في خضم هائج من الهواجس المخيفة.

لقد  عادت  اليوم من الخارج مرهقة، متعبة سقتها مغلي الكمون، وأحضرت لها طشت المياه الساخنة.. هي مريضة بلا شك، ولكنها تحدت أوجاعها التي لم تفصح عنها بما فيه الكفاية، ونهضت تنبش في الصندوق بعزم من حديد.. ترى أيمكن أن تكون …

لم تستطع إكمال الفكرة التي هاجمتها بغتة، استعاذت بالله من وساوس الشيطان، وخرجت من الغرفة لتكون بالقرب منها فقد تحتاجها بشيء ما، أو تستطيع تقديم أي مساعدة في حال وجدتها بحاجة لها، أو حتى لو لم تكن بها فيجب عليها ملازمتها طوال الوقت مادام عادل غائبا.

ابتسمت درة في وجه سراب عندما تلاقت عيونهما.. دعتها للجلوس بالقرب منها. استجابت للابتسامة، ولكن القلق الذي احتلت جيوشه كيانها لم يستجب لوقف  حدة المخاوف بهدنة قدمتها درة لسراب على صحن من بشاشة. نهضت العجوز من مجلسها.. همت بالخروج من الغرفة.. سألتها سراب:

–        إلى أين؟

–        لإحضار القهوة.

–        استريحي.. أنا أجهزها.

–        بل أنا.. اطمئني لست متعبة، أشعر بتحسن كبير عما كنت عليه عندما عدت إلى البيت.

–        الحمد لله.

–        دائما له الحمد والشكر.. احضري لي الشباك ريثما أعود، أريد تكملة حياكتها فقد تأخرت بتسليمها للريس عجران.

–        لاداعي للعمل بها اليوم، غدا أو بعده تتابعين الحياكة.

–        لاعليك، أحضريها واتركي الأمر لي.

 

وهما تحتسيان القهوة كانت أم عادل تجلس فوق البساط مادة رجليها وقد علقت رأس الشبكة بإبهام قدمها الأيمن، وأمسكت بيدها اليسرى بعضا منها وباليد اليمنى  القصبة التي تحيك بها الشبكة.

سألتها سراب:

–        ألا تتعبين من هذا العمل ياامرأة عمي؟

–        بلى، ولكن حياكة الشباك أصبحت جزءا من حياتي بعد وفاة عمك أبو عادل، فقد أمنت لي دخلا ماديا ساعدني كثيرا في تربية َولدَيّ دون أن أحتاج لأحد غير الله.

–        العمل عبادة، يحفظ كرامة الإنسان، ويرفع من مستوى حياته المعيشية.

–        أجل يا ابنتي، خاصة للتي فقدت زوجها وهي قادرة على العمل، فلا تنتظر شفقة الناس والمحسنين الذين يقدمون  الصدقات وعيونهم ماتزال معلقة بها.

–        صدقت.

–        وهناك من يتباهى بها أمام الناس دون أدنى مراعاة لمشاعر الفقراء والمحتاجين واليتامى وخاصة الأرامل، يعني يعطونهم اللقمة بمنة وأذى.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر)34

0

ما الذي تسمعه أذناها؟!! كلام عميق بحاجة لانتباه بكل الحواس كي تدرك معناه وما خلف المعاني، درة الأنثى البسيطة، المتواضعة  التي لم تدخل مدرسة يوما والتي حفظت في الكتَّاب أجزاء متفرقة من القرآن الكريم، تصدح الآن بكلمات جميلة، منمقة، بديعة  يسكبها قلبها في حروف من عبير، تعطر أجواءها النفسية المبتهجة بهذه القامة السامقة التي تحمل فوق أكتاف عمرها الطويل الكثير من المعاناة خلال العشرات من الفصول الاربعة.

لله ما أعظم الفرح بعد الحزن وما أروع الأخذ بعد الحرمان. أمور بسيطة جدا قد لا تلفت انتباه أحد، بل قد يراها البعض غير ذات قيمة إن هم مروا بها أو سمعوا عنها، لكنها عند من تشكل لديهم قيمة غالية، سامية لابد أن تكون ذات صلة بأحاسيس ومشاعر سعدت بها يوما، فحفرت في أعماق ذواتهم فوق جدران الشرايين محبة اختلطت بنبضات القلوب، فعاشت مشتعلة الخفق تأبى الوأد حتى آخر نفس يعلو به الصدر ويهبط.

