Mryam M.Y

Just another WordPress.com weblog

بانتظار الأمل(( رواية لزاهية بنت البحر)64

0

تتنفس أم عادل بصعوبة.. ملء المدى خوفها.. متمكن من أعماقها.. رعشة عُظمى  تحتل كيانها المتهالك انهزاما.. ترجو الله ألا يطيب لجنونها المقام بين شغافها.. كتمت عن آذان الحضور بحرا ملتهبا من الآهات الحرة تطوف أمواجه بين شطآن قلبها هادرة.. منذرة بما تخشاه.. ما عادت تحس بندى الحلم الشذي فوق جبين الوعد.. جف جلده ويبس.. بات محفوفا بأشواك الخداع.. ممهورا بالحرمان.. منقوشا بالبؤس..

مسامات جسمها المجعد  تنزف عرق الحزن ملحا.. تدلقه عيناها دمعا.. تستنشقه رئتاها غبارا..

–       هاشم.. كأس الفرح بات سما.. لا تجرعني الموت قهرًا.. اسمع نواح الروح.. لا يمكن أن تكون قاتلي..

  تمسك بيدي سراب وقد جلست خلفها تهدهدها على صدرها بحنان.. بل تهدهد هاشم بسراب.. أتراها تودع الحياة بوداع الأمل للقاء هاشم هناك خجلة منه،  فقد عجزت عن تحقيق أمنيته بحفيد يحمل اسمه.. حاولت كثيرا لكنها لم تستطع.. بأي عين ستنظر إليه؟

.. سراب تستغيث بالله.. عادل يحار.. يعجز عن التفكير.. يطلب من الطبيب مساعدة زوجته حسب مقدرته.. يصر الطبيب على موقفه.. يغادر البيت موقعا محضر الجلسة ( بآسف). تصرخ إحدى النسوة:

 –  اسقوها مغلي الكراوية ، لقد ساعد في تيسير ولادة حسيبة عامر..

تهرع درة إلى الداية أم عثمان، وإلى الداية أم أحمد بلقيس تطلب منهما مساعدة سراب..

–  كنتما لنسوة الجزيرة وجهَي خير.. قل من تعسرت ولادتها عندكن.. أنقذا هاشم وسراب أقبل أيديكما..

 تعتذران فالوضع يحتاج  إلى مستشفى مجهزة بغرفة عمليات خاصة للولادة لإنقاذ سراب والجنين.. الوضع مخيف. تزداد قلقا وهي تعود إلى البيت مهرولة.

نظرت إلى السماء مبتهلة بحرقة عسى الله يدحر الغمة، ويبعث الروح في الحلم المرتقب، فتكبر نزعة الأمل وتشب فوق الحصار.. تعرِّش سنديانة عصية على معاول اليأس وفؤوس الانهزام .. فوق أغصانها تشقشق العصافير ، وتهدل اليمامات فوق أشجار الكباد والنارنج  تهدي صغارها تباشير الفرح.. وعلى حبات التوت و سنابل القمح تشرق الشمس دافئة تقبل وجناتها بالمحبة والعطاء.

كبر الحلم بهاشم.. تطاول كثيرا مادًا رأسه فوق النجوم.. أتراه يسقط فوق الأرض مهشما؟

لم يعد يهمها اليوم إن كان في رحم سراب هاشم أو أنثى.. أقسمت أنها ستسميها أمل إن جاءت فتاة، فقط تريدها أن تلد بالسلامة.

–         يارب لا اعتراض على ماتشاء.. اجبر كسرنا.. أنقذنا من همٍّ عظيم.

       أيقنت درة بعد مشيب أنها قربان الهم لقلبها المجروح المتفرد بالحزن على مدى حياتها التي ظلت تقتات من أناتها صمتا وآها.

بخفق قلبها الملتاع تبحث عن شيء عن لاشيء عن بصيص ضوء ولو كان بعيدا.. بعيدا علها تجد فيه مخلصا يعيد لها رمق الرضا.. بهجة الوعد.. صدق الأمل..

تحس بارتعاش يد سراب الساخنة.. تبحث عن علية بين النسوة الباكيات.. لاتجدها بينهن.. تسأل عنها بنظرة عينين تورمتا من لسع الدموع. تناديها سراب

–         امرأة عمي .. سامحيني إن صدر مني يوما شيء أزعجك .

–         بل أنت سامحيني ياحبيبة..

تصرخ علية التي كانت للتو قد دخلت الغرفة فسمعت ماقالتا:

–         ماهذا الكلام، لاأحب سماعه منكما.. ستلدين ياسراب بخير بإذن الله.

–         سامحيني ياأمي.. إني  أموت.. سأموت ياأمي..

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)63

0

 

هذه المرة قررت القابلة البقاء قرب سراب خشية المفاجآت رغم أنها لم تحدد وقتا معينا لقدوم الوليد.

