Mryam M.Y

Just another WordPress.com weblog

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)73

1

لم تكن هذه المرة هي الاولى التي يرى بها عادل البحر هائجا، فقد سبق له خوض غمار البحر الأبيض والبحر الأحمر، والبحر الأسود،  والمحيط الهندي، وخاضت السفن التي كان على متنها معارك طاحنة مع الأمواج الطويلة والمرتفعة، ولكنها المرة الأولى التي يخاف  فيها من البحر لقلقه على زوجته.. يراه الآن وحشا بشعا بأنياب وأظافر.. ما هذا؟!! سأل نفسه كيف تمت الوحدة الليلة بين غضبين ثائرين، غضب البحر، وغضب الريح؟

البحر يضرب شواطئ الجزيرة وصخورَها بكل ما أوتي من قوة وجبروت بيد من  غلٍّ وحقدٍ لئيم..  تشد أزره ريح هوجاء تآمرت معه على براءة طفلةِ البحر المدللة، فيقسوا عليها برهبةٍ ربما لم تشهد لها مثيلا على مدى حياة أكبر معمريها سنا.

هجوم البحر  الليلة على الميناء الصغير كان مختلفا.. كسر أرضية مناطق كثيرة منه..  خطف بعض فلايك الصيد الصغيرة رغم سهر أصحابها على الرصيف الحزين لحمايتها، ولكن هيهات أن تقاوم العين المخرز.. حطمت الريح الخيام  المنصوبة فوق المقاهي،  والاستراحات المنتشرة على طول امتداد الكورنيش الضيق القصير، التي يقصدها السياح من كل بقاع الأرض ليتذوقوا السمكة الحرَّة، والصيادية التي اشتهرت بها الجزيرة، وليروا معالم تلك السابحة فوق البحر.. الجميلة بكل ما فيها من آثار تاريخية تحكي حضارة بلدنا، وأصالته الريادية منذ أقدم عصور التاريخ.

تضاءل حماس بعض النسوة بالبقاء في مهب الريح تحت انهمار المطر، فغادرت أم أحمد  الكورنيش لألم أحسته في ظهرها، وغثيان  مفاجئ، تمسك بها شيماء الرابح  تاركة لمى حاملة  بقجة هاشم على أن تلحق بها بعد  إبحار الزورق  بمن سيرافق سراب، وبقيت القابلة مع سراب تراقبها دون ان تظهر على وجهها بشائر مفرحة.

تعاون عادل ووجيهة ووالدته في حمل النقالة، ووضعها  قرب حائط أحد المقاهي ريثما يتفقد زورق فاضل، والاتفاق على طريقة نقل سراب إليه،  فهو لا يريد أن يشاركه أحد في ذلك، رغم أنه  قد يضطر أمام انفلات الريح والبحر للاستعانة بفاضل أو ربما ببعض العائدين من صلاة الفجر، ولكن كيف سيكون ذلك والزورق بحاجة لقائده للمحافظة عليه من الأمواج؟

للحظات خيل لعادل أنه سيفقد عقله.. يتماسك مثبتا قدميه في أعماق الصبر، فحبيبته على شفا هلاك.. لن تعوضه عنها ألف ألف أنثى بل كل النساء.. هي بين يديه في شبه غيبوبة عدا عن أنين يجرح قلب الصخر.. يشتاق لبسمة تتلألأ فوق ثغرها.. لدمعة فرح تنهمر من مقلتيها.. لهمسة تملأ الكون تغريدا..

–          آه منك يابحر، وآه منك ياريح ألا تسمعان صوت تألمها؟ ألا تعرفان الرحمة؟ بالله عليكما خذا قلبي.. أحاسيسي.. تذوقا ما ألاقي من ألم، فربما يتولد فيكما  شيء من  شعورٍ إنساني يقيني شرَّكما .

حلم يولد وأمل يخمد نوره.. تناوشه الآلام.. يتركها برعاية أمها وأمه ويذهب للبحث عن فاضل..  خيوط المطر المتشابكة تحجب عنه الرؤية والشمس مازالت في خدرها تتزين للشروق.

من بعيد يسمع صوت امرأة .. يصغي سمعا.. يقترب الصوت ويغيب مع صوت قصف الرعد وعواء الريح.. ينصت اكثر.. يتجه إلى مصدر  بعيد حدده رادار أذنيه.. قرأ هوية الصوت.. يحس بانقباض في صدره.. إنها هي والدة فاضل .

بقلم

زاهية بنت البحر

صدِّق، ولاتصدق

2

 

– صدِّق من قال لك أحبك، وهو لك ناصح أمين.

– لاتصدق من قال لك أحبك، وهو يلقي بك إلى التهلكة.

– صدق من يخاف عليك، من نفسك وممن حولك.

– لاتصدق من لايخاف عليك من نفسك ولا ممن حولك.

– صدق كلاما يخرج من قلب نقي لايعرف الخيانة، ولا النميمة.

– لاتصدق كلاما منمقا يخفي وراءه شرًا مبينا.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)72

0

نظر في وجهها المشتعل بحمى ألمها، فاشتعل قلبه عندما رأى جمال الحزن قد تفتح وردا فوق وجنتيها.. أحب قطاف غصنِ أمل من رياض المستحيل.. امتطى صهوة الشوق متحررا من سجن اللحظة.. موغلا في عمق الذات الموجوعة، فالتقى بها طفلة تسبح في الجرينة بشعر شقَّرته الشمس، ووجه ملأته نمشا.

