Mryam M.Y

Just another WordPress.com weblog

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)47

2

عندما يمتزج الحزن بالدماء يجري في الشرايين زقوما يغذي خلايا الجسم بنسغه المؤلم.. يتفجر أناتٍ مكتومة حينا، ومسموعة أحيانا أخرى.. يجعل القلب يتلوى بمخاض الذكريات التي تنبجس شوكا ينشب  مخالبه السامة في الروح، وينهش بلا رحمة هدوءَ الحاضر بأنياب الحسرة، وصَبْرَ قلبٍ يعجز عن التصدي لهدير أمواج الأسى.

أم عادل تحتاج الآن لمدينة إطفاء كي تخمد نار فؤادها، للمسة حنان- من يد التهمتها الديدان الجائعة تحت التراب قبل سنين بعيدة أنستها عددَها الأيامُ، وزادت في بؤسِ قلبها المشتاق لنظرة عطف من أبي عادل- كي تشعرها بالسكينة.

هي الدنيا، تأخذ كل شيء، ولا تعطي إلا القليل، فيتلاشى بين ليلة وضحاها.. يصبح محض ذكريات عند هبوب ريحها تذرو الغبارَ في عيون العابرين، فتمطر الدمع كحلا.

تركته لزوجته.. دخلت غرفتها متعبة.. رمت بنفسها فوق سريرها.. بكت.. بكت.. ربما غابت عن الوعي بعض وقت لا تدري تماما كم استغرقت فيه غيابا.. ماذا رأت؟ من كلمت؟ ماذا سمعت؟ لم يدر أحد بها.. نهضت بعد صحوتها.. مسحت دموعها.. ابتسمت.. مشت في الغرفة.. فتحت النافذة.. نظرت إلى البحر.. أغمضت عينيها.. فتحتهما.. نظرت إلى السماء.. رفعت يديها.. تمتمت بدعاء.. مسحت كفيها بوجهها.. خرجت من الغرفة وابتسامة رقيقة تزين شفتيها فرأتهما يلاعبان الببغاء.. اقتربت منهما.. وضعت كفيها فوق رأسيهما وراحت تقرأ بصمت المعوذتين.

 

بعد صلاة المغرب بنصف ساعة تقريبا خرجت سراب برفقة حماتها لتتمشى حول الجزيرة كما طلبت منها القابلة القانونية، وكانت قد بدأت تحس بثقل في بطنها بعد أن  دخلت في الشهر التاسع واقترب موعد الولادة.

بعد انتهاء ساعة المشي اتجهتا إلى منزل السيدة شيماء الرابح تلبية لدعوتها لهما للسهر عندها، بينما ذهب عادل إلى المقهى لمسامرة  أصدقائه ريثما يحين موعد عودة أمه وزوجته إلى البيت.

في الطريق لاحظت درة على سراب آثار التعب فسألتها إن كانت تريد العودة إلى البيت.. نفت ذلك، وعندما دخلتا منزل شيماء فوجئتا بوجود عدة سيدات  عندها.. رحبت صاحبة الدعوة بهما وبدت السعادة على وجوه الحاضرات وهن يسلمن عليهما، وكانت من بين الساهرات رضوى زوجة والد رزق التي قبلت يد أم عادل بوجه بشوش ومحبة وحياء.

لفت انتباه درة أمر غريب بعد مضي وقت على وصولها إلى منزل شيماء.. ظنته بداية أمرا عاديا لكنه حقيقة لم يكن كذلك.

 نظرت إلى الحاضرات اللواتي عرفن بإدمانِ تدخين النرجيلة.. كن يجلسن بهدوء ويتحدثن بأمور كثيرة دون أن يبدو عليهن الضيق من تأخر شيماء بسطر النراجيل وتقديمها لهن خاصة وأنها كانت هي الأخرى تجلس دون نرجيلتها التي اشتهرت بها، فقد كان لها (بزبوزة) من ذهب لا تسحب بدونها أي نفس من أي نرجيلة كانت.

لاحظت شيماء علامات التعجب على وجه درة.. ابتسمت لها وأعلنت بأنها قد تخلت عن التدخين، وأنها والحاضرات قد اتفقن على تشكيل لجنة منهن، وممن تود الاشتراك معهن لمكافحة التدخين في الجزيرة بين نسوتها وبناتها.

خبر بدا للوهلة الأولى نكتة مضحكة تستوجب السخرية، أيعقل هذا ومع مدمنات لسنواتٍ طويلة؟!! لكنه حقيقة كان خبرا رائعا صفقت له درة كثيرًا، وأبدت رغبتها في المساهمة بهذا المشروع الصحي المجاني الذي إن هو تحقق فعلا على أرض الواقع فسوف تكون له نتائج صحية واجتماعية كثيرة، فالأم هي المعلمة الأولى التي يجب حضانتها، وتعليمها، وتحصينها من عدو لدود لا يرحم صدر صغير ولا كبير.

خبر آخر جعل ابتسامة درة تتسع فوق شفتيها والدموع تترقرق بين جفونها، آن لرزق أن يسكن غرفة تليق بإنسان بعد أن عاش فيما يشبه قنا تأنف منه الحيوانات، فقد جمعت شيماء الرابح مبلغا من المال من أصحاب الخير بمساعدة هذه النسوة، ولهذا الأمر دعيت رضوى للسهرة، ولسوف يُبدأ منذ الغد ببناء الغرفة الصغيرة يودع فيها رزق الشقاء، ويعيش كبقية الناس طفلا محترما آمنا، له حقوق كاملة كبقية الأطفال في العيش بدفء وحنان.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

 

 

http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=9851

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)46

0

بعد مغادرة شيماء الرابح منزل درية، سألتها سراب بشيء من الفضول:

–         هل لحديثك عن مضار النرجيلة علاقة بانصرافها ؟

–         لا أظن ذلك.. شيماء امرأة عاقلة، لكن قد تكون فوجئت بهذا الحديث وأنا أقدم لها النرجيلة لأول مرة في بيتي.

–         أما شعرت بشيء من التغير في داخلها؟

–         بلى، سيكون خيرا بإذن الله.