جاءت وجيهة بفرحة عارمة لاستقبال سمي والدها، كما وصلت إلى البيت أم أحمد بمساعدة لمى، فوجدت عند أم عادل شيماء الرابح، ورضوى، وفكيرة وبعض الجارات المقربات اللواتي سعدن بدعوتهن لحضور هذا الحدث الجميل.
تحلَّقت النسوة حول سراب كأنَّهنَّ أشباح سود، وهي ممدَّدة فوق فراش أزرق وسط الغرفة التي فرشت بالسجاد الأحمر، ورحن يتجاذبن أطراف الحديث لمؤانستها والتَّخفيف عنها مما تلاقيه من آلام المخاض.
سراب تتالم .. تصرخ.. تضع يدها على بطنها وتقرأ(اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا)..

تقترب منها أمها وتقرأ المعوذتين والفاتحة، بينما كانت النسوة يتحدثن وهن يتسلين بما قدمته لهن وجيهة من ضيافة..

تجلس القابلة قرب  سراب تفحصها بين وقت وآخر.. وسراب لايعلم بحالها إلا خالقها.. تقرأ ويدها فوق بطنها(- يا خالق النفس من النفس يا مخلص النفس من النفس يا مخرج النفس من النفس خلصني

 تناديها إحداهن وهي تلوك قطعة من الحلوى:

–          ساعدي ولدك يا سراب، مسكين هو في ضيق أكثر منك.. ..

 تقرأ سراب بتوجع:

 ( – اللهم يا مسهل الشديد، وياملين الحديد، ويامن هو كل يوم في أمر جديد، أخرجني من حلق الضيق إلى أوسع الطريق، بك ادفع ما أطيق ومالا أطيق، وصلَّ الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم )
في هذه الليلة كان الجو بارداً، والريح تعصف بجنون، وغيوم داكنة تسقط أحمالها مطرا غزيرا بفواصل زمنية تكاد تكون متشابكة، بينما كان ارتفاع الأمواج يزداد علواً كلَّما اشتدت الريح عصفاً وسراب صراخا.
ظل عادل واقفا خارج الغرفة خلف الباب قلقاً، لم يثنه تساقط المطرعن إصراره  في الوقوف قرب الباب، وكلَّما كان يأتيه صوت سراب بالصراخ يقرع الباب ويسأل عن حالها.
اتَّسع الليل لسماع روايات النسوة عن ولادات كل واحدة منهن بالتَّفصيل الممل، وسراب تلوب من الألم ودموعها تغسل وجنتيها، تتخبَّط فوق الفراش.. تستنجد بالله، وهاشم مازال في دور الظَّلام، عاصفة تزأر في الخارج، وغزالة تتلوَّى في داخل الغرفة، وجنين يدافع كي يرى النور.
طلق بارد.. صراخ حاد.. نسوة يسبحن الله، طفل يكاد يختنق، وسراب في وضع لايبشر بالخير.
رحل الليل وما رحل الألم، والعاصفة تضرب شواطئ الجزيرة بوحشيَّة مفرطة.
تعسَّرت الولادة، وأعلنت القابلة عجزها في فك أسر الجنين، وعن خطورة الوضع العام بالنِّسبة للأم، فطلبت استدعاء طبيب الجزيرة علَّه يفعل شيئاً.
طبيب الجزيرة ليس  طبيبا نسائيا ولا جرَّاحاً.. هو طبيب صحة تخرج هذا العام، وسراب بحاجة لعملية قيصرية، ولن يخاطر بحياتها ولا بسمعته فالوضع سيء للغاية.

كادت أم عادل تصاب بجلطة عندما سمعت ماقاله الطبيب..
ضجَّت الصدور بالخوف، وتعلَّقت العيون في السَّماء ، وتحشرجت الكلمات في الحناجر، ما العمل؟ من أين لهم بطبيب أو مستشفى والبحر يزداد هيجانا؟
الحالة خطيرة تستوجب الإسعاف الفوري ولا أحد يجازف بحياته بركوب البحر.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر) (62)

0

هيأت أم عادل وعلية فراش سراب الذي ستتم فيه الولادة وهما تقرأان بسرهما المعوذتين، والإخلاص، وجهزت درة البقجة الخاصة بديارة هاشم التي حلمت بتجهيزها سنوات مديدة، ولم تنسَ أن تجعل فستان عادل- الذي ضمه الصندوق العجوز ردحا طويلا من الزمن بانتظار ابنه في بقجة خاصة به مطرزة بالخيوط المفضضة والمذهبة.. لكنَّ عليَّة كان لها رأي آخر بالنسبة لفستان الحلم العتيق الذي أكل الزمن عليه وشرب، فطلبت من أم عادل ألا يكون هو أول ما يرتديه الوليد لقدم موضته، ولعدم لياقته للحاضر، فكل شيء قد اختلف عما كان سابقا، وإلا فسيكون محط انتقاد الحاضرات، ولسوف يصبح مضرب المثل في السخرية بين الناس، ورشحت عوضا عنه ما أحضرته هي له من ملابس جديدة دفعت ثمنها غاليا لحفيدها الأول لم يلبسها قبله أب، ولا جدّ.