ظل يراقبها من بعيد قبل أن يتجرأ ويكلمها.. ابتسامة عميقة ارتسمت فوق ثغره وهو يرى الفتى عادل يركض صوبها ليخرج من رجلها قطعة زجاج جعلت دمها يختلط بمياه البحر، فارتشفه قلبه حتى آخر نقطة.

يبتسم بألم.. سيخرج هاشم إلى النور.. سترينه..سنحبه، وسيسبح في الجرينة.. يسمع أنينها.. يخرج من أعماق ذاته يطمئنها.. ينادي درة

–        أم عادل أسرعي..

تركض على عجل.. تحمل البقجة فوق ذراعيها.. تغيب بها عن الضجيج.. عن عادل وحتى عن سراب وعن نفسها إلى نفسها.. تسمع هاشم يبكي.. تركض صوبه بخفق القلب.. تحمله.. تقبله.. تشبع عينيها من جمال طلعته وقد ارتدى فستان أبيه المطرز بالخيوط المذهبة والمفضضة.. ألبسته له رغما عمن لاتحب ذلك.. هو ابن عادل.. حفيد هاشم، وفستان أبيه أولى به من ديارة علية وإن كانت جديدة على الموضة..

–         يااه ماأجمل الأصالة ياتيتا حتى بملابس المواليد.

يزداد هاشم بكاءً.. تهزه بين يديها.. تغني له وهي تؤرجحه في الهواء..

–        لاتبكِ.. لاتبكِ.. ياهشومة لاتبكِ..

تمسح دموعه بأناملها المجعدة.. دموع ساخنة تحرق يدها.. تنظر منها إلى البعيد.. ترى البحر نارا ثائرة بين شطين في مد وجزر.. تمشط الرؤية بأصابع الدمع علها تستطيع إطفاء جذوة الحريق لحين إشراق الأمل باسما لقلوب أضناها الانتظار.. تحترق أصابع الرؤية..

تنظر إلى السماء.. كل كواكبها قد خبت وملأ دخان الحريق مابين البحر والسماء.. تتراجع عما ترى.. هي ابنة الحين لاتريد إرهاصات الماضي.. لاترحب بانكسارات آتية.. هاهو بين يديها تغني له:

–        لاتبكِ.. لاتبكِ.. ياهشومة لاتبكِ..

لن تسجن نفسها في أفقها الآني.. ستمد رؤاها إلى آفاق جديدة لافرق عندها قريبة كانت أو بعيدة، معقولة كانت أو مستحيلة ..لن توغل بآلام اليأس.. لن تشظي روحها باستفزاز القلق.. من حقها الآن أن تحدد خياراتها النفسية.. تعبت كثيرا على امتداد مساحة عمرها الحزين.. لن تضع رأسها في مقصلة الصمت بعد الآن ستغني لحفيدها فهو قادم:

–        لاتبكِ لاتبكِ.. ياهشومة لاتبكِ..

بالصمت تحدت الصمت.. بالصمت أطلقت لروحها العنان فاجتازت كل الحواجز.. أحست بنضوج الأمل في تلافيف دماغها.. هي حرة تمارس الآن طقوس أمانيها دون مراقبة يحرسها الصمت ويحرقها بشهقة الحرمان.. حققت الآن المعادلة بين الخيال والمحسوس.. اختلقت له قوانين جديدة لن تغضب أحدا.. استعارتها من حمى القلق المشتعلة في ذاتها المتشوقة لبكاء ومكاغاة هاشم.. أحلامها الآن وهي تحمل بقجة ثيابه ليست ممنوعة.. ليست حراما فهو في الطريق إليها.. الزورق أدار محرك الماكينة تأهبا للإبحار إلى شط الأمان.. شط السعادة، حيث يطلق هاشم أول صوت بكاءٍ، وتطلق هي أجمل زغاريد الفرح.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)71

0

نظر في وجهها المشتعل بحمى ألمها، فاشتعل قلبه عندما رأى جمال الحزن قد تفتح وردا فوق وجنتيها.. أحب قطاف غصنِ أمل من رياض المستحيل.. امتطى صهوة الشوق متحررا من سجن اللحظة.. موغلا في عمق الذات الموجوعة، فالتقى بها طفلة تسبح في الجرينة بشعر شقَّرته الشمس، ووجه ملأته نمشا.

ظل يراقبها من بعيد قبل أن يتجرأ ويكلمها.. ابتسامة عميقة ارتسمت فوق ثغره وهو يرى الفتى عادل يركض صوبها ليخرج من رجلها قطعة زجاج جعلت دمها يختلط بمياه البحر، فارتشفه قلبه حتى آخر نقطة.

يبتسم بألم.. سيخرج هاشم إلى النور.. سترينه..سنحبه، وسيسبح في الجرينة.. يسمع أنينها.. يخرج من أعماق ذاته يطمئنها.. ينادي درة

–        أم عادل أسرعي..