–         أجدك دائما على ثقة بنفسك، ألا تحسين بالخطأ في تصرف ما، أو قول قد يزعج الآخرين؟

–         ضحكت العجوز من سؤال كنتها وكيف تجرأت بطرحه عليها بمنتهى البساطة، فأجابتها:

–          سأجيبك يا سراب لكن بعد أن تجيبي أنت أولا على سؤالي، ألا تعتقدين بأن سؤالك هذا سيزعجني؟

 أحست سراب بشيء من الارتباك، كانت جريئة جدا في طرح السؤال على امرأة لها موقع هام في حياتها، وأي خطأ معها سلوكيا أو كلاميا قد يحدث بينهما فجوة لا يردمها سوى الطلاق، وهذا أمر ليس غريبا فكم من كلمة قالتها كنَّة لحماتها ببراءة كانت سببا في خراب بيتها وهدمه فوق رؤوس ساكنيه.

ما هذه الورطة التي ألقت بها نفسها؟ فكرت مليا.. تفتح الورد فوق خديها أحمرا جوريا.. كانت درة تنظر إليها بعينين نصف مغمضتين ترى من خلالهما ما طرأ على وجهها من خجل.. تسألها بلطف في محاولة لإخراجها من ارتباك ما قصدته لها:

–         لا بأس عليك يا ابنتي.. سأجيبك أنا.

استمدت سراب قوة  لاشعورية من حماتها حلَّت بها عقدة من لسانها، فقالت :

–         بل الجواب لي .

–         ابتسمت درة: أجيبي..

–         لولم أكن أعرفك جيدا لقلت نعم سيزعجك سؤالي، لكن من تتصف بالحكمة والفكر القويم كأنت، فأنا على ثقة بأنك ستظلين كبيرة ولن تتأثري بسؤال عفوي لاتتجاوز أبعاده الصفاء بين الأم وابنتها.

–          أحسنت، ضربتِ عصفورين بحجر.. أجبتِ عنك وعني. هكذا هي شيماء التي أعرفها بحكمتها وطيبة قلبها وحسن استيعابها لكل شيء في الحياة.

وعندما عاد عادل إلى البيت كان يحمل معه مجموعة من الأكياس ملأتها الفاكهة والحلوى والخضروات.. وسلة فيها أصناف مختلفة من الأسماك الطازجة.

قال لأمه: كان الصيد هائلا، وددت لو أنكما رأيتما الفلوكة، كادت المياه تغمرها من كثرة الأسماك.

–         الحمد لله، يرزق من يشاء بغير حساب.

–         أجل ياأم عادل كلها أرزاق، أرسلت لأم أحمد سلة ملأتها جربيدة، رحمه الله كان يحب هذا النوع من الأسماك.

–         بارك الله فيك يابني، مازالت خطيبة المرحوم تقيم عندها، وقد جاءها خاطب لكنها مازالت ترفض .

–          بالطبع سترفض.. لم يمض على وفاة أحمد عدة أشهر بعد، وهي تحبه كما أخبرني .. أعتقد من الصعب أن تقبل الزواج قبل وقت طويل.

–         قالت سراب: الوفاء جميل، ولكن الحياة ستمضي على أية حال.. ربما زواجها يخفف عنها شيئًا من مصابها.

–         من يفقد حبيبا يا سراب لا ينساه مدى الدهر..

–         ربما، ولكن يبقى الأمر نسبيا، ومشاعر الناس تختلف فليس الجميع سواسية فيها.

كانت درة تستمع إليهما، فسقطت دمعة من عينها أحستها جمرة حارقة فوق خدها، بينما كان الببغاء يردد بعض الكلمات التي سمعها.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)45

0

في  أحد مقاهي الجزيرة المطلة على البحر، جلس عادل مع أصدقائه بعد عودتهم  صباحا من لمِّ شباك الصيد من عرض البحر بعيدا عن الجزيرة بعدة كيلومترات.

كانوا سعداء وهم يتجاذبون أطراف الحديث، فقد وقعت اليوم في شباكهم أفواج كثيرة من الأسماك الغالية. فأل خير بتوفيق من الله  أحس به عادل وهو مقبل على فرح بمولد طفله الأول.

قال أحد الصيادين وقد علت وجهه ابتسامة عريضة:

–        والله ياشباب ليس هناك بالنسبة للصياد فرحة كفرحته عندما يعود من الصيد والفلوكة ممتلئة بالأسماك حتى البروَّة.

   قال عادل:

–   بل هناك فرحة أكبر.

سأله: ماهي؟

أجابه:

–       عندما تنط الأسماك عائدة إلى البحر لامتلاء الفلوكة بها حتى حلقها، في هذه الأثناء يكون الصياد في قمة سعادته ولا يتأثر بهروبها منه  كما لو فعلت ذلك في أوقات شح البحر.

–        ياأخي حياتنا صعبة جدا، وأي شي من خيرِ الله يفرحنا.

–      الأرزاق من عند الله.. هناك صيادون لايجدون لقمة العيش إلا بشق النفس، وهناك من تُملأ فلايكهم بالأسماك كل يوم.

–       ياأخي الصيد بالديناميت غير الصيد بالشباك، فالأول يحصد كل الأسماك التي هي في دائرة التفجير الذي يقتل الكبير منها والصغير، فتقلَّ الأسماك في البحر، وهذا يمنعه القانون ويعاقب فاعله.

–       أجل هذا صحيح لكن صياد الشباك مثلي ومثلك بالكاد دخله يكفي مصروفه.

–        معظم الصيادين يشكون ضيق ذات اليد، قبل أيام ذهب البارومة أبو سارة إلى مسمكة أبو مصطفى يريد أن يبيع له شباك الصيد التي لايملك غيرها، كان بحاجة لمبلغ من المال لم يستطع توفيره، فالناس كما تعرف جيوبهم فارغة، وأصحاب الممتلئة عيونهم ضيقة، وأياديهم مقبوضة، لكن أبو مصطفى كثر الله من أمثاله عندما عرف سبب عرض البارومة شباكه للبيع، أعطاه المبلغ ولم يأخذ منه الشباك وقال له :

–         “لاتبع القفة التي تطعم منها عيالك”

–         صدق أبو مصطفى، فالشباك هي القفة التي نطعم منها أولادنا.

–        كل الصيادين يحبون أبو مصطفى لأنه يحن عليهم كأولاده.

–        ندعو له بطول العمر، فقد سمعت بأنه مريض وهو بحالة خطرة.

–        عافاه الله ورده لنا فهو الأب والمعلم الذي نحبه ويحبنا.

–        آمين، أبو مصطفى رجل قل أمثاله في هذا الزمن خلقا ورحمة وطيبة.

