اغمضتُ قلبي
0ياربّ أكرمتَني جدًا بما كتبوا
إنِّي لأعجب من حبٍّ بهِ سمقتْ
على جناحِ الضِّيا أجتازُ عالمَنا
أغمضتُ قلبي عن الدنيا بما ذخرتْ
شعر
بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)79
0
خلف إحدى النوافذ المطلة على البحر، كانت هناك ثمة امرأة في العقد السادس من العمرتدعى(حسيبة عبد المؤمن) تراقب عن كثب ما يجري بالقرب من بيتها المجاور لللبحر.. كانت بين الفينة والأخرى تضرب كفا بكف محسبلة، محوقلة..
سمعها زوجها المريض المستلقي فوق سريره في الغرفة المجاورة.. شغله أمرها.. لم يعتد منها هذا إلا في الأمور الكارثية.. ناداها.. ذهبت إليه.. حدثته بما ترى.. أنصت باهتمام.. حاول النهوض لرؤية مايجري بالقرب من بيتهم الذي لم يسلم من رشق الأمواج له بالغزير من حمولتها.. لم يستطع.. طلبت منه البقاء في سريره تجنبا لوقوعه فوق الأرض، فهي لاتستطيع حمله وإعادته إلى الفراش، فجميع أولاده مازالوا نائمين. عمل بنصيحتها على مضض.
الجزيرة صغيرة.. عدد سكانها قليل، والناس فيها يعرفون بعضهم بعضا إما قرابة، أو جيرة، أو صداقة.. تعجبت حسيبة كيف تضع النسوة الحمالة فوق الأرض وفيها سراب، ولماذا لم يستعن عادل بالرجال عندما جاء بها إلى البحر فالجزيرة تغص بأصحاب المروءة والشهامة.. لابد أنها غرقت الآن ومن معها بالماء، فقد مرَّ على وقوفهم تحت المطر قرابة ربع ساعة، وحتى الآن لم يمتطوا الزورق..
قال الرجل بأسف:
– هذا جنون رسمي.. سيلقون بأنفسهم إلى التهلكة.. غريب أمرهم والله.. حتى المجانين لا يخاطرون بأرواحهم في مثل هذا الطقس.. إن فعلوا ذلك فلتنصب خيام التعزية لكل من يركب معهم الزورق.
– يبدو -والله أعلم- أنهم مصرون على ذلك.. رأيت عادل يتحدث مع بعض الشباب، وقبل ذلك مع مجموعة من الرجال، لكن -الله أعلم- لم يوافق الرجال على ما كان يريده منهم..
– إن وافقه الشبان قضي عليهم.
– ليس في صالح أحدٍ منهم مرور الوقت، ما العمل؟
– في الأوقات الحرجة يكون الإنسان بحاجة للعقل والحكمة أكثر من أي وقتٍ آخر، وإلا ضاع وضيَّع من معه.
– الكل يشهد لأم عادل بالحكمة ونضوج العقل، لاأدري ماالذي أصابها اليوم.
– أي حكمة هذه التي يشهدون لها بها وأي عقل ياحسيبة؟ مجيئها إلى البحر في هذه الظروف دليل على جهلها، وعلى جهل من معها.
– الجماعة مضطرون لعبور البحر وسراب في خطر كما سمعت زوجها يقول للرجال.
– إن كانت في خطر هنا في الجزيرة، فستلقى حتفها في البحر.
– ما العمل إذن؟” مقسوم لاتاكل، وصاغ ماتقسم، وكُلْ حتى تشبع”.
– أفضل العودة بها إلى البيت ولن يصيبها إلا ما كتب الله لها هنا أو هناك.
– من الصعب إقناعهم بذلك.
– دعيهم.. فحكمتهم تغنيهم عن نصائحنا، ولن ينالنا منهم إلا الصدّ وسواد الوجه.
– ليتني أستطيع مساعدتهم بأي شيء.. خطرت لي فكرة.. ما رأيك أن أقدم لهم الخيمة الصغيرة التي اشتراها ابننا ساهري فتكون لهم واقية من المطر ريثما يتدبرون أمرهم، وإن رأيت الظرف مناسبا للكلام، نصحتهم بالعودة إلى البيت فربما يجد كلامي قبولا لديهم؟
– افعلي ما شئت.. فالخير لا يضيع ثوابه عند الله.. ولكن لا تغضبي إن سمعتِ منهم ما لا يرضيك أو خطفت الريح خيمة الساهري.