تركض على عجل.. تحمل البقجة فوق ذراعيها.. تغيب بها عن الضجيج.. عن عادل وحتى عن سراب وعن نفسها إلى نفسها.. تسمع هاشم يبكي.. تركض صوبه بخفق القلب.. تحمله.. تقبله.. تشبع عينيها من جمال طلعته وقد ارتدى فستان أبيه المطرز بالخيوط المذهبة والمفضضة.. ألبسته له رغما عمن لاتحب ذلك.. هو ابن عادل.. حفيد هاشم، وفستان أبيه أولى به من ديارة علية وإن كانت جديدة على الموضة..

–         يااه ماأجمل الأصالة ياتيتا حتى بملابس المواليد.

يزداد هاشم بكاءً.. تهزه بين يديها.. تغني له وهي تؤرجحه في الهواء..

–        لاتبكِ.. لاتبكِ.. ياهشومة لاتبكِ..

تمسح دموعه بأناملها المجعدة.. دموع ساخنة تحرق يدها.. تنظر منها إلى البعيد.. ترى البحر نارا ثائرة بين شطين في مد وجزر.. تمشط الرؤية بأصابع الدمع علها تستطيع إطفاء جذوة الحريق لحين إشراق الأمل باسما لقلوب أضناها الانتظار.. تحترق أصابع الرؤية..

تنظر إلى السماء.. كل كواكبها قد خبت وملأ دخان الحريق مابين البحر والسماء.. تتراجع عما ترى.. هي ابنة الحين لاتريد إرهاصات الماضي.. لاترحب بانكسارات آتية.. هاهو بين يديها تغني له:

–        لاتبكِ.. لاتبكِ.. ياهشومة لاتبكِ..

لن تسجن نفسها في أفقها الآني.. ستمد رؤاها إلى آفاق جديدة لافرق عندها قريبة كانت أو بعيدة، معقولة كانت أو مستحيلة ..لن توغل بآلام اليأس.. لن تشظي روحها باستفزاز القلق.. من حقها الآن أن تحدد خياراتها النفسية.. تعبت كثيرا على امتداد مساحة عمرها الحزين.. لن تضع رأسها في مقصلة الصمت بعد الآن ستغني لحفيدها فهو قادم:

–        لاتبكِ لاتبكِ.. ياهشومة لاتبكِ..

بالصمت تحدت الصمت.. بالصمت أطلقت لروحها العنان فاجتازت كل الحواجز.. أحست بنضوج الأمل في تلافيف دماغها.. هي حرة تمارس الآن طقوس أمانيها دون مراقبة يحرسها الصمت ويحرقها بشهقة الحرمان.. حققت الآن المعادلة بين الخيال والمحسوس.. اختلقت له قوانين جديدة لن تغضب أحدا.. استعارتها من حمى القلق المشتعلة في ذاتها المتشوقة لبكاء ومكاغاة هاشم.. أحلامها الآن وهي تحمل بقجة ثيابه ليست ممنوعة.. ليست حراما فهو في الطريق إليها.. الزورق أدار محرك الماكينة تأهبا للإبحار إلى شط الأمان.. شط السعادة، حيث يطلق هاشم أول صوت بكاءٍ، وتطلق هي أجمل زغاريد الفرح.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)70

0

        أتراه ودَّع جرحه بقطرة بلسم في بحر ألم؟ أم مازال الجرح مفتوحا بتمرد وحشي يريه خثرة دم  صغيرة طافية فيظنها غطاءً بوسع ثغر الجرح؟ 

تجاهَل الحقيقة بامتلاك مفتاح  الأمل.. الزورق الآن على أهبة الاستعداد وهو في طريقه لنقل سراب إليه.. سيحملها على أكف حنانه.. يغطيها برموش وفائه.. اقترب من البيت لكنه يحس بأنه مازال بعيدا عنه.. بعيدا.. يركض والآمال تركض معه.. يريد قطافها قبل الوصول إليها.. سيجمعها كلها في طاقة ورد بيضاء يقدمها لحبيبته عند ما يراها.

في حيرة من أمرها كانت وجيهة تدخل وتخرج من غرفة أم هاشم والدموع تلوب في عينيها، فلا هي قادرة على إطلاقها خشية أن تراها سراب، فتزداد  خوفا على ألم، ولاهي قادرة على كبح جماحها الثائر فتحرقها، وأحداقُها بها تغلي.

كانت تحس بقلبها يذبح كلما سمعت أنين سراب واستغاثتها بربها، فترفع يديها إلى السماء وتلهج بالدعاء لها تارة بصمت، وتارة بصوت تسمعه النسوة فيؤمِّنَّ على دعائها برجاء وانكسار.

بارتباك راحت تصول وتجول في البيت، ومما زاد الطين بللا تلك الاتصالات الهاتفية الكثيرة التي تلقتها من زوجها وأولادها  مما سبب لها ألما في رأسها وحيرة في أمرها، فكانت ترجوهم أن يرحموها، فالوضع في بيت أمها مأساوي، وطلبت منهم ألا يتصلوا بها ثانية إلا لضرورة.

في بوتقة قلقلها تمنت أن يأتي الغد بوجهٍ باسمٍ، وأن يصبح كل ما مرَّ بهم في تلك الليلة مجرد ذكريات للتندر بها بعد أن تمطر غمامة خوفهم خيرا فوق قلوبهم المتلهفة لفرجٍ قريب.