عندما يجد الإنسان نفسه بحاجة ماسة لشيء ما، يسعى إليه بجد ونشاط، يقدم في سبيل نواله الغالي والرخيص، لا يهتم بالصعاب وعثرات الطريق مادام يعلم أن فيه أمل يحقق له حياة كريمة، تغنيه عن سؤال الناس أعطوه أم منعوه.

 كفاحه في رحلة الحياة يحتاج لمن يمهد له الطريق بشيء من المساعدة وكثير من التشجيع، لكن لسوء حظ الإنسان فإن من يرحمه في الأرض هم قلة، بينما الأكثرية هم من قساة القلوب الذين لاتهمهم إلا مصالحهم الشخصية فيأخذون كل شيء، ويعطون المحتاج منه الفتات.

قلوب الضعفاء تتعلق بمن ينصرهم كقلوب المحتاجين التي تتعلق بمن يعينهم ويرأف بهم عندما يجدون أنفسهم في بؤر العوز لا يسألون الناس مساعدة، فتهوي إليهم قلوب الكرام، والكريم للكريم معين. الصياد في الجزيرة هو عين ساهرة، ودمعة صابرة، وهمة هادرة تتربص به في خضم البحر أمواج غادرة.

الصياد في الجزيرة لاييأس من فرج الله مهما اشتدت به المحن، بعزيمة وإيمان ظلَّ يستقدم من الخسارة الربح، ومن اليأس الأمل، ومن الفقر الغنى.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)44

0

 

جادت قريحة أم عادل بكلام جميل ملأته الحكمة وعطرته الآيات، فهي مازالت تحفظ ما تعلمته عند الخُجا من أجزاء القرآن الكريم، تتعبد بها الله صلاة وقراءة وتفكرا.

لم تقاطعها السيدة شيماء التي تجيد فن الاستماع كما تجيد فن الحديث. كانت عيناها تنظران في وجه درة بابتسامة صافية توافقها الرأي بهز رأسها في نقاط كثيرة، وتارة أخرى تنظر في وجه سراب المنبهرة بحديث حماتها ولباقتها في الكلام.

عندما انتهت درة من محاضرتها لفَّت شيماء نبريج النرجيلة حولها، وتابعت ارتشاف قهوتها بهدوء مالبثت بعده أن نهضت واستأذنتهما بالذهاب إلى بيتها بعد أن دعتهما لزيارتها يوم الثلاثاء القادم بعد صلاة العشاء.

عادت شيماء إلى بيتها وكلمات درة المعسولة ترن في أذنيها رنينَ الذهب، أعجبت بما قالته لها، لكنها حزنت كثيرا لعدم استطاعتها تلبية ما أرادت درة طلبه من خلال التلميح حينا، والتصريح حينا آخر دون أن تجعلها في قفص الاتهام، فهي أذكى من أن تشعرها بأنها مؤدبة لها وهي في ضيافتها.

شيماء الرابح عركتها الحياة، وعلمتها الكثير من خلال ما واجهته فيها من تحديات على صعد مختلفة، وعلمتها الهدوء والحكمة في اتخاذ القرار خاصة في أمور جوهرية، وهي قادرة على نصر الذات الواعية على الذات التي تلهو بها الحياة لكن بعد صبرٍ قد يطول أحيانا.

مرت في ذاكرتها صور كثيرة، استعادت من خلالها ما عاينته من أحداث خلال رحلة عمرها، وما تأثرت به من قصص محزنة عن أقارب ومعارف قضوا نحبهم بسبب إصابتهم بسرطان الرئة لإدمانهم التدخين، فودع البعض منهم الحياة في سن مبكرة، وآخرون أمضوا زمنا مؤلما في معاناتهم من هذا المرض الخبيث.

هي لم تخبر أحدا بأنها مريضة بالتهاب رئوي حاد مزمن لكنه لم يتعداه للسرطان، وهناك من يتحدث عن مرض أصيبت به دون معرفة حقيقته.

قبل ثلاثة أعوام سافرت إلى أمريكا، وهناك أدخلتها ابنتها مستشفى للأمراض الصدرية.. تمت معالجتها ولكن لم تشفَ نهائيا من المرض، وعندما عادت إلى الجزيرة لم تلتزم بالتعليمات التي أوصاها بها الأطباء هناك خاصة بالنسبة للتدخين فانتصرت عليها العادة على محاولة التعود.

رغم إعجابها بحديث درة فقد كانت تحس بضآلة نفسها أمام نفسها، وكيف تجرأت أم عادل وتحدثت حديثا ربما كانت هي المقصودة به، فتنفر منها ضمنيا، ولكن سرعان ما تجد صادات النفور تطرده خارج ذاتها الشفيفة فتبرِّئ درة من سوء ظنها بها.

المرآة لم تقل مايجرح الشعور بل أدلت بنصائح عامة تمنت من كل المدخنين هجر الدخان وطلب السلامة للصحة والجيب. ظلت شيماء في حوار مع نفسها بين سين وجيم، فكانت تدخل المطبخ وتستعرض النراجيل الكرستالية  الغالية الأثمان، بألوانها المختلفة ونباريجها النادرة، وتملي عينيها من صناديق التنباك العجمي التي تملأ رفوف المطبخ.

تحس بحزن تجاهها وكأن هناك من سيعتدي عليها، ويسرق منها نرجيلتها وتنباكها، فقد كانت تقول:

–  ليس للحياة طعم ولامعنى دون نفس النرجيلة والقهوة.

 كيف ستعيش شيماء بلا طعم ومعنى للحياة إن هي استجابت لنصائح الأطباء واليوم لتلميحات أم عادل؟ لابد ستكون معاناتها كبيرة، قد تصل لدرجة معاناتها من آلام الصدر المزمنة إن هي أشاحت بوجهها عن التدخين مدى العمر.

 

 بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)43

2

حضرت السيدة شيماء بعد ساعة ونصف، تحمل فوق كاهلها سبعين عاما ونيف، أمضت معظمها برفقة النرجيلة التي  لم تزل تعتبرها الصديقة الوفية لها، كاتمة أسرارها، حافظة ودها، مؤنسة وحدتها في ليال الشتاء الطويلة بعد وفاة زوجها الريس محرم أحمد، تجمع حولها صديقاتها العجائز منهن والصبايا  اللواتي يشرفن على تقديم الضيافة للساهرات- ممن يعمل أزواجهن في السفن التجارية قباطنة أو بحارة، تاركين الجزيرة ومن فيها لأشهر وسنوات- فيحضرن الحلوى والنراجيل، والقهوة والشاي طوال السهرة، والنسوة يتجاذبن أطراف الحديث، ويروين الحكايات الجميلة، وهن يتناولن الفاكهة ويشوين الكستناء، وبعضهن ممن هن بحاجة للمال يجلسن على جلود الخراف فوق البساط الصوفي  يحكن الشباك للصيادين.