– النصيحة لله ومن كان عاقلا يعرف قيمتها.
– يبدو لي أن العقول اليوم كلها في إجازة بلا راتب.. أرجو أن تُقطع فورا قبل أن تحلَّ بأصحابها كارثة لايعلم مداها إلا الله.
بقلم
زاهية بنت البحر
باسمةُ الخداعِ
0
كانت تعلم أنها هي نفسها هي، مراراً حاولت وتكراراً إقصاء الرَّيبة عمَّن تكون.. كانت عيناها تشي بها أمام المرآة لباسمةِ الخداعِ الملونة.. تسقطها بها لمصاف فاتناتِ ملاعب الشاشات الفضية.. يزداد عنقها طولاً، وصدرها نهوضاً، وامتلاءً بفقاقيع الهواء.. تتمشى بخيلاء فوق بساطٍ خيالٍ مخملي ساحر، بازخة الترف بألوان الزينة النكراء، كاشفة السَّتر عن مرمرٍ ما تلوث يوماً بعيون إلا انكسر، وباءت تجارته بالخسران.
هي تعرف ذلك أكثر ممن أخبرها به، لكنها مازالت تحاول فك رموز الشك، وذات مرة أتعبتها باسمتها الملونة بالسؤال.. أحرجتها بالجواب.. اتسعت عيناها.. أحست ببرودة الهواءِ تدمعهما.. فتحت فاهاً.. رفعت أنفاً.. ظهرت لها الباسمة الخادعة على حقيقتها.. ذهلت مما رأت.. لا.. لستِ أنا.. لستُ أنتِ..لا..لااا.
لم تشعر بما فعلت.. أحست فقط بيد أمها تمسح عن جبينها الدماء المتدفقة، والخادمة تلملم الزجاج المكسور عن الأرض الملساء.
بقلم
زاهبة بنت البحر
يضحكني
5– يضحكني أن ينعت بعضهم شخصا بالبخل، وهم أكثر الناس بخلا.
-يضحكني من يتورمون كبرا وينفسّهم دبوس.
– يضحكني مدَّعٍ يعمل على إصلاح الناس مرتديا البياض، وهو مريض بالقتام.
– يضحكني من يخطف طفله من حضن أمه بينما هو”الخاطف” مازال في حضن أمه “غرا” لم يبلغ سن الرشد.
– يضحكني أن يلبس البعض كلامهم ثوبا فضفاضا من الصدق والتدين، وهم أكثر الناس نفاقا.
– يضحكني أن يغار البعض من أحدهم.. يحسدونه.. يتطاولون عليه، وهم لايصلون إلى كعب حذائه.
– يضحكني حدَّ البكاء صوص يتطوأس، وهومنتوف الريش.
– يضحكني من يغمزون ويلمزون وهم سخرية للناس.
– يضحكني من يضع رجله في طريق أعمى، فيقع هو على رأسه.
– يضحكني من يغتاب الناس، فيذمهم، وهو خليٌّ مما يستحق الثناء.
– تضكحني من تتدعي الوعي والفهم وهي أكثر الناس جهلا.
– يضحكني من يكذب فيصدق كذبه، ويغضب ممن لايصدقه.
– يضحكني من يدعي مكارم الأخلاق وهو الفقير لها.
– يضحكني من يحاول هدم صرح من فولاذ بحزمة قش.
يضكحني حدَّ البكاء من يدعي السيادة وهو لايملك من أمره شيئا.
– يضحكني أنني أضحك مما يضحكني، فالأَولى البكاء.
يتبع
بقلم
زاهية بنت البحر
بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)78
2
هناك في عالمِ الذاكرةِ صباحاتٌ مشرقةٌ وليالٍ مبكيةٌ يبخلُ بها القلبُ.. يوصدُ دونَها الأبوابَ، فتبقى مؤنسةً لهُ في وقتٍ يتلاشى فيه كل شيء.. تكاد النفس تفقدُ هويتَها.. يغمض عينيهِ مستسلماً لوبلِ الذاكرة بإحساس الروح.. يستحم بانهمال الضياء مطهرا ذاته من أدران الحاضر والماضي بما يشبه الوضوء، فوضى أحاسيس قد تكون منظمة، وأحيانا عبثية تؤلم رأس حاملها..