أحست درة بكسرٍ في  خاطرها، وغصة في حلقها.. فاحتقنت الدموع ملتمعة في عينيها المتعبتين مما وجه إليها، فأسدلت أجفانها بانكسار، وأغمضت مقلتيها ببطء في محاولة للهروب مما هي فيه من إحراج  لكتم فوران مشاعرها المهتاجة بتلك الصفعة التي وجهتها إليها علية دون أدنى حساب لأحاسيسها بجهل  كان أو بقصد.. لم تستطع بداية، فاستعانت بالله كي لا تقلب جو الفرح إلى جو غمٍّ ونكد تاركة لعلية حرية اختيار ما تراه مناسبا لحفيدها حسب ما ترتاح إليه ذائقتها.

رغم انشغال سراب بآلامها وتأوهها المستمر، وعدم قدرتها على الكلام بسهولة، فقد سمعت ما دار من حديث بين أمها وحماتها.. لم تستسغ ما قالته والدتها فمثل هذا التصرف الفج لايليق أن يصدر عن أمها المعروفة بالحكمة واللباقة، ولا أن يوجه إلى حماتها بهذا الأسلوب بغلظة تمقتها النفس الشفيفة، فطلبت منها على مسمع من أم عادل أن يكون فستان أبيه هو أول ما يرتديه هاشم، لرغبتها وزوجها وأمه في ذلك واتفاقهما عليه، فلم يعد أمام عليَّة إلا الانصياع لمشيئة الجميع رغم أنفها.

قبل قليل كتمت أم عادل دموعها منعا لحدوث أي شيء قد يعكر صفو اليوم داخل البيت- خاصة وأن علية مهما يكن هي ضيفة عندها – وما يحدث في الخارج- من ثورة الريح، والبحر، وتساقط الأمطار- قام بالواجب وأكثر، لكنها عندما سمعت ما كان من موقف سراب وما نطقت به من درر، جعلها عاجزة عن لجم كرم عينيها، فانهمرت منهما دموع السعادة محلاة بقطر الشكر من كلمة حق قالتها سراب جبرت بها كسر خاطرها، ورفعت كثيرا من معنوياتها النفسية.

 رفعت درة يديها  إلى السماء شاكرة.. حامدة، ولسانها يدعو الله بنبض قلبها الطاهر أن ييسر الولادة  لسراب  على خير مما جعل علية تبتسم وهي تؤمِّن معها وكأن شيئا لم يكن.

لاحظت علية اشتداد الطلق مع ابنتها، فسألتها إن كانت تود استدعاء القابلة.. أومأت لها برأسها إيجابا ووجهها ينضح عرقا، وهي تتأوه بألم كبير،  وتسأل الله سرا وجهرا العون ومساعدتها بالخلاص مما هي فيه  على خير.

تأخرت القابلة بالحضور، فازداد قلق وجيهة ودرة على سراب خاصة وقد راحت  تتقلب في سريرها بضيق شديد، والعرق  يتصبب من وجهها ويديها، وعندما وصلت القابلة إلى البيت كان الليل قد أرخى سدوله على الجزيرة، بينما كانت العاصفة تشتد نهشا بها من الجهات الخمس.

بقلم

زاهية بنت البحر

أشرف حبيبي

13

ماشاء الله لاقوة إلا بالله \حبيب قلبي اشرف

تعوَّدتُ وجهَكَ صبحًا وليلا

وأيقظَ صوتُكَ حبي الدفينْ

وأومتْ عيونُكَ للحزنِ: إرحلْ

وخذْ في جيوبِكَ سرَّ الأنينْ

أراكَ لطيفا أراك شذيا

أحسُّكَ دفئا بنبضِ الوتينْ

بكاغِكَ يبدأ صبحُ نهاري

وفوقَ شفاهِكِ يحبو الحنينْ

يمدُّ الفؤادُ يديهِ بشوقٍ

ليلمسَ حسنَك فوقَ الجبينْ

يضمُّكَ وردًا وينهلُ شهدًا

وانتَ تناغي سحرَ اللحونْ

ترفرفُ مثلَ الفراشِ بقلبي

وحولَكَ هفهفَ عذبُ الدخونْ

أأشرفُ أنتَ ضياءُ عيوني

أمِ العينُ أنتَ بنورٍ تبينْ؟

شعر

زاهية بنت البحر

الصورة تتكلم 

تَبَارَكَ الرَّحْمَنُ

 

 


وما لمريمَ إلاه تلوذُ به

6

 

آه من الآه ماأحلى تلظيها
لمَّا بصدقِ الودادِ القلبُ يزجيها

تمرُّ بردًا على ماالحبُّ يشعلُهُ
شوقا وتهدي سلامًا في تفانيها

حبي لهُ قد غدا نعمى أُعَزُّ بها
مامثلُها في الدُّنى نعمى تضاهيها

وما لمريمَ إلاه تلوذُ به
أنيسَ قلبٍ وروحٍ في تساميها

شعر

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية بقلم زاهية بنت البحر)61

0

أمسى الغروب وشيكا، لكنها ستتكمش بأطراف آخر خيوط الشمس- بما لديها من قوة، وماتبقى لها من أنفاس- لتحس بها دفئا عاشت تنتظر ملامسته لقلب جريح يشكو البرد منذ زمن طويل.