أم عادل لم تكن ممن يسهرن عند شيماء الرابح رغم صداقتهما الطيبة التي امتدت عقودا من الزمن، فهي لا تحب الأجواء التي يملؤها دخان النراجيل والجميع يعرفن عنها هذا، لكنها كانت تزورها في النهار خاصة في الصيف حيث ضرر الدخان الذي تستنشقه من نرجيلة شيماء يكون أقل في خارج الغرفة المغلقة، فتجلس معها أمام حوض الورود تحتسيان القهوة.

درة تكبر شيماء بسنوات عدة لكنها تبدو أصغر منها سنا رغم الهموم التي تعيشها، ربما كان للنرجيلة أثر في غزو الشيخوخة لها منذ أكثر من عشرين سنة، ويقال بأنها تعاني من مرض ما في الرئتين لم تفصح عنه بعد.

شيماء الرابح يدها دائما ممدودة بالخير للفقراء والمساكين، فقد ورثت عن زوجها ثروة كبيرة، وأولادها يقدمون لها المال، فهم في حالة مادية جيدة، وكثيرًا ما قامت مع درة بجمع الصدقات من الأغنياء وإدخال السعادة بها إلى نفوس اليتامى والأرامل دون أن تجرحا به شعورهم، وكان حضورها اليوم مناسبا لعرض قضية رزق من أجل بناء غرفة له في حوش بيت أبيه الذي سجله لزوجته رضوى.

قامت سراب بواجب الضيافة على أكمل وجه، وعندما سألت السيدة شيماء عن سرِّ إرسال الببغاء لهما أجابتها:

–         رأيت الفرح بعيونك وأنت تلاعبينه فأحببتُ أن أرسله في ضيافة أترك لك تقدير مدتها.

 

شكرتها سراب بحمرة خدٍ على ما أولتها به من اهتمام لا يصدر إلا عن ذوي النفوس الشفيفة.

تكلمت أم عادل كثيرًا واستمعت لشيماء كثيرا، ولكن ظل في جعبة نفسها كلام ترددت عن قوله خشية مضايقة الزائرة التي كانت تنفخ الدخان من فمها إلى الفضاء برائحة التنباك العجمي، فحزمت أمرها وتهيأت لإخراج الحصوة التي كادت تخنقها حشرجة في حلقها.

لكلِّ إنسان في هذه الحياة أسلوب يتكلم به بما يجول في نفسه من فكر وما يود قوله لجليسه، منهم من لا يستطيع مستمعه تحمله بضع دقائق، ومنهم من لا يريده أن يصمت أبدا، أما درة فكانت ممن يدخلن السعادة إلى القلوب بحديثها الشيق الممزوج بالحكمة، والأشذاء الطيبة.

على بساط أحمدي جرى الحديث حول التدخين ومضاره بين المرأتين، وسراب توليه اهتماما كبيرًا لمعرفتها بقدرة حماتها على الفوز بما تريد إيصاله لمحدثها أيا كان، لكن الأمر اليوم يختلف مع مدمنة تنباك منذ أكثر من نصف قرن، فالفتيات في الجزيرة يتعلمن التدخين منذ الصغر لأن أمهاتهن يعتمدن عليهن بتحضير النرجيلة، فيأخذن منها عدة أنفاسٍ قبل تقديمها للضيوف فتفقس في أفواههن، ويصبحن مدخنات صغيرات لا يستطعن ترك النرجيلة مدى الحياة.

بقلم

زاهية بنت البحر

رشفُ الجوى

0

حتى متى أوهامُهُ تلهو بهِ
والكبرُ يهزأُ بالضَّلولِ المولَعِ
متوسدًا ديمَ الخيالِ يسوقُها
أنَّى يشاءُ على مزاجِ المُقلِعِ
ويشيخُ  مقترِفا لذاذاتِ الدُّنى
فرِحًا وعنْها خافقًا لم يمنعِ
يمشي على هدبِ العيونِ محيِّرًا
أنظارَها بجسارةِ المتنطِّعِ
فكأنَّه مَلكَ الوجودَ بكفِّهِ
والشمس رهن إشارةٍ بالأصبعِ
لا الأذنُ تسمعُهُ أحاديثَ الرَّدى
لاالعقلُ يقنعُهُ بيومٍ مفزعِ
يوم به يصحو على رشفِ الجوى
بغيابتِ الندمِ العميقِ الموجعِ
سلْهُ عن الآلامِ في رحمِ الدِّما
عن رعشةِ الإحساسِ بينَ الأضلعِ
عن سمِّ كأسٍ قد تجرَّعَهُ قذى
بيد الغرورِ وكبرُهُ لم يهجعِ
عن ألفِ ألفِ إرادةٍ في عودةٍ
للعيشِ ثانية بغيرِ ترفُّعِ
إلا عن الآثامِ، لكن قد مضى
زمنُ التَّمنى… فابتلعْ ماتدَّعي
شعر
زاهية بنت البحر

5:46 PM 5/16/2011


 

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)42

0

دخلت أم عادل المطبخ وهي تحمل  السلم الصغير.. رأتها سراب.. أسرعت لمساعدتها.. أبعدتها درة عنها خشية أن تؤذي نفسها بالسلم – فقد سبق لها أن أجهضت جنينا حملت به بعد عادل عندما حملت سلما حديديا صغيرا، وهي اليوم لاتريد أن تخسر حفيدها المنتظر- وضعت السلم الخشبي على الحائط الشرقي.. ثبتته جيدا فوق الأرض.. صعدت إلى السقيفة وسراب تمسك به.. ابتلعها باب السقيفة المفتوح.. سُمع صوت زحزحة أغراض نحاسية وزجاجية.. عادت بعدها درة بنرجيلة كاملة لم تشاهدها سراب من قبل في هذا البيت، لكنَّ شكلها يدل على أنها قديمة وغالية الثمن فهي من الكريستال الأصلي.. سألتها عن سبب إنزالها اليوم من مخبئها الآمن، فأخبرتها بأنها ستقدمها لشيماء الرابح لتدخن بها نَفَسَ ..