 هي تحب سراب رغم  الغيرة التي تنهش صدرها أحيانا، ليست غيرتها  كسبا حراما بل هي مشروعة على حبٍّ ولد معها وتريده أن يرافقها مدى الحياة.. لا تحب أن يشاركها به أحد أيًا كان، لكن سراب اليوم تستأثر بحب أمها وأخيها وهما أهلها هي.. تحبهما أكثر ربما من أولادها وزوجها.. تبخسها حقها بالدلال والحبِّ الكبير.. لم تعد هي وأولادها محط اهتمامهم وانشغالهم بها كما كانوا قبل زواج عادل.. كرهت هذا التحول الكبيرعنها باتجاه زوجة أخيها، وبخسها حقها بما كان لها ملكا كما تعتقد.. فسلب الملك عنوة  من صاحبه هو سلب الرضا من نبض القلب، وتأجج الثورة لاسترجاعه.

لم تعد وجيهة الليلة كما كانت قبل غروب الشمس.. تبدلت أحاسيسها تجاه سراب التي  لم  يعد لها حول ولا قوة، فأحست بالشفقة عليها، والكثير من المودة.. تمنت  أن تقول لها سامحيني، ولكن ظل لنفسها حظ من الكِبر، فامتنعت..

دخل عادل  بيته.. نادى أمه ووجيهة:

–      جَهِّزْنَ سراب  سنطلع بها الآن إلى البرِّ  لتلد في المستشفى.

خلال لحظات تحول البيت إلى خلية نحل..  ذابت ثلوج  الرعب التي شلت حركاتهن، ودبت الحياة في جميع من فيه بعد مواتٍ  اضطراري بيأس مقيت..  بروعة الخبر الذي جاء به عادل انزاحت صخرة ضخمة كانت تجثم فوق صدورهن،  فغرَّدت الرُّوح  فوق أفنان التفاني ..

أمسك بها مبشرا..

–     الزورق  بانتظارك..

كانت تئن بعينين نصف مفتوحتين، لم تبدِ اهتماما بما سمعت وكأنها في عالم آخر وهي تردد بأنين :

–  اليوم فرحة.. فرحة.. فرحة.

 مسح بيده فوق جبينها.. نظرت إليه بخمول ملؤه الاعتذار.. أمسكت بيده.. قربتها من فمها المرتجف.. قبلتها.. طلبت منه السماح..  ضمها إلى صدره وابتسامة مضطربة ترافق كلماته:

–      أجل اليوم فرحة.. ستكونين بخير.. لا تضعفي.. قولي الله..

–          الله..الله.. الله..

يداها ترتجفان.. تنزفان عرقا رغم برودة الطقس.. أسبلت جفنيها بصمت..  أحس بها  تتخبط في الظلام.. دارت به الدنيا.. نادى أمه أن تسرع  فالوقت يمر خطفا.. يريد أن يسبقه.. أن يقطعه قبل أن يستفرد بهم.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)69

0

تحدَّر الدمع من عينيه غزيرا.. لم يمسحه بكم قميصه خجلا ممن قد يراه مصادفة في طريقه.. خالف الليلة تعاليم أمه كثيرا.. قالت له ذات يوم:

–         الرجال لا يبكون..

لِمَ لا يبكون، أوليسوا بشرا من دم ولحم؟ أوليس في صدورهم قلوب إنسانية تحس.. تحزن، وتفرح، تحب وتكره؟ أم أنها قلوب فقدت هويتها الإنسانية، وانتسبت لعالم آخر لا يعرف شفقة ولا رحمة؟!! قال لها:

–         الدمع رحمة ياأم يطفئ نارا تتقد بها القلوب .

–         قد يصبح زيتا يؤجج النيران..

سراب حبيبته تستحق بحورا من الدموع، وجداول من العطر.. ليته يستطيع استعارة قلوب كل الناس للحظة واحدة يمزج أحاسيسهم بإحساسه المشتعل ليحسوا به.. ليتذوقوا معنى الألم على حبيب يموت أمامهم وهم مقيدون لا يستطيعون إنقاذه.. صدقت درة عندما كانت تقول له:

–         ضع أصبعك في عينك.. ما يؤلمك يؤلم الناس..

لم يفهم كثيرا يومها هذا القول.. فهمه الآن وبعمق، ولكن من يتألم لأجله؟ أم فاضل منعت ابنها من مساعدته.. هي أم ومن حقها المحافظة على حياة ابنها مثله تماما، فهو يسعى للمحافظة على حياة سراب وابنه فلماذا يلومها؟ أيريدها أن تخرج إلى الشاطئ تودع فلذتها وهي ترسله إلى الموت؟ أتراها تكون عاقلة إن فعلت هذا، أم قاتلة؟

–         لكنها سراب، وتستحق المخاطرة..

بالنسبة لك تستحق المخاطرة، أما بالنسبة لسواك فلا يستحق أمرها عندهم المخاطرة بحياتهم.

لا يريد أن يسمع  من عقله هذا الكلام رغم اقتناعه به.. ركض في الطريق على غير هدى.. إلى أين تهرب من الحقيقة؟ يركض.. يركض، وعصا الريح تجلد وجهه وظهره فيئنّ باقي الجسد.