سمعت أنين سراب، هرعت إليها بلهفة الشوق لعيني المنتظر.. كانت أمها تقف بالقرب منها تشد من أزرها.. ووجه الموجوعة يكاد ينزف دما..

هاتف عادل القابلة.. أتت على عجل.. فحصتها سريريا.. قلبت شفتيها.. هزت رأسها بالنفي، وقبل أن ترفع عينيها  إلى عيني علية  المعلقتين بوجهها قالت:

–          لا داعي للقلق، مازال الوقت مبكرا للولادة.

كالمرة السابقة  غادرت البيت على أن تعود عندما تظهر علامات المخاض واضحة، ولن يكون هذا قبل عدة ساعات قادمة.

أمسك عادل بيد سراب وراح يمشي بها في الغرفة ذهابا وإيابا حسب تعليمات القابلة.. مرت ساعة.. ساعتان لا جديد فيهما.

وسط القلق والرهبة المختلطة بالفرح دخلت درة إلى المطبح، وشرعت بإعداد الغداء، سيكون طعاما فاخرا..اليوم ليس كأي يوم مضى.. فرح.. ولادة..ولادة..ولادة.. أكثر من مرة شردت  بفكرها بعيدا..

تهيأ لها أن هاشم معها في البيت ينتظر مولد حفيده بفرحة تفوق فرحتها.. كادت تحس بدفء أنفاسه.. تسمع صوت خطواته.. همساته.. ضحكاته..   شطح بها الخيال أكثر.. كادت ترى ثيابه التي يرتديها لاستقبال الحبيب.. عطره الذي مازالت رائحته عالقة في شغاف قلبها.. ذقنه الحليقة.. طربوشه الأحمر مائلا قليلا إلى اليمين.. (ياااه ماأجملك ياهاشم)..

–         أيعقل هذا يادرة؟!! استهدي بالله.. تماسكي.. لا تتركي الوهم يفترس وعيك.. إياك والاستسلام للشيطان.. قد ينحرف بك بعيدا..

أفاقت من شرودها عندما سمعت صوت علية تلفت انتباهها لللحم الذي كاد يحترق في المقلاة..

ضحكت درة وهي تشكر علية:

–         ابتعدت كثيرا عن اللحم والسمن والنار..

–          هنيئا لمن أخذ عقلك..

–          ليس غيره يا علية.. لم يأخذه بل شغل كل مساحته، ربما لو كان أخذه لكنت الآن مرتاحة منه.

–         من هو ياأم عادل؟

ولأول مرة منذ عقود تضحك درة بصوت عال من كل قلبها.. قالت والدمع يغرق عينيها:

–         ومن سوى هاشم؟

–          الجدُّ، أم الحفيدُ؟

–         الاثنانِ معا..

اكتفت سراب بالقليل من الشوربة بينما جلس الثلاثة يأكلون فرحين، وكلما سمعوا صوت أنين سراب قالوا ” هانت بإذن الله، مضى الكثير ولم يبقَ إلا القليل”

اتصلت درة بشيماء، وبأم أحمد، ورضوى، ووجيهة، وفكيرة، وبعض النسوة المقربات لها ودعتهن لحضور ولادة كنتها، وألحت على أم أحمد بالحضور مع لمى.

 في غياب عادل عن البيت جلست درة وعلية في غرفة سراب بانتظار عودته من السوق فقد ذهب لإحضار ما سيقدم للنسوة من ضيافة وهن يشهدن مولد هاشم..

كما أرسلت للحاجة (بكرية ) لتكون على استعداد مع طبلتها لتزف هاشم عندما يأتي إلى الدنيا، ولم تنسَ أن ترسل (لأبي قدور طنَّا) كي يستعد أيضا بطبله  للعراضة ولو في منتصف الليل، تريدها عراضة لم تحصل لأحد من قبل في الجزيرة، ألا تستحق ذلك بعد صبر مرير حفر في قلبها وديان حرمان تفجرت  ينابيعها حزنا وألما؟

 

بقلم

زاهية بنت البحر

فتُّوا الورق(زجلية)

12

 

قبلْ لحظاتْ كانْ عمْ يلعبْ مَعُنْ
عمْ يضحكوا
وعمْ يمزحوا ويْسَايرُنْ
فـَتـُّوا الورق ..مَرَّا إلو ومرَّا إلُنْ
والحظ مرَّا يحالِفو
ومرَّاتْ كانِ يحالِفُن
لكنْ ياعمي كانْ دايخْ والعيونِ مْزَغْللي
شِربانْ حتَّى مِسْتِوي
ودمُّو بشريانو ياعيني كانْ عَمْ يغلي غلي
وهاكِ البنيه الواقفي قدامو عمْ تلعبْ عليهْ
كانتْ نذيرِ خْسَارتو منْ قبلِ ماينفِّضْ إيديهْ
ملايين حطَّا بفرْدْ قعدي بهالمسا
والعقل من راسو ياعيني طار منو بالأسى
ومن حسرتو هاجِ  وصَرْخ
هاتو المصاري كلْكُنْ غِشِّ وْوَسَخْ
لكنْ عصوتو الحَدِّ قاموا تعرَّموا
بوقفة تحدِّي بالكِبِرْ
والضحكي عاشفافُنْ شبر
وهوي بحزنو رَحِ يطق من القهرْ
هاتوا المصاري