–  من أين لك هذه التحفة؟

–  أما ترينها نرجيلة عجوز معمرة مثلي؟  اشتراها عمك ولم يستعملها.

 فسألتها سراب :

–         ألم تدخني بها ياامرأة عمي؟

–          لا.. أنا ضد التدخين للرجال والنساء معا، أحمد الله على أنني لم أدخل إلى رئتي دخانا ولا نيكوتين، فليس منه إلا الضرر والأمراض وحرق المال بلا فائدة، وأحمد الله أن عادل أيضا لم يتعلم هذه العادة السيئة.

–         وعمي ألم يكن مدخنا.

–         لا. ولكنه اشتراها ليقدمها للزوار إن جاءنا من يدخن منهم، فأهل الجزيرة كما تعرفين كلهم تقريبا مدخنون إلا من رحم ربي. عادة سيئة لا أحبها، ولا أحب رائحتها ولا رائحة الفحم ولارائحة المدخنات.

–         لمَاذا ستقدمينها لشيماء الرابح دون سواها ممن يأتين لزيارتنا، وأغلبهن مدخِّنات.

–         لأنها لا تشرب قهوتها دون نرجيلة.

–         وهنَّ كذلك.

–          لاأدري ياابنتي لماذا، سأكرمها والسلام، فقد أرسلت لك الببغاء.

–          أتكرمينها بما يضرها؟

–          معك حق، ولكن نَفَسَا واحدا عندنا لن يقدم ولن يؤخر شيئا فهي مدمنة نرجيلة.

–         لا أوافقك الرأي ياامرأة عمي، هذه ازدواجية.

–         سراب دعينا من المعالجة ولا تحرجيني، ألن تحضِّري لها بعض الحلوى.. اقترب موعد وصولها؟

حديث سراب جعل حماتها تفكر بكل كلمة قالتها كنتها الشابة ذات التجربة الحياتية القصيرة أمام برجها العالي، فوجدتها على حق وهي على غيره. تأثرت كثيرًا بما سمعت منها فرددت بينها وبين نفسها” جلَّ من لايخطئ، شابة تعلم ختيارة عجنتها التجارب وخبزتها، يظل الإنسان بحاجة للعلم ولو من طفل صغير، سبحان الله الكمال له وحده” .

 قررت درة أن تنسحب من دائرة الخطأ هذه، فالإنسان يجب ألا يكون بوجهين، فكيف بمن يتخذه الكثيرون قدوة لهم؟ عيب ، أجل عيب والله.

قررت التراجع دون خجل، فالاعتراف بالخطأ فضيلة، ولكنها وجدت نفسها  بحاجة للتفكير لإيجاد الطريقة المثلى للتصرف بأسلوب راقٍ لايترك ندوبا في نفوس الآخرين خاصة فيمن يُعرفون بالشفافية، ورقة الأحاسيس، وهي كما تعتقد من هؤلاء.

دخلت سراب المطبخ لتحضير طبق من الحلوى لتقدمه لشيماء الرابح، بينما كانت حماتها تسقي الحوض الترابي وتنظف الدار، وصوت الببغاء يملأ الأجواء زعيقا ونداءات أدخلت السرور إلى قلبَي المرأتين، فراحتا توجهان له من بعيد نداءات مماثلة راح يرددها بصوت رفيع.

أحبَّتْ سراب هذا  الحيوان الناطق العجيب، الذكي جدا حسب ظنها.. شرد ذهنها بحبها المفاجئ له، فسألت ذاتها عن الحب الذي سيكون لابنها عندما يأتي إلى الدنيا، فهي منذ الآن تحبه وترسم له صورة لايشبهها أحد من الناس، سيكون ابنها طفلا استثنائيا أوليست أما، والأم لا ترى أجمل من طفلها بين كل الأطفال ولو كان أقلهما جمالا.

أشعلت أم عادل الفحم في المنقل النحاسي العتيق.. صار جمرا، خرجت من البيت لبضع دقائق عادت بعدها وفي يدها كيس صغير فيه علبة تنباك عجمي نقعت قليلا منه في صحن صغير، ثم جهزت النرجيلة بانتظار الزائرة الكريمة، وكأن الببغاء أحس بأن سيدته ستحضر عندما وصلت إلى أنفه رائحة الفحم والتنباك، فراح يصفر دون انقطاع، فاقتربت منه سراب ووضعت له شيئا من بزر دوار الشمس طعامه المفضل، فتلهى به موقفا وصلة الصفير المزعجة التي استمرت طويلا.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

“الموضوع منقول”.. حق باطنه الظلم (أ. عبير النحاس)

1

 

“الموضوع منقول”.. حق باطنه الظلم

بقلم: عبير النحاس

أضيفت: 2011/03/23

لا أريد أن أكتب اليوم عن أنواع السرقات الأدبية كافة, ولست أهدف في مقالي هذا إلى الحديث عن تلك الفنون الجديدة المستحدثة في سرقة الحرف, التي لا تخلو من سذاجة.. أو مكر.. أو قلة معرفة بأصول النقل.. أو باستهتار واضح بما هو حق لغير السارق؛ ولست بصدد الحديث عن تلك القضايا التي نالت أعمدة من أعمدة الفكر؛ وبتلك المواقع التي جندت نفسها لفضح ما يجري في غرف الكتَّاب المظلمة، وتلك الأقسام التي استحدثت في الكثير من المنتديات الأدبية لهذا الغرض تحديداً؛ إنما يعنيني هنا ما انتشر في الشبكة العنكبوتية من نقل للمواضيع عبر المواقع والمنتديات، ثم تذييله بكلمة: “منقول”.

تلك البراءة وذلك الثوب النظيف الذي يغلف هذه الكلمة, ويشير إلى نزاهة كاتبها من أن ينسب لنفسه حروفا لا يملكها؛ ويجعل القراء يثنون على أمانته ويمتدحون فيه تلك الخصلة التي باتت نادرة في هذا الزمان الذي ضُيعت فيه الأمانة, ويتناسون أن هناك مالكا لهذه الحروف ينظر بحسرة نحوها وهي تسير من دونه, وتنسلخ عنه دون وجه حق.