تغرق درة في ذكرياتها حتى الأعماق.. تفتش فيها عن بقعة رمادية.. تهرع إليها.. تستظل تحت عريشها.. تبكي.. تنتحب.. هنا ظلَّ ذنبها رابضا فوق صدر ها.. لم يبرحه منذ انسكابه فوق أديم روحها دمعا أبحر فوق بساط عمرها سنوات طويلة.. إثم لم تكن تظنه ذنبا عندما قيدت حياتها به بقيد من حديد.. ضاربة بعرض الحائط كل ما يخالف قناعتها بهذا الأمر..
مرات كثيرة أبكت والدتها وأغضبت والدها برفضها الزواج بعد رحيل هاشم.. تطاول حزنها معرِّشا فوقها غيومَ خريفٍ لا أجنحة لرحيلها عن سماءِ نفسها..
لم تكن درة امرأة غبية.. كانت ذكية.. حكيمة لكنها كانت عاشقة.. مخلصة.. لم تدع لطارقِ نسيانٍ فرصة لقرع باب ذاكرتها.. أحيانا كانت تغفو عنها باهتمامات عائلية تنصب نهاية في بوتقة حبها الأبدي..
جناحاها في الحياة كانا عادل ووجيهة تطير بهما إليه كلما هاجمها الشوق له.. تزوجا.. ظلت رغم وحدتها تعيش حبّه بفلذتيهما.. وماذا بعد.. حفرة كما يقولون متر بمتر.. وماذا بعد الحفرة.. انتهت الحياة، وبات اللقاء مع الموجد وشيكا..
تبكي تسأله العفو والغفران.. ذنبها أنها حرمت نفسها الحياة برحيل هاشم.. وقد يأتي الحفيد فتراه أو لا يأتي.. أهذا ذنب يادرة؟!!
حارت بما هي فيه.. هكذا هي النفس تارة فوق قمة الوعي تكون، وتارة أخرى في وادٍ لا قرار له وفي لحظات متقاربة..
– حائرة أنت الآن.. تتوبين وأنت المرأة الطيبة الحكيمة الصادقة الناصحة؟ حتى الآن مازالت النفس تلهو بك كتلك الأمواج الهائجة التي توشك أن تبتلع كل شيء.. يظل الإنسان أيا درة ضعيفا مهما علت سطوته، واتقد ذكاؤه، وقويت عزيمته، وصدقت عاطفته ودام إخلاصه، فهو إنسان في النهاية خلق من ضعف وإليه يعود..
خافت.. ارتعشت.. سألت نفسها هل أصابها الخَرَفُ فاختلطت برأسها الأفكار، وامتزج الخوف بدمائها، فنبض به القلب هذيانا تحت المطر، ووطأة حال سراب، وتفجر الذاكرة؟
– درة أنت الآن في موقف كل شيء فيه يحسب لك أو عليك.. تماسكي يا امرأة.. سراب قربك تتألم.. لماذا تطلب العودة إلى البيت؟ هل فكرت بهذا؟
هبَّت واقفة.. انطلقت صوب عادل.. مازال يحدث الشبان.. أيقنت أنهم لن يوافقوا كما فعل الرجال إلا إذا كانوا متهورين.. أي قرار الآن سيكون صعبا قبولا كان أو رفضا..
– ما العمل يا درة أنت الآن أكبر الجميع سنا.. أين الحكمة؟ لا تقفي كالبلهاء.. قبل قليل كنت تطلبين التوبة عن ذنب لا يعده الناس ذنبا بل كفل اليتيم حض الدين عليه.. أما الآن فأنت فعلا أمام ذنب كبير جدا إن وافقت على ركوب البحر وهو ساخط.. أتقدمين أعمار هؤلاء الشبان ومعهم ابنك، وأنت، وسراب هدية رخيصة لغضب البحر؟ !!
تلحق لمى بأم عادل، بينما تقف أم سراب قربها في محاولة لإبعاد المطر عنها دون فائدة، فقد أغرقت المياه الجميع وكأنهم قد خرجوا للتو من بين الأمواج.