روح بلِّط هالبحرْ

بدي المصاري

روحْ بلِّطْ هالبحرْ

هيدي المصاري موإلي
اسرقتا من خزانةْ هلي

ولك روح

هاتوا المصاري

روح

هاتوا المصاري

لازم بقى هالروح من صدرك تروح

وبتكِّي وَحْدي من الفّرِدْ

رجعتْ لرّبَّا الرُّوحْ

 

شعر

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية بقلم زاهية بنت البحر)60

0

في ساعة متأخرة من الليل نامت سراب بعد طول أنين.. كانت والدتها بالقرب منها تشرف على حالتها، فلم تجد جديدا يستوجب استدعاء القابلة.. حاولت انتهاز فرصة إغفاءتها لتنام قليلا  لكن الكرى جافى عينيها، فخرجت من الغرفة لاستنشاق الهواء البارد لإحساسها بشيء من الاختناق وهي تراها بحالة يصعب على قلب الأم تحملها ولو كانت ستلد ملكا.

لم يعد يشغل بال علية هاشم ولا درة.. المهم عندها الآن الاطمئنان على فلذة كبدها.. انهمار الأمطار فوق رأسها وهي تقطع الجزء المكشوف من فسحة الدار إلى غرفة المعيشة اختلطت عذوبة مائه بملوحة ماء عينيها.. فوجئت بوجود أم عادل في الغرفة وهي تقرأ في القرآن الكريم..

جلست  بالقرب منها تسبح الله، بينما كان عادل ينام في سرير أمه تاركا غرفته لحماته.

وضعت درة القرآن في  كيس من القماش الأخضر مطرز بخيوط ذهبية.. علقته فوق الحائط الغربي بعد أن قبلته، ودعت الله أن يتم الولادة على خير.

ذهبت إلى المطبخ.. عادت تحمل صينية نحاسية قديمة تلمع كالذهب وفوقها فنجانان من القهوة وكأس ماء..

وهما تحتسيان القهوة دارت بينهما أحاديث شتى، أخبرت درة خلالها علية بقصة رزق وسعفان، وخبر اللجنة النسائية لمكافحة التدخين بين النسوة، ومشروع العمل الإنساني لمساعدة المحتاجات من الأرامل والمساكين. أحست برغبة علية في الانتساب لهذه اللجنة فوعدتها خيرا، وسرها جدا ما سمعته منها في قدرتها على المساهمة معهن، ودعوة الكثيرات للمشاركة فيما يخدم الجزيرة.

وهما تتحدثان سمعتا صوت سقوط شيء ما في بهو الدار.. أسرعتا لمعرفة ماحدث في الخارج.. لحق بهما عادل الذي هبَّ من فراشه خائفا.. ألف هاجس هاجم  رؤوسهم.. استعاذوا بالله من ساعة الغفلة.. أضاءوا النور .. شاهدوا مفاجأة لم تكن بالحسبان.

 حمدتا الله وهما تنسحبان من الدار وخشب النافذة التي تطل على البحر مشلوح فوق الأرض بفعل شدة الريح.

رفعه عادل، ووضعه في ركن جانبي.. دخل غرفته للاطمئنان على سراب.. وجدها نائمة ويدها فوق بطنها.. أغلق الباب وراءه وعاد إلى غرفة أمه لمتابعة النوم قبل أن يحين موعد صلاة الفجر.

عندما هدأت أعصابهما راحتا تتحدثان عن الطقس، وعن هبوب العواصف في مثل هذه الأيام حيث (نوَّة الحسون)، وما تلاقي بها الجزيرة من كوارث.. فالريح والأمواج تهوج بشكل مفاجئ تضرب كل ماتصادفه أمامها من بشر وجماد. تحدثتا عن السفن التي غرقت.. والفلايك التي تحطمت وعن الأرواح التي زهقت.. نوة الحسون السنوية تدع بانسحابها الدموع في العيون حارقة بفقد المال والعيال .

تذكرتا ماحدث في إحدى السنوات الماضية عندما هاج البحر على الجزيرة، وكيف اخترق الصخور التي تقف بوجهه سدا منيعا.. دحرجها فوق الشط الصخري غرب الجزيرة ورمى ببعضها عن الأسوار العالية رغم أوزانها الهائلة فجرفتها الأمواج إلى قرب البيوت المطلة على البحر.. تخطاها بجنون إلى المقبرة المجاورة،  حفر التربة.. هجم على القبور، وخطف جثث الموتى منها ما فني منها، وما لم يفنَ بعد.. لم يترك سوى قبر الشيخ عسيلي رحمه الله.. لم يصبه بأذى. دهش الناس عندما رأوا بأم أعينهم ماحدث من عجب، فكبروا، وهللوا، وترحموا على شيخ جزيرتهم الجليل.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)59

0

وهو يقترب من باب الغرفة سمع صوت توجعها، دخل مسرعا يمتزج فرحه بالقلق..  نادى والدته.. سبقت الخيال بالوصول إليها.. اقترب إشراق  هاشم شمسا تنير حياتها.. تدفئ ما تبقى لها من عصارة عمر في دنيا تفننت بإذاقتها البؤس والحرمان رغم ما كانت تخفيه خلف الكلمات عندما كانت تحدث سراب بحكمة  تقتنع بها، ولكنها كانت أضعف من الاطمئنان إليها كثيرا، لولا إيمانها بأن الله سيعوضها في الآخرة خيرا مما كان في دنيا الفناء..