حاولت كثيرا أن أفهم طبيعة تفكير من ينسخ المواضيع؛ ولا ينسى قبل أن يلصقها استبدال اسم الكاتب بكلمة منقول, وجربت أن أجد له مخرجاً من التهمة, ولم أجد في وصف تلك الفعلة إلا اللؤم واللؤم وحده, وربما نضيف إليها شيئا من حسد ورغبة في نيل الثناء المخادع, ولكي لا أظلم الجميع فربما أراد الناقل أن يعلِّم الكاتب الحقيقي كيف يكتب لغير نفسه وشهرته؛ ولو كان هذا قسرا ودون رضاه.

والقضية أن نسخ المواضيع بات يصنف في قائمة الأعمال الدعوية؛ فنجد أن المقال أو القصيدة أو القصة التي انسلخ عنها اسم كاتبها قد انتشرت في الشبكة العنكبوتية وامتدحها البعض وأثنوا على من نقلها ونُسي صاحبها ومن وُلدت حروفها من قلمه, وقد فعلت هذا بنفسي مع بعض الصور التي أغرمت بها؛ والمواضيع التي أعجبتني؛ وذُيلت باسم منقول قبل أن أتعرف عليها, ولم أكن لأتنبه لضرر استبدال اسم صاحب الحرف بكلمة منقول يومها, ثم عزفت عن الأمر عندما تنبهت له, وكان هذا عندما تم نقل العديد من مقالاتي وقصصي دون اسمي, ومن ثم انتشرت في الشبكة, وتمت نسبتها لبعض الأسماء دون وجه حق, وكنت أرقبها بحزن عميق وأسلي نفسي بتلك الحسنات التي سأحصل عليها ممن بدأ بالنقل ومحا حروف اسمي من نهاية النص.

لم يكن من طبعي السكوت, ومع هذا أمسكت قلمي عن مراسلة أصحاب المواقع والمنتديات على الشبكة العنكبوتية طويلا, ثم قررت في يوم من الأيام أن أستعيد حرفي وأُعيد له نسبه الصحيح, وراسلت بعض من وجدته لديهم, وصرخت: “أن هذا وليدي”, فكان أن تجاهلني البعض, وطالبني البعض بالتسجيل في منتداه والنشر فيه ليكون من حقي أن أستعيد ما هو ملكي؛ فكيف لهم أن ينشروا لغير الأعضاء الفاعلين حسب قولهم, ومنقول هذا هو عضو شديد الفاعلية في كل المنتديات الملتزمة كما يعرف الجميع.

أحدهم شكرني بحرارة على التنبيه واعترف بأنه لم يكن لينتبه للأمر, وقد ظنَّ مثلي أن كلمة – منقول – قد تكفي, والأجمل من هذا وذاك أن البعض اتهمني بأنني من طلاب الدنيا؛ وأنني لو كنت أردت وجه الله بحرفي لما اهتممت؛ ولكنت فرحت بما نقلوه, وأخبرني بأنني لو أردت أن أنشر في الشبكة فعلي أن أتقبل فكرة غياب حروفي ونسبتها لغيري؛ وأنني إن أردت الاحتفاظ بملكيتها فعلي أن أنشر في أدراج مكتبي؛ ولا أعرضها على أحد, وقص علي كاتب حكايته بأنه طالب باستعادة قصيدة له في منتدى من منتديات الشبكة؛ وأنه تعرض للطرد وتواطأ المشرف مع السارق حينها وسلبوه حقه في حروفه التي سرقت ونسبت لغيره ولم تنسب للأستاذ “منقول” فحسب.

ما زالت تراودني فكرة حملة بل حملات ضد نسخ النصوص ونقلها دون إرفاق اسم الكاتب معها, وما زلت أنظر بحسرة إلى كل السرقات التي تتم تحت ضوء الشمس للنصوص والتصاميم والرسوم والدروس والابتكارات, وما زلت أرى أن استبدال اسم الكاتب بكلمة منقول هي جريمة لم يعاقب عليها قانون بشري, ولكن ظلما قد وقع على كاتب الحروف لا بد من مطالبته يوما بجزاء ممن فعل الأمر بداية.

واليوم وبعد أن عزفت على نقل موضوع كتب عليه: مما راق لي.. ومنقول.. ومما أعجبني, وبعد أن أعلنت عن رفضي لهذا الظلم الذي يجري ونحسب أننا به ننفع العباد, فإني أستودع الله حروفي هذه وكل ما كتبت, وأخبركم أنني سأقتص من ناقلها – دون نسب – يوم الدين, وسأقدم له شاكرة مسرورة الكثير من سيئاتي.

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)41

0

 

في الشهر الثامن من الحمل بدأت سراب تخرج من البيت مع زوجها وأحيانا برفقة حماتها للمشي ساعة من الزمن حسب تعليمات القابلة القانونية، لأن الحامل كما أخبرتها تستنشق الأوكسجين ويأخذ الجنين كميه كبيرة منه، والمشي يسهل الولادة على ألا ترهق نفسها  أثناء السير، فكانت تخرج من المنزل متأبطة ذراع عادل كل يوم بعد صلاة العشاء، ويدوران حول الجزيرة دورة كاملة ثم يعودان إلى البيت، وكانت أم عادل ترافقها أثناء انشغال ابنها بعمل ما، أو حين تأخره عن الحضور باكرا.

في إحدى هذه الطلعات اليومية مرَّتا من أحد الأزقة الضيقة في طريق العودة، وهناك التقتا بــ “شيماء الرابح” وهي تهم بدخول منزلها، فأقسمت عليهما أن تسهرا عندها لساعة من الزمن.. حاولتا الاعتذار عن الدعوة فلم تنجحا، فدخلتا المنزل الذي يشبه حديقة صغيرة من كثرة الزهور والورود التي تملأ الدار، وتزينها بأجمل الألوان الخلابة وشذاها الفواح يملأ الأجواء عبيرا.. أكثر مالفت نظر سراب القفصُ الكبير الذي كان في الجهة الشمالية من الغرفة، وسجينُه الببغاء الرمادي اللون الذي ظل يصفر ويتكلم بجمل مفهومة وبعضها غير مفهوم بصوت يقلد فيه صوت الإنسان، فكانت في بعض الأحيان تظنه رجلا عندما تندمج في حديث ما مع السيدتين، فتظن أن أحدا دخل عليهن البيت، ما تلبث بعدها أن تنفجر ضاحكة.