ظن أنه يسمع صوت وقع أقدامه فوق المياه التي تتدفق في الطريق باتجاه البحر، خطوات هادرة توقظ أذن الليل.. يزداد الصوت وضوحا وداخله قهرا.. توقف.. انتبه بكل حواسه الشارد منها والهائم في طرقات البحث عن حل لما هو فيه.. التفت إلى الوراء.. رآه يركض باتجاهه وهو يناديه..

صحا من ذهوله وهو يصافح فاضل بكلتا يديه.. ضمه إلى صدره، والدمع ينساب فوق خديه مع حبات المطر.

–         أين ذهبت يارجل، لم أجدك هناك فلحقت بك.

–         خذ كل مالي يا فاضل أجرا لزورقك.

–         إنقاذ زوجتك هو أغلى من كل المال.

 

قبل قليل كاد اليأس يرحل به في متاهات القلق بأنفاس حرى تنزف من جرح الروح المضمخة بالحزن المرير.. حاول التبرؤ من اليأس فوجد نفسه يغرق في بحر تبرأت منه الشهامة واستعمرته الأنانية بأبشع صورها.. تحت المطر ركض مشرد الفكر تائه الخطوات.. سجين القتام، فامتدت نحوه يد العناية تنتشله من هياج النفس الغارقة في خضم الضياع.

بعد أن ظن بأن ظلامه أبدي دامس، وقد فات أوان الشروق وسيمضي عمره بسهاد وذبول، هاهي الشمس من جديد ترفع عن وجهها من وراء أفق ظنونه طرف خمارها على استحياء قبل وقت الشروق، فأي صباح سينعم به ويد الأمل تمتد نحوه بيد فاضل؟

 بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)68

1

كم يلزمنا من الطمأنينة لنحس بالأمن، ومن الأيمان لنصدِّق الوعد، ومن الإيمان لنسموَ بالنفس، ومن الكثير لنعرف قيمة القليل..

سلَّ شجاعته ببسالة هذه المرة دون تردد.. ألقى بغمدها بعيدا عنه.. لايريد أي موانع صادة لها.. هذا وقت الإقدام.. وقت استعراض ماخبأه لحاجة لاتحتمل تأخيرا.. قرع باب فاضل وصدى صوت الجرس يقرع أذنيه بمطارق من حديد تمنى أن يعود صداها إليه نغما.. انتظر بندى الصبر فوق جبينه أن يرى على شفاهه بسمة رضا حرَّة.. أن يسمع منه همسة دفء  تشرق في روحه بصيص أمل..

سريعة تمر الدقائق.. الساعات.. السنون وينتهي العمر.. اخترق حاجز الزمن بلحظاتِ انتظاره رد فاضل عليه.. امتطى صهوة الفكر.. سأل نفسه كيف يمر الوقت دون أن نشعر به.. كيف يهرب منا.. يقهرنا، فلا نستطيع الإمساك بلحظة واحدة منه؟ كيف يعمل العقل بأشياء كثيرة خلال لحظة واحدة.. يرى ويفكر ويقدر ويقرر، كاد عقله يفلت منه.. شريط حياته يمر أمامه متمردا على القمع الرزين.. طفل .. فتى.. مراهق.. شاب.. رجل وزوج لسراب والآن أب رهن قيد الولادة.. عجيب أمر الرؤى.. لماذا هجمت عليه عند باب فاضل محملة بكل ماضيه وحاضره.. أتراه هرب من تفكيره بما يحمل المستقبل له من مفاجآت لايحب حدوثها؟

 عند باب فاضل كان المنعطف، فازداد قلقه وخوفه جهلا بالجهة التي سيعود منها إلى البيت بزاد لايدري ماهية طعمه.

تراجعت نبرة شجاعته خطوة إلى الوراء.. أعاد قرع الباب بشيء من الضعف.. بينما داخله يغلي ويفور.. يطفُّ بركانا.. يحرق جوارحه بلهفة تمردت على قمع السجان. تجرأ بالنداء:مشاهدة المقالة

–       فاضل.. فاضل..

سمع صوت باب داخلي يفتح.. صوت خطوات بعيدة تقترب.. يعيد النداء:

–       فاضل..

يفتح الباب.. يخيل إليه أن باب النجاة قد فتح لسراب وسيدخلانه معا.. يبتسم في وجه القادم ابتسامة مسكين يرجو العون وهو يلقي عليه التحية.. يرد عليه بابتسامة فيها الكثير من التساؤل عما جاء به في هذه الساعة المبكرة من الصباح وقد بلله المطر.. أحس عادل من خلالها بصدق حدسه عندما صافحه بدفء يده مرحبا به، فهللت عيناه مكبرتين ببريق الشكر..

التفت فاضل إلى داخل داره، فرأى والدته تقف بباب الغرفة تستمع لما يدور بينهما، وقد ظهرت على وجهها علامات الغضب.

أحرجه لجوء عادل إليه في ظرف يستوجب المروءة والشهامة في مساعدة الملهوف، ولكنه لم يكن ملك نفسه، فحرية اتخاذ القرار اليوم لاتخصه وحده، ولابد من استشارة من يشاركونه حياته، أم صعبة المراس.. زوجة وأولاد.

لم يعطه جوابا متسرعا.. دخل إلى البيت بينما ظل عادل بانتظاره تحت المطر، والنار تزداد في قلبه اتقادا.