ما أجمل البشرى القادمة بتوجُّع سراب..  توجع تتمناه كل أنثى كي تصبح أمَّا مهما كانت شدة الوجع.. سيشب الأمل فوق أطواق الألم والعذاب والحرمان قالعا عيني حقد الآه الحارقة لقلوب اتخذت من الصبر مهنة، ولابد من أن تربح تجارتها يوما..

على جناح اللهفة فرحا اتصلت بوالدة سراب التي حضرت برفقة القابلة القانونية والعاصفة تشتد ضربا بالجزيرة..

مسح بكفه الحانية حبات العرق الباردة عن جبينها ورأسها موسّد صدر أبي هاشم.. أحس بدقات قلبه.. ناغاه بلمسة يده فوق بطن المتوجعة..

–          لا تعذب أمك يا هشومة.. صبرا يا بني.. كلنا بانتظارك..

سراب  تتألم بصمت حينا، فتعض على شفتها السفلى مغمضة عينيها المتشوقتين لرؤية الأمل المنتظر، بينما تضغط يداها على يدي عادل بشدة يتلقاها بأروع إحساس أبٍ ينتظر مولد طفله.. وحينا آخر تطلق تّأوها تحاول كتمه فلا يحالفها النجاح.. 

 تسرع أم عادل إلى مطبخها.. تحضر مغلي الكمون، فهو وصفة مجربة يحمى بها الطلق كما يقولون.. لم تجد سراب في نفسها قابلية لشربه فأعطته لعادل..

قررت عليه اصطحاب سراب إلى بيتها لتضع المولود في منزل جده.. سيكون الأمر أكثر راحة لهم جميعا.. أسرت الأمر في نفسها لحينه تاركة زوجها بقلق شديد على ابنته بعد أن حاول مرافقتها إليها.. لم توافقه، فالجمعُ الليلة للنساء، ولا مكان لوجود الرجال عدا عادل إلم يوافق على إحضارها إلى بيت والدها، أعطته حبة تنظيم الضغط، وطلبت منه تهدئة نفسه تجنبا للضرر.

كانت وجيهة أول من وصل إلى البيت ممن هاتفتهم درة.. لحقت بها علية والقابلة القانونية التي طلبت من عادل الانتظار خارج الغرفة..

وقف الجميع بقلق ينتظرون خبرا سعيدا يبشرهم بأن الولادة قد أصبحت على مرمى ساعة أو أقل..

كانت وجيهة تحضر القهوة عندما رأت القابلة تحدث والدتها وعلية بصوت خافت.. تركت الدلة فوق النار، وخرجت إليهم لتسمع ما تقوله..

–         مازال الوقت مبكرا للولادة.. اتصلوا بي إن شدَّ الطلق.

اعتذرت عن احتساء القهوة.. كانت في عجلة من أمرها.. هناك امرأة قد تضع الليلة مولودها.

عادت وجيهة إلى بيتها  للعناية بأولادها، بينما بقيت علية مع ابنتها تخفف عنها آلامها بحديث من هنا وقصة من هناك..

قصت عليهم ماحدث ليلة مولدها، وكم كان الأمس مشابها لليوم، فقد ولدت سراب في مثل هذه الأيام والمطر منهمر فوق الجزيرة بكميات هائلة على يد الداية أم عثمان رحمها الله وأحسن إليها، بينما تمت ولادة عادل كما قالت درة صيفا على يد الداية أم أحمد بلقيس رحمها وأحسن إليها.

لم تهتم سراب بما سمعت فقد كان فيها من الألم ماصمَّ آذان وعيها عن كل حديث.

بقلم

زاهية بنت البحر

علمتني الحياة( من العمر لحظة)