أخبرتهما السيدة شيماء أن ابنها سارية قد أحضره لها هدية من أفريقيا عندما كانت سفينتهم هناك، وقد وجدت فيه مؤنسا يسليها في أوقات وحدتها بعد أن تزوج أولادها، وباتت وحيدة تمضي وقتها بالعناية بالزهور والببغاء الجميل، وهي اليوم تسمع من خلاله  أصوات أولادها وأحفادها إن هم غابوا عنها فهو مقلد ماهر.

لبعض وقت انشغلت سراب بهذا الطائر العجيب الغريب المخيف أيضا، كاد أن ينقر سبابتها لولم تبعد يدها عن القفص، أعجبت به جدا فهي لم تره من قبل عيانا، وكانت قد قرأت عنه ذات يوم بأنه طائر يستطيع تقليد صوت الإنسان لأن لسانه سميك ويقلد أي شيء يسمعه فيخرج الكلمات والنغمات حتى صوت انسكاب الماء من الصنبور، وصوت رنين الجرس، وقرأت أيضا أنه عندما يعيش في الغابة يقلد صرخات الحيوانات الأخرى أما صوت صراخاته الخاصة به فحاد جدا ومزعج.

أعجبت سراب بهذا الكائن البديع، وظلت عيناها معلقتين به طوال السهرة، وهي تلاعبه فيقفز في القفص بردود فعل ملفتة، وأكثر ما أعجبه به طريقة أكله بزور دوار الشمس بعد أن يقشرها بلسانه ولها صوت يشبه صوت البزور أثناء تقشيرها بين أسنان الإنسان.

 لاحظت شيماء الرابح انبهارها به الذي شغلها عن معظم الأحاديث التي دارت بينها وبين أم عادل، فرأتها كطفلة صغيرة تعلقت بلعبة جميلة ذكرتها حركاتها البريئة بابنتها سارة المغتربة في أمريكا، فشعرت بنبضات حب تجاهها جعلتها تخرج إلى حديقة البيت، وتجمع  طاقة من ورود قدمتها لها وهما تغادران منزلها.

حدثت سراب عادل عن الببغاء وعن انشغالها به، وتمنت لو يقتني لها مثله فقد سلب لبها، فوعدها خيرا إن هو سافر ذات يوم إلى أفريقيا لأن ثمن الببغاء في بلادنا غالٍ جدا.

في الصباح قرع باب أم عادل.. أسرعت لمعرفة الطارق.. فوجئت عندما رأت حفيد شيماء الرابح يحمل قفصا حديديا كبيرا في داخله الببغاء الذي فتن سراب.. ناولها القفص وأخبرها بأن جدته تبلغهما السلام وسوف تأتي لزيارتهما بعد ساعة.

كادت سراب تطير من الفرح عندما رأت الببغاء وسمعت صوته يصرخ بكلمات كثيرة. تركت عملها في المطبخ، وجلست قبالته تلاعبه وحماتها تنظر إليها بسعادة رغم الحيرة التي سيطرت عليها، واستغرابها من أمر إرسال شيماء الرابح الببغاء إليهم.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

حنانُ أم( من العمر لحظة)

3

تسبقني عيونُ قلبي- التي رأتك قبل عيوني- بالبكاء، أحس بدمعها نارا في صدري، أهرب، أغرق نفسي في بحري، تتقاذفني أمواج الحنين إليك، أعود بصحبة دمعي، أضع يدي فوق رأسك.. أعيذك بالله من كل مايحزنك، خذ حياتي ولاتحزن، أنَّاتُ صدرك تشعل قلبي، تهدُّ كياني، أنظر إلى السماء.. أرفع يديَّ بالدعاء: اللهمَّ فرِّج همَّه، فأسمع صوتك الحبيب وعيناك تنظران في عيني ونداء أحبه: ماما.. اطمئن يابني، فإنَّ اللهَ سميعٌ مجيب.

 

بقلم
زاهية بنت البحر

 

 

 

 

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)40

0

 

جثَّة الغريب حرَّكت الآلام المُسَكَّنة بمشاغل الزَّمن.. هيَّجت الشجون الدَّفينة في الصدور، فتمرَّدت على سجَّانيها وتفجَّرت براكين دمع غسلت بها النسوة قبور الأحبَّة أباً.. أخاً.. زوجاً وولداً، وأمَّا الذين لم يؤتَ بجثثهم إلى الجزيرة فقد زار ذووهم قبور الغرباء ووضعوا فوقها الرياحين وقرأوا لأرواحهم القرآن.

استطاعت هذه الجثَّة المنتفخة أن تفجِّر طاقات  إبداعية في رواية القصص المحزنة عن أبطال من أهل الجزيرة غادروها وهم يبتسمون، في جيوب قلوبهم آمال وأحلام كثيرة تترنم ابتهاجا بغدٍ مشرق، وعادوا إليها في توابيت مغلقة لم يسمح لأهلهم برؤيتهم فيها ولو للحظات، أو من لم يعودوا كالغرباء الذين يرقدون في جزيرتهم بسلام، بينما قلوب أحبتهم في حزن وعذاب مرير، بعضهم ترك زوجته في شهرها الأول من الحمل ولم يعد ليرى فلذة كبده، ولا تمتع طفله بنداء بابا.

ومنهم من ذهب للعلم فقتل قبل أن يعود حاملا معه شهادات عالية لخدمة وطنه، صُفِّيَ لرفضه العمل في دول الأعداء.

وكان لأحمد صديق عادل نصيب من أحاديث الناس لقرب عهد رحيله، فبكته أمه وخطيبته  بِحَرِّ الدموع.

قالت سراب بعد سماعها بعض هذه القصص: عندما يصبح لي طفل، ويكبر لن أرسله للدراسة هناك، أريد لابني الحياة والسعادة في وطنه أيا كانت دراسته أو عمله.

في أثناء عاصفة الذكريات التي هبَّت على الجزيرة بوصول الغريق إليها، طلب عادل من أمه وزوجته زيارة أم صديقه أحمد وخطيبته فقد سمع بأن جراحهما قد نكأت عند سماعهما نبأ الغريق وما قيل فيه.

حاولت أم عادل تسكين حزنهما بذكر قصص كثيرة عن الصبر الذي به دواء القلوب، والثواب من الله الذي يوفي الصابرين أجورهم بغير حساب.

 نضخت العيون الدموع بصمت، وأنات خرجت من صدور أشعلَ الحزن حشاشتها، فالتهبت بها المشاعر طالبة من الله الرحمة للراحل والصبر والسلوان لأهله من بعده.