سمع صوته وهو يحاول تهدئة والدته.. تصرخ بصوت عال رافضة أن تتركه يخاطر بحياته مهما كانت الأسباب، وعندما وجدت ابنها قد قرر ركوب البحر، راحت تسب وتشتم بكلام لايليق بها كسيدة، ولا بابنها الشهم ولا بعادل أيضا..

 اختلط صراخها بالبكاء مما أيقظ أهل البيت، فسمع عادل أصوات الضجيج، فخيل إليه وهو يغادر المكان محتسبا بالله، كي لايحرج فاضل بأن هذه المرأة المتباكية  بومة تظن نفسها يمامة، وصوتها نعيق تحسبه هديلا.

بقلم

زاهية بنت البحر

كلمات من روايتي (الاعتراف) قالتها سناء

1

أحياناً تختنقُ الكلماتُ بالحزن.. ترفضُ البوحَ خشية ازديادِ النزفِ الموجع، وتفجُّرِ الاحتقانِ المزمنِ بالقلقِ، فتكتم أنفاسَ النطق بغصَّةِ شجنٍ تحرقُ الذاتَ بكفِّ الرَّهبة، فتنفر الدموعُ من العيونِ وتبحر بالألمِ العميقِ، فيُطرَب الكونُ بهديلِ حمامٍ يسكبُ حزنُهُ العبيرَ في آفاقِ الإحساسِ، وتبتسمُ الشَّمسُ بعدَ احتجابٍ بحضنِ السهد، والنطق يشتدُّ اندلاعاً بأغنياتٍ تتحدى الرَّهبةَ، فتقلق عينَ الرَّصدِ بوهج الجرحِ واحتراقِ الدماءِ .

 أتراها ألقتْ الشمس لي ألقَ الوهجِ، وغابت خلفَ الأفقِ؟ ربما صدق ظني وربما خاب.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)67

0

 

لأنه لم يعتد مد يده لغير الله طلبا للعون، صعبت عليه نفسه وهو يسأل أصحاب الزوارق واحدا واحدا أن يطلعوا به وزوجته إلى البرِّ بأي أجرٍ كان..

 لم يلقَ من أحدهم قبولا.. ركوب أمواج البحر اليوم بثورته الهادرة تعني الانتحار.. الروح غالية.. الأطفال بحاجة لآبائهم أكثر من حاجتهم لمال عادل.. اليتم وحش مفترس ينهش أكباد الصغار، وقلوب الأرامل الراعيات لهم طوعا أو قسرا..

رصيف الميناء الصغير متشح بالوحشة.. غارق بالذهول.. مفعم بالقلق.. كسر البحر أوانيه الكرستالية المغرية بلمعانها تحت أشعة الشمس الذهبية أيام الصحو ومياهها المالحة تبرق بألوان قوس قزح.

عاش كريم النفس، مرفوع الرأس منذ الطفولة.. لم  يحنه لغير مولاه ولأمره بخفض جناح الذل من الرحمة لدرة.. من أجل سراب تخلى اليوم عن شيء من إرث كبريائه.. ألح بالطلب ولم يعتده.. ترجى.. توسل.. كادت دموعه تفضحه لجرحين في صدره، فأمسك بها رحمة بشآمة ماضيه.. سراب تستحق التضحية.. أجل هي تضحي اليوم بحياتها لتهب له هاشم.. لتسعده وأمه فماذا قدم هو لها؟ أيتركها لقمة سائغة للموت دون أن يعمل المستحيل لرد الأذى عنها؟

 نظر إلى السماء بحزن.. بحرقة.. برجاء.. طلب العون من الله.. توكل عليه.. سأله أن يجعله راضيا.. قانعا بمشيئته، فللشيطان في حال العسرة دروب ممهدة إلى قلوب وعقول المحبطين من الناس مهما كانوا أقوياء إلا من رحم الله، وهو اليوم في أشد ظروفه عسرة وأحلكها ليلا، وأكثرها مناعة على الحل المريح، فدعاه بقلب سليم أن يجعله من الذين شملتهم رحمته، فيطمئن قلبه، وظل يذكر الله خفقا بنبضه المرهق.

يقر عادل بضعفه.. انكساره.. أمور كثيرة ألفها مع أمه وأخته في صحن الزاد منذ أن وعي الحياة.. جبر الله قلبه بزوجة صالحة.. محبة.. صبورة.. رتقت جراح يتمه بلمسات قلب حنون.. طالت أعماق أعماقه شفته من الحزن.. كان يريد منها طفلا بكل ما لديه من شوق لمكاغاةٍ تملأ البيت تغريدا، لكنه لم يشأ يوما استبدالها بولَّادةٍ رغم قحط السنوات العشر الماضية، وإلحاح أمه عليه،  فامتنع.

اكتفى بواحدة استطاعت اختصار نساء الأرض جميعا، حبا، فكرا، وحنانا. حبها كان معجزة أتاه على حظ من نِعم.. علمه أصول الحياة بما يتناسب مع واقعه المحيط به.. عاش مرتاح البال، لايتطاول ولا يتقاصر عما يستحقه. رضي بأقداره وأرضى من حوله، فعاش سعيدا.. آمنا.. لم يتسكع يوما في شوارع الحيرة وطرقات الضياع.. لم يشغل باله بما لاينفعه.. واثق الخطى يمشي فوق أرض صلبة بالرضا دون خنوع.. تمسك بيده زوجة همها سعادة بيتها بمن فيه.. هما مقتنعان بأن سعادة المجتمع تبدأ من سعادة بيوته، ووعي أفراده، وتفاهمهم كعائلة واحدة مع حفظ الخصوصيات..