4

احلى كلام عن الحياة

– علَّمتني الحياة أن الجدال بلا فائدة هو قلة خبرة في الحياة، يدني من قيمة المجادل أمام الناس الذين يفهمون.
– علَّمتني الحياة أن العناد عن وعي بهدف البناء شيء رائع ومطلوب، وأن العناد عن جهل شيء مكروه وصاحبه غير محبوب.
– وعلَّمتني أن الصمود في طريق الحق بطولة وإباء، وأنَّ المكابرة في طريق غير الحق ضعف ومهانة.
– علَمتني الحياة أن الشَّرف صفة عملية تلازم الإنسان في كل اتجاهاته، وفي كل مكان يوجد فيه بين أحبائه وأعدائه ،وفي كل حالاته النفسية والاجتماعية، فلاينقصها غضب أو بلاء أو حرب مع الذات، أو الأعداء، ولايخبو لمعانها بتقادم الزمن..
– علمتني الحياة أن السعادة التي نعيشها في زمن ما، تنحتنا فوق جدران فؤادها إمضاءً تصحبه معها عندما ترحل عنا بانتهاء مدة الإقامة فينا، مودعة في نفوسنا حزن الفقد لأنها لاتعود إلينا ثانية، ولكنها دائما ترسل إلينا ومضات حنين عبر منحوتِ الفؤاد فيشغلنا بعض وقت بانتظار سعادة أخرى ربما كانت أعظم من الراحلة، ولكننا لانستطيع وقف شوقنا إليها عندما نشعر برفرفاتها تداعب شغاف القلب، والعين تندلق دمعًا..
– علمتني الحياة أن الوقت يمضي غير مكترث بشيء، يقطع جموعَ المارين به سعادة أو تعاسة، فمن يفهم لعبة الوقت يكسب منه كثيرًا، فكل شيء محتمل في دنيا غريبة عجيبة نفسر الظاهر منها حسب المعطيات التي تصلنا، فنقف عندها، ويظل المجهول أبعد من أن يطاله فكر أو حسابات بأي حال.

– علمتني الحياة التأملَ في جمال خلقِ الله عزَّ وجل، فلا أمر به مرورا عابرًا دون التزود منه بما يزيدني علما وحكمة، فما خلق الله الكون وما فيه عبثا وإنما لكل شيء فيه حكمة والسعيد من يعيها ويعمل بما تدلُ إليه.

بقلم
زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)58

0

ظل عادل مشغول الفكر بالرجل المجهول الذي استدان من أحمد المال، لم يكن في السفينة من يحتاج للمال ليصرفه في البحر، فليس معهم مقامرون، فمن يكون المقترض هذا؟

لم يهدأ انشغال باله  بهذا الأمر، فراح يستعرض الأحداث التي مرت بهما منذ أن صعدا السفينة إلى لحظة أن توفاه الله.

حار في أمره فهو لم يتركه لحظة خارج السفينة.. نزلا معا إلى السوق هناك في الميناء الذي اشترى منه الفستان الأخضر لسراب، واشترى أحمد الجاكيت للمى، هنا فقط  افترقا لوقت ليس طويلا، ثم التقيا في الكافيتيريا، وعادا معا إلى السفينة ولم يغادراها إلى أي ميناء آخر..  

أوشك أن يصل إلى طريق مسدود في معرفة مقترض المبلغ لولا أن تذكر أن هناك من طلب منه شخصيا المال، ورفض إقراضه لأنه سيعطيه لصديقته الأجنبية هناك لتدخل به ابنها إلى المدرسة.. أجل هو بعينه، ولكن ربما خجل أحمد من إخباره بالأمر بعد أن رأى غضبه وثورته العارمة ضده.

أحس بشيء من الراحة وكثير من الغضب.. حسنا سيعرف كيف يعيد المبلغ من الساكت على الدين بعد التحاق صاحبه بالرفيق الأعلى..

لم تسأل سراب حماتها أين ذهبت مع عادل كي لا تحرجها بالجواب، فخرجت معه لتتمشى كالعادة حول الجزيرة، لكنها هذه المرة لم تستطع متابعة المشي، فقد كان الجو باردا ورياح غربية بدأت تهب على الجزيرة، فعادت إلى البيت واستلقت في سريرها بينما ذهب عادل إلى المقهى بعد أن استدعاه أحد أصدقائه، فأخبر والدته بأنه لن يتأخر كثيرا.

بعد أن اطمأنت أم عادل على سراب خرجت من البيت بزيارة خاطفة لشيماء الرابح  التي رحبت بها كثيرا، وسألتها إن هي أوصلت المبلغ لأم أحمد.

فرحت شيماء بما سمعت، ودعت لعادل بالخير، واتفقتا على أن تقوما بمثل هذا العمل الخير مع كل من هن بحاجة لمساعدة مادية  تقف عفة أنفسهن وشآمتهن  مانعا بوجه مساعدتهن، وسوف تكون المساعدة لهن كل حسب الطريقة التي تناسبها بتقديم المال..

استأذنتها بالذهاب..  طلبت منها المكوث بعض وقت لكنها اعتذرت فقد اشتد هبوب العاصفة، وبدأت الأمطار بالهطول، وسراب وحيدة بالبيت، وهي متعبة.

عاد عادل إلى البيت مخطوف اللون.. مبلل الثياب. هرعت إليه درة  تستفسر عما فعل به ذلك.. تنهد بحرقة وهو يخبرها :

–  فلوكة صارم السناري قد ضيّعت في البحر عندما خطفتها الأمواج، وهو قادم بها إلى الجزيرة.. وبجهد جهيد استطاع بمساعدة بعض مراكب الصيد الكبيرة إعادة الفلوكة إلى الصقالة، وعندما وصلت رمتها الأمواج نحو الصخور، وكادت تحطمها لولا أن تعاون كل الموجودين على شاطئ البحر وفي المقاهي المجاورة فشحَّطوها إلى البرِّ..

قالت درة بأسف:

–          مسكين صارم السناري فقير منتوف، عنده ُّأولاد، الكبار بنات، والصغار صبيان، لامعين له غير رب العالمين.