سراب تقرأ حماتها في هذه اللحظات الراقصة بالحبور، تقرأها صادقة النفس، متصالحة مع الزمن، تغمرها الطمأنينة بهدوء ذاتي يحركه بشير الأمل بهبات النسيم القادمة من حدائق المنى.

–        ما هذه الصرة يا امرأة عمي؟

تفرد الطبقة الأخيرة من القماش الملتف حول السِّرِّ.. الشمس مالت للغروب والوقتُ يجدل شعرها بقصاقيص ذهب.. بفضول محبب مدَّت رأسها من بعض ثقوب نافذة الغرفة المغلقة.. تصافح السِّرَّ بضيائها الهادئ.. تلمع خيوط القصب فوق صدر فستان طفل صغير يسلب بريقه لبَّ سراب.

–        ما هذا يا امرأة عمي؟

–        فستان عمك أبي عادل عندما ولدته أمه، طرزته بخيوط الفضة والقصب بيديها، أهدتنيه عندما ولد عادل، وطلبت مني أن يكون لابنه من بعده.

–        يا الله ما أبدعه..

–        لم ير النور منذ سكن الصندوق بعد أن أصبح عمر عادل أربعين يوما ولم يره أحد منذ ذلك اليوم.

حملته سراب بيديها، اقتربت به من النافذة حيث منبع ضوء الشمس، فتحت الشباك فاندلق منها نور برتقالي بديع أضفى على الفستان بهاء وروعة  انعكست ألوانها الخلابة على جدران الغرفة وعلى وجه أم عادل الباسم المشرق بالفرح.

ضمته سراب إلى صدرها ودارت به حول نفسها عدة دورات مغمضة العينين :

–        أراه جميلا، وهو يرتدي الفستان الطويل ..

–        بإذن الله نراه معا ياسراب ..

–        خبأت صورة ابني في قلبي وأنا ألبسه الفستان البديع .. لن أريه للناس أخاف عليه من عيونهم. 

–        سأقرأ المعوذتين وياسين وتبارك..

–        سأذهب بالفستان إلى غرفتي ليراه عادل.

–        انتفضت درة وكأن شيئًا مزعجا قد ألم بها:

–        لا لن يراه أحد قبل أن نلبسه للوليد.. هذا هو الوعد الذي قطعته لامرأة عمي ..

–        حسنا سأضعه في خزانتي بانتظار الولادة.

–        لا.. بل يبقى عندي في خزانتي، هيا اذهبي وحضري الطعام..

–        يبدو أن الفرحة أنستك  بأن الطعام جاهز للعشاء، أما تشمين رائحة الديك المحشي؟

–        يووووه.. نسيت والله.. ولكنه نسيان  مقبول وليس خرفا.

 

بقلم 

زاهية بنت البحر

أتيتُ إليك

0

بخفقةِ قلبي، ودمعةِ عيني، وحزن نفسي أتيتُ إليك.. وقفت ببابك أرتجي السماح منك.. أسألك العون لنبضٍ يتهجدُ حبًا بك.. لنفسٍ فرغت من آمال الدنيا الزائفة.. لعينٍ تطمع بالنظر إليك.. لكلمة شمخت بك،  وسعت في الدنيا لهفى إليك.. لعمرٍ رحلَ منه الزَّهر متبتّلا في محراب العبودية لك.. واهبًا بقاياهُ البيضاء لخيرٍ يرنو إليه بسكب قطراتِه في ضياءِ الدَّرب الموصلةِ إليك.. اللهمَّ يامجيبَ المضطر إذا دعاه اقبلني مع عبادك الصالحين، واجعلني وأهلي وأحباءك من السعداء في الدارين..