لم يجرب الدخول في أمور لا تعنيه كي لا يسمع مالا يرضيه.. لك الحمد والشكر يا رب.. دائما يصدح بها قلبه.. اليوم يناديه أن ساعد سراب حبيبته..

 وضعَ رأسه على صدر رجائه خاشعا لله، وهو يطرق باب “فاضل حمدي” عله يقبل الإبحار بهم إلى البر قبل  حدوث كارثة قد يلقى بها حتفه حزنا على حوريته الحبيبة.

كان يتوقع الرفض من فاضل، فهو زوج وأب لسبعة أطفال.. ويعيل والدته العجوز.. أحواله المادية أقل من المتوسطة لكنه أيضا لايشكو العوز إلا لله.. الرجل معروف بشهامته، ولكن للشهامة حدود، ولن تكون شهامة إن ألقت بحاملها إلى التهلكة بل ستكون وسيط انتحار مع سبق الإصرار.

بقلم

زاهية بنت البحر

لوحة رائعة

0

8153 1248689829 الرسم على الجدران لدينا ولديهم

 

منقولة من موقع نقطة بداية

بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر)66

2

شعرت رضوى بقشعريرة تسري في جسدها.. ترعش أطرافها بخفق قلبها المتسرع.. أحست بتبدلات ما تحدث داخلها.. ربما  ماتشاهده أمامها  جعلها تفهم الحياة أكثر.. تعيد ترتيب أفكارها من جديد بوضوح على أرض الواقع.. كرهت الرمادي.. لن تخادع نفسها بعد اليوم.. هي تريد أن يكون لها طفل.. جاهدت في سبيل ذلك كثيرا.. تتمنى أن تجرب آلام المخاض ولو مرة واحدة في حياتها تحقق بها إحساسها بالأمومة هذا صحيح، لكنها بعد الليلة لم تعد تريد ذلك.. ولن تفكر به ثانية.. لن تحس بالحزن والألم لحرمانها من طفل يولد من رحمها يناديها “ماما”..

 حمدت ربها على أنها عقيم، وحمدته كثيرا أن منَّ عليها برزق طفلا لم تحمل به تسعة أشهر، ولا عانت قسوة الوحام، ولم تتعرض لآلام وضعه، فمن يدري أوليس من الممكن أنها كانت ستموت أثناء الولادة؟ هي بالذات فليست كل من تلد تموت، فأنقذها الله بالعقم من الموت.

 أقسمت رضوى أنها ستحب رزق  أكثر من أي وقت مضى، وستعمل المستحيل لإسعاده، فهو نعمة أكرمها الله به من حيث لا تدري، وقد تجد فيه قلبا حانيا يهتم بها عندما تتقدم بالسن ربما أكثر من ولد أنجبته قد يكون عاقا بها، فقد سمعت عن أبناء طردوا أمهاتهم من بيوتهم فلمَّهن أصحاب الخير، أو ملاجئ العجزة.

صمت شيماء الرابح كان معذبا لها.. صمت خارج عن إردتها.. أحست الليلة بالضعف.. بالعجز.. بالقهر.. كل شيء كان يبدو لها مؤلما.. حتى الصمت كان حارقا.. ليتها تستطيع أن تقدم مساعدة لهذه الغزالة التي تحتضر أمام عيون الجميع.. يرونها عن كثب لكن لا يمدون لها يد العون، لعجزهم أمام جبروت البحر.. ما أمرَّ طعم طعنة العجز في الخاصرة..

سراب تواجه الموت وحيدة رغم كل من حولها.. تُذكِّرُ أمَّ أحمد بموت ابنها وحيدا هناك خلف البحار في سفينة امتطى صهوتها لكسب الرزق الحلال، وسراب امتطت صهوة الحمل لإنجاب طفل الحياة.. دعت الله أن ينقذها لشبابها ولمحبيها.

كانت بين الحاضرات صبية حفر الموت في قلبها اسم أحمد بأظافر الحزن.. شوه صفاء الخفق برعشة الألم، ودفق الدم بملح الصبر.. لأول مرة تحضر لمى حالة ولادة.. مازال هذا يعتبر عيبا بالنسبة للبنات.. وجدت نفسها الليلة مجبرة على الحضور لظروف خالتها الصعبة خاصة وأنها المرة الأولى التي تخرج بها من البيت بعد وفاة ابنها، وما مجيئها إلا كرمى لابنها التي أحبت أن يشارك بها عادل بوجودها معهم..

عندما رآها عادل أحس بأن أحمد في هذه الليلة قريب منه وسعيد جدا.. هي الذكرى تتسرب من مخدعها برؤية محب لأصحابها.. تفور.. تندلق شلال عسلٍ أو بركان ألم.. ما أروع الجداول عندما تنساب على وقع ترانيم الفرح ولو اختلط الحلو فيها بالمر.. فهي برغم انشغال النفس بأمور أهم فإنها تظل مبعث إحساس داخلي مريح، تجعل القلب مطمئنا لشيء ما لا تميزه أثناء الانشعال بالأهم. وعندما تغدق المحاجر الدموع على الخدود فرحا، أو حزنا، يطيب للباكي مسحها بمنديل المحبين.