–         – والله ياأم عادل كان منظره ّيقطِّع قلب الصخر إن كان له قلبا.. مشحَّر، معتَّر لو تحطمت فلوكته بالصخور لشحد اللقمة.

–          قدر الله ولطف، ماأخبار فلوكتك؟

–         الحمد لله ما فيها شي.. لكن الأمواج  تضرب بها كما تشاء، دعواتك يا أم عادل.. هي الحيلة والفتيلة.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل(رواية بقلم زاهية بنت البحر)57

0

 

استقبلتهما لمى خطيبة أحمد ريثما دخلت إليهما خالتها.. لم تكن تحسب حسابا لزيارة أحد لها قبل أذان المغرب، فقد تعودت أن تنام بعد صلاة العصر لقلة من يزورها.. تهرب بالنوم من التفكير بابنها.. مازال جرحها نازفا حتى الثمالة، بينما تجلس لمى في البيت وحيدة تتسلى في بعض الأحيان بمشاهدة التلفزيون وأحيانا أخرى بالتطريز اليدوي، فتصنع لوحات فنية جميلة إحداها صورة خطيبها الراحل .. حبها له جعلها ترفض العودة إلى بيت أهلها كي لا تترك خالتها وحيدة بين فكي حزنها الحارق..  في هذا البيت الذي ولد فيه أحمد وشبَّ ومنه رحل تحس لمى بوجوده بأي شيء تقوم به بخدمة خالتها.

خرجت الفتاة من الغرفة لتحضير القهوة فاستغل عادل فترة غيابها في الخارج، وبدأ الحديث مع أم أحمد التي استغربت هذه الزيارة المفاجئة منهما خاصة منه بالذات..

بعد أن دعا لأحمد بالرحمة والمغفرة وذكر الكثير من حسناته، قص على أمه بعض الذكريات معه التي يحتفظ بها في قلبه، وأخبرها بأنه كان قد استدان منه مبلغا من المال ووعده بإعادته إليه عندما يتيسر له ذلك، ولكن القدر سبقه إليه قبل أن يرجع المال، وخلال الفترة الماضية التي أعقبت وفاته لم يستطع إيفاء الدين لأمه لعسر كان يمر به، فآثر الصمت ريثما يتوفر له المبلغ، والآن قد فرَّج الله عنه، وها هو قد جاء لإعادة المبلغ كاملا للسيدة والدته، وطلب منها مسامحته على كتمان الأمر، والتأخر بالسداد، ورجاها أن تعتبره كابنها أحمد، وهو في خدمتها متى شاءت.

بداية دهشت أم أحمد مما سمعت، ثم انهمرت دموعها لأكثر من سبب.. لم تخف عليهما أنها لم تصدق ذلك عندما سمعته، ولكنها تذكرت بأنه ذكر لها في أحد الأيام عندما هاتفها في سفره الذي قضى فيه نحبه، بأن أحد معارفه قد استدان منه مبلغا من المال ووعده بإرجاعه له قريبا، ولم يذكر لها اسمه.

أصاب عادل الذهول عندما سمع ما تفوهت به الثكلى.. خاف حقيقة أن تكون قد صدقت بأنه هو من استدان المبلغ الذي أخبرها عنه ابنها، فصمت ولم يسألها عن قيمته خشية أن يفتضح سرّ ما جاء لتأديته إن كانت قيمة المبلغ هي ما أخبرها عنه ابنها أو غير ذلك، وظل فكره مشغولا بالمجهول الذي اقترض المال منه، ولم يُعده لأمه.

استلمت المبلغ من أحمد بينما كانت لمى تقدم القهوة لهم، وعلامات الدهشة بادية على وجهها  مما رأت، واستغربت كيف تقبل خالتها مالا من الناس وهي التي ترفض الصدقة.

ابتسمت أم أحمد عندما قبضت المال.. نظرت إليه مليا.. أخذت منه قليلا ثم أعادته لعادل، وطلبت منه أن يضعه في عمل ما يدر عليها ربحا يكفيها لقمة العيش.. فأخبرها بأنه كان سيقترح عليها هذا الموضوع، وسوف يضع المال في مكان أمين.

احتسوا القهوة.. وهي تضع الفنجان فارغا فوق الترابيزة قالت أم عادل للمى:

–         نشربها بفرحك يا ابنتي

انتفضت لمى كمن لدغتها أفعى.. قالت وقد انصبغ لونها بالجوري الأحمر:

–         بعد أحمد لن أتزوج.

سألها وعيناه مطرقتان نحو الأرض:

–         لماذا يا أختاه؟ هذا لايجوز شرعا، ولا يرضي أحمد رحمه الله.

–         يحتاج الجرح لعمري كله كي يبرأ مما أصابه، ولن.

–         من يدري قد يبرأ قبل ذلك إن رزقك الله بابن الحلال الطيب.

–         لن يستطيع أي رجل تحمل حزني على أحمد مالم يكن قد مر بحزن مثله.

قالت أم أحمد:

هذا كلام قالته قبلها كثيرات ثم نسين .. دعوها فإن الله كفيل برأب جرحها متى شاء.

 

بقلم

زاهية بنت البحر