 

آمين اللهمَّ آمين

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)33

0

 
لم تستطع أم عادل تحمل رؤية دموع سراب فوق خديها، فأمسكت بيدها ومشت بها إلى غرفتها لمتابعة عملها في كشف المستور داخل جوف الصندوق الخشبي.
 تنهدت سراب بألم امتزجت به مشاعر الحزن والضيق معا، وها هي من جديد تعود لورطتها مع الصندوق التي ظنت بأنها قد تحررت من صيده بمغادرة إيوانه، لكنها تأكدت الآن يقينا بأن خيوط شباك حماتها من النايلون الممتاز الذي لا تستطيع أضخم الأسماك قطعها مهما كانت قوية الأسنان.
قررت سراب التحلي بالصبر في تحمل ما تبقى من وقت  في غرفة حماتها، قليل من التعب ثم ينتهي كل شيء، فلا هي تضررت جسدا ولا نفسا، ولاهي  جرحت مشاعر حماتها التي اصطفتها دون الجميع لشيء لا تعرف ماهيته لتطلعها عليه.
هذه المرة دخلت معها الغرفة بابتسامة عذبة المُحيَّا، مسحت بها عن وجهها آثار الحزن والدموع التي سفحتها قبل قليل تأثرا بحديث عَبَرَ سماء صفائهما ملبدَا الأجواء ببعض غيوم رمادية انقشعت بشيء من الدمع.
قد يكون التعاطف مع الآخرين عن سماحة نفس المتعاطف ورضاه، وما قطرة رحيق التي تنزفها زهرة إلا لتطهير الذات من حزن يلم بها وجعًا لفقد ما جمعته بكدها، ولكن لا بأس مادام القلب تعود صنع الرحيق، والله يعوضها خيرًا منه.
يا لهذه الحياة بكل ما فيها من خير وشر، فرح وحزن، فالعمر فيها لحظة لكنها لا تصفو إلا قليلا، وعند صفائها تتفجر براكين سعادة لا تهدأ إلا بخمود الفرح بنفخة حزن صاعقة تطفئ توهج الذات وتقص جناح التحليق.

 في الغرفة أمام معقل ذكرياتها التاريخي العريق، استعادت درة حيويتها ونشاطها الذي وئدِ بحضور وجيهة، فتابعت البحث عن شيء ما، ما لبثت بعد دقيقة من العمل أو أقل أن علت وجهها ابتسامة مضيئة حطت فوق وجهها المتغضن بريقَ سعادة عارمة، فانفرجت أساريرها غبطة وحبورا وهي تحمل صرة بيضاء صغيرة- بين يديها المجعدتي الجلد، المعرورقتين، المنمشتين – مالت للصفرة بتقادم الزمن عليها.. مشت بها باتجاه السرير وهي تتبختر وكأنها تسمع من بعيد صوت زفة فتكاد ترقص طربا.

دهشت سراب عندما رأت حماتها قد رقت، وشفت حتى كادت تطير مرفرفة في سماء الغرفة.. لابد أن ماتحمله بين يديها هو سر غالٍ عليها فهي لم ترها بهذه الحال من قبل.. تتجه به نحو السرير.. تضعه برفق وكأنه طفل صغير ولد للتو بعد مخاضٍ عسير.. تنظر إلى سراب.. تدعوها للاقتراب منها لترى كنزها الغالي الذي بخلت به على الجميع.. تتقدم منها خطوات.. تقترب أكثر.. تبدأ درة بفك الرباط الذي يحيط بالصرة.. طبقة.. ثنتان.. ثلاث.. مازالت الدهشة تحتل وجه سراب وحماتها في تقدم مستمر نحو الطبقات  الأعمق..

 ثبتت درة عينيها في عيني سراب وبريق جميل يلمع بين جفونها بدأ يتشكل دمعا دريا وهي تهمس بصوت رقيق:
–      كل تفاصيل الحدث الجميل تظل متقدة في الذاكرة مهما طالت قامة الوقت واتسعت مساحته.. ربما تهرب لحظة خجولة من حضن العمر، فتختبئ خلف عيون الذاكرة بإحساس طفلة بريئة المشاعر، تنتظر رفة رمش تعيدها إلى داخل الإطار، فتبدو أكثر وضوحا عندما تتبختر في طريق العودة.. هي كذلك فرحة اللقاء ياسراب بابتسام العمر من جديد.. لحظة سماع زغرودة في بيت أم، كانت تنظر فرح أولادها لحظة إثر لحظة..

 بقلم
زاهية بنت البحر