–        ليس الموت حدثًا عابرًا ويمضي يا ابنتي، بل هو دائم الوقوع بين الناس، سيرحل الإنسان عن هذه الدنيا، ولكن لا يدري متى ولا أين ولا كيف، ولا عبرة في التقدم بالسن أو الشباب، فهو لا يفرق بين صغير وكبير.

وتمر الأيام يطويها الزمن في سجله يوماً بعد يوم ويلقي بها في ملَّفات العمر المهملة، يثور خلالها البحر ويهدأ.. يثور ويهدأ، ويعلو بطن سراب ثم يبدأ بالهبوط، تحدد القابلة القانونية التي تقيم في الجزيرة موعد الولادة التي ستتم في البيت لعدم وجود مستشفى لأجل هذا الغرض.

لاشيء يستوجب القلق هكذا قالت القابلة.

أم عادل وابنها وكنتها هم  الآن على شوق لإشراق الوعد.. ينسجونه من ضياء الحلم.. يخبِّئونه في العيون ويطبقون عليه الجفون.. يرعونه بالأماني، ويسقونه بالدموع عندما يحس عطشًا، ويظلون يرتقبون  ولادته في فجر يوم يحمل إليهم تباشير الهناء. يااااه ما أروعه من صباح ذاك الذي يشتاقونه بكل عواطفهم..بكل أمانيهم.. بكل أفراح الصغار..  بعبير الزهور.. بضياء الشمس، وفوق أهداب القمر.. 

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظارِ الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)39

0

ابتسامة درة  الليلة في وجه سراب لم تكن كما عهدتها منها سابقا، بدت العجوز أكبر سنا من عمرها الحقيقي، كانت كئيبة، حزينة، قلقة، وعيناها تنظران إلى سراب تسألانها بصمت عما أرَّقها حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل.

 أومت لها برأسها أن اقتربي.. لبت نداء إيماءتها.. جلست بالقرب منها على الديوان والصمت ثالثهما.

تابعت درة ارتشاف اليانسون الساخن وسراب مطرقة رأسها .. نظرت إليها بإشفاق.. سألتها درة:

–        ماالذي أرقك .

–        الذي أرقك ياامرأة عمي..

–        تناولي كأسا من اليانسون علك تنعسين.

–        لماذا يقتل الناس بعضهم بعضا ياامرأة عمي؟

–        ليس الامر جديدا، القتل ياابنتي وجد مع الإنسان منذ عهد أبينا آدم وأنت أعلم بذلك مني، أم نسيت قصة قابيل وهابيل؟

–        لم أنسَ ذلك، ولكن حتى مَتى سيستمر القتل بين الناس؟

–         إلى أن  يرث الله الأرض، ويوم القيامة يُحاسب كل نفس بما كسبت، فللجنة ياابنتي أهلها وللنار أهلها.

–        مسكين هذا الغريق، كانت له أحلام ركب البحر معرضا نفسه للخطر كي يحققها.

–        كل إنسان له أحلام ياسراب كبرت أم صغرت، بعضهم يحققها وبعضهم يموت قبل أن يصل إليها.

–        شيء محزن ألا يعيش أحلامه على أرض الواقع، ربما كانت جميلة جاهد من أجلها كثيرا.

–        دائما ياابنتي يسرح بنا الخيال في عالم الأحلام كبارا وصغارا، نراها جميلة، براقة، تسحرنا .. نحار أيها نختار وكأننا في حديقة ملئت بأشجار وأزاهير خلابة.. نقطع أشواطا من العمر قبل أن نقطف منها شيئًا، وعندما نظفر بشيء منها نجد بساطَ العمر قد سحب منا.

–        أجل هذا يحصل كثيرا وقد سمعت قصصا أبطالها عاشوا وماتوا دون أن يقطفوا حلما ما.

–    كعمك أبي عادل فقط خطف منا خطفا.

–         رحمه الله ، أحس أحيانا بأن الحياة كلها وهم كما قلت لك ذات حديث بيننا.. أين هو الآن هذا الغريق من أهله، أحقا كان موجودا بينهم والآن هو تحت التراب في جزيرة نائية لم يخطر في باله أو بال أهله أو حتى في بال أهل الجزيرة أن يرقد فيها إلى الأبد؟!!

–        هذا قضاؤه وقدره وقد قال الله عزَّ وجل(وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت.)

–        صدق الله العظيم.. أحس ياامرأة عمي بالعجز والضعف والخوف معا.

–        كلنا نشعر بهذا ولكن من الحكمة ياابنتي ألا تستسلمي للعجز عندما تحسين به، بل كوني حكيمة، حليمة بنفسك لتري بعين البصيرة مالا يراه الآخرون. انهضي الآن وأحضري كأسا من مغلي اليانسون، فما زال في الدّلة شيء منه.

–        وأنت ألن تنامي؟

–        اقترب السَّحر، سأقوم للصلاة.

–        أيقظينا بعد الفجر إن تأخرنا بالنوم.

وقفت أم عادل خاشعة في صلاة الليل، سلمت فؤادها وأحاسيسها لربها ناسية الدنيا ومآسيها، وعيناها تسكبان الدمع طاهرا عَطِرَا في لحظة القرب من الربِّ العظيم.

العمر غريب بكل مافيه من أحداث ومشاعر، المحظوظ فقط من يقبض على لحظة هناء تملي عليه خفقاتِ قلبٍ تهدي حبيبتيه بعض زخات مطرٍ تطهره من لواصق لا تجلب له مسعدًا في قادم لامفرَّ منه، قد تسكن الأنسام أجسادًا، ولكن قد يظل الاتصال بينهما مفقودا إلى أن يشاء الله، فيكرم إحداها بلحظة وصلٍ يحملها الجسد ما بقيت الروح فيه سعادة تضيء حياته حتى الغروب بشعورٍ لايعرف ماهيته، هكذا كانت تلك اللحظة.

الانتصار على النفس بانسكاب دمعة شكر لخالقها، يجدِّدُ اليقين، ويعود بالنفس ألى النَّقاء، فتغسل بتلك الدمعة ماعلق فيها من قاطعات الصِّلة بالأصل، فيشرق بومضة الصَّحو ماغم بتراكم القشور وتضاء لكينونتها مسالك الهديِ بالسّلام.

بقلم

زاهية بنت البحر