 قد يكون  في كثير من الأحيان للكلمة الطيبة تأثير فعال في شفاء مريض أكثر من أقوى دواء كيميائي يباع في الصيدليات، ماأحوجنا لصيدليات القلوب الطيبة، وما أقل وجودها في زمن النفايات النفسية المتزايدة انتشارا بين الناس.

بقلم

زاهية بنت البحر

بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر)65

1

يخترق هدير البحر عواء الريح.. تسمعه الآذان نحيبا.. صراخا ونعيقا..
تختبئ المنى في سراديب الفجر المرتبك قدومه بوحشة الطقس.. المنهك نوره بمشاهد الغضب الثائرة فوق الجزيرة بنفخ العاصفة.

تخيم على النفوس ظلال الردى قاتمة.. تطحن فسحة الضوء بعناد الهوج بحرا وجوا.. كالطفل كان عادل يبكي.. يداري دموعه عن حبيبته بالوقوف خارج الغرفة تحت المطر، يفكر في طريقة ينقذها بها من الموت.. عادل يريد حبيبته، يريد فلذته.. لكنه عاتب عليه.. يرجوه بومض الحنين، وبرق الشوق.. يرسل إليه عبر أحاسيس صامتة، يخيل إليه أنها تصله، فينتظر الجواب بالخروج إلى الدنيا:

–          ياوجه الخير لاتنهك قلبي بالتهام فم القهر فرحي.. لا تكسر ظهري بقلع عيون الضوء حولي.. دعني أراك أيا هاشم.. أغنيك أهزوجة حمى حرقت داخل درة بنار فراق جدك، فكنت أمنية البرد والسلام لقلبها المحترق شوقا إليك.

–          ينتظرعادل الجواب.. يطول انتظاره، ويطول، ولاجواب..

يسمعها تناديه:

–         عادل.. عادل

يفتح الباب.. يدخل إليها وعيون النسوة تنظر إليهما بحزن وألم.. يرد عليها

–        سراب أنا هنا.. لاتخافي ياأم هاشم.. اطمئني سيكون كل شيء على مايرام..

–        أتظن ذلك؟

–        أجل .. أجل

–        عادل.. سامحني.. لاتنسني ياعادل.. سامحني..

 يرن جرس الهاتف.. يهرع ودرة وعلية إلى غرفة المعيشة، يسبقهما إليه.. تقف المرأتان أمامه لمعرفة من المتكلم  من  وراء الأسلاك.. ربما كان الطبيب قد غير رأيه وسيساعد سراب.. ربما وربما وربما..

تمر لحظات حرجة يهز في نهايتها رأسه،  ويختم المحادثة بالشكر والدعاء.. يعطي السماعة لأم سراب.. يأتيها صوته من الجهة الأخرى متهدجا.. تخاف عليه من انتكاسة صحية إن هو علم بحال ابنته.. تطمئنه وتغلق السماعة بهدوء بينما يغادر عادل البيت على جناح السرعة بعد أن أخذ من الخزانة مبلغا من المال.
سترك يارب.. ضاقت الحيلة.. أحسَّ الجميع بأنَّهم حقيقة يعيشون في المنفى خلف الأمواج الغاضبة.. هاهو البحر يحاصرهم بقسوته المعتادة وجبروته الذي لا يرحم، بينما رحم سراب يحاصر الأمل بظلام اليأس رغم محاولة التحرر من قيده المطبق على عنقه.
آه منك أيتها الحبيبة.. جزيرة القسوة أنت والرَّحمة معاً.. الحب والكراهية.. الفقر والغنى.. أبداً تظلِّين بوجهين.. طاهرة كالبحر.. طاغية مثله.
السماء تمطر.. البحر يموج بالزَّبد متمردا على الصبر والهدوء.. وسراب تنزف بالوجع رمق الحياة، وجنين يُحتضر بحنان الرَّحم المشتق من الرحمة.
صرخت أم سراب والحسرة تلتهم قلبها خوفاً على ابنتها: ياناس، ياهو.. .. ياأنس.. ياجن ياسامعين الصوت.. يا أولاد الحلال أنقذوا ابنتي.. حرام عليكم.. افعلوا أي شيء.. أحضروا طائرة مروحيَّة تسعفها.. أرجوكم لا تدعوها تموت..
بالأمس في سهرة مع نساء الجزيرة، أطلقت علية نكتة ساذجة أضحكت الساهرات حتى هرت الدموع من عيونهن، عندما قالت بأنهم بحاجة لطائرة تحضر المعلمات والمعلمين، وتموِّن البلد بالطعام في الأحوال الجوية السيِّئة، واليوم أصبحت النكتة بحاجة للتطبيق في واقع مأساوي رهيب.

قالت لمى بحماس:

–           أجل نحن بحق بحاجة لطائرة حوامة تساعدنا وقت الشِّدة.. قد تنقذ طفلاً من موت.. تلتقط غريقاً.. تعيد فلوكة ضيَّعتها الريح  في البحر.. تسدُّ جوعاً عندما ننقطع عن البر..  تكون طائرة إسعاف في حالة ولادة عسيرة كتلك التي تواجهها اليوم سراب.

 

بقلم

زاهية بنت البحر