بقلم
زاهية بنت البحر
بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)77
0
كانت درة تسمع كل ما يدور حولها دون أن يرف لها جفن.. ظلت صامتة حتى عندما استأذنتها بعض النسوة بالذهاب إلى بيوتهن، فالأحوال الجوية العامة تجبرهن على مغادرة المكان، ونصحنها بالعودة بسراب إلى البيت قبل أن تصاب بالتهاب صدري من البرد، فالأمر لله من قبل ومن بعد..
لم تنبس ببنت شفة بينما علا صوت علية باستنكار ما سمعت من تخاذلهن، ورددت بصوت مسموع:
– كل الناس لاتهمهم سوى أنفسهم، ومصالحهم الشخصية .
أحيانا يكون الإنسان بحاجة لهزة عنيفة مفاجئة يصحو بها من حالة سلبته التفكير السليم كبيرا كان أو صغيرا، فيجد نفسه في هوة عميقة لا يستطيع الخروج منها.. يقبع فيها جاثيا دون حراك، وقد يستلطف ما هو فيه من هم وغم لتعوده عليه، فلا يفكر لحظة بالخروج منه إلى النور لأن بصيرته قد أصابها العمى فسكنت وذلت، بل قد يصبح همه منصبا في المحافظة على ما هو فيه.
سألت درة نفسها باستنكار:
– أيمكن أن أكون أنا هذا الإنسان؟
– كل إنسان يمكن أن يكون هو مادام إنسانا..
– آلآن يادرة بعد هذا العمر تتلقين الصفعة، وأنت على حافة قبرك؟
– الحدُّ وأدٌ للخطايا، فيهِ إصلاحٌ وحمدٌ.
اقتنعت تماما بما حدثتها به نفسها.. سبَّحت الله الذي انتشلها من بوتقة الظلمة.. اعترفت بأن قلبها كان مغيبا عن اليقين الحق حتى كاد يطبع عليه.. أين هي من اطمئنان الروح لخالقها؟ من الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره إيمانا يقره القلب وتعمل به الجوارح؟
يبدو أنها كانت من أهل الكلام فقط.. تتبجح بما يفتن النفس بمعسول المعاني، وما أكثر الكلام المدبج بالبيان الساحر، والكلمات المنمقة ابنة اللسان الذي يزخرف القول ويجمله بما لايخطر على بال.. هراء.. كله هراء بهراء تنتهي فعاليته بلفظ الروح .
نظرت إلى علية.. أطالت فيها النظر.. التقت بينهما المقل.. كادت تبتسم فأمسكت شفتيها عن الانفراج، ولجمت لسانها عن شكرها فهي التي وجهت لها الصفعة، فأيقظتها من سبات الروح في ظلمات فوقها ظلمات، فالوقت الآن غير مناسب للشكر والعرفان.
– أمن أجل هاشم كل مايجري؟ تنسين ربك بانتظار وارث اسم جده؟ تعرضين ابنك للخطر ونفسك وسراب، أم فاضل أعقل منك، وأكثر حبا لابنها من حبك لعادل.. أين العقل والإيمان؟ قد تموتين غرقا.. توبي إلى الله ولا تلقي بنفسك وبمن معك إلى التهلكة.. وماذا يعني إن أتى هاشم أو لم يأتِ؟
– ما دهاكِ يا امرأة أتزهدين في هاشم بهذه البساطة؟
– وأزهد في أبي هاشم وجده أيضا.
– لا أصدقك، أنت تخادعينكِ..
– بل أذهب بي إلى النور.. لست بمخلدة في الدنيا.. لم يبق لي الكثير.. لن ينفعني غيره..
– وهاشم؟
– ابن الحياة إن جاء دارها، وإلم يأتِ فسأراه هناك في دار الخلود، فهو ابن تسعة.
– وسراب يادرة؟
– لها رب لا يبخسها دقيقة من عمرها، ولا أقل من ذلك.
– البحر هائج يادرة..
– بأمر ربه يهوج.. وبأمره يهدأ..
نظرت في وجه سراب.. طبعت فوق جبينها قبلة.. أمسكت بيدها المرتجفة.. فتحت سراب عينيها.. انهمرت منهما الدموع.. وضعت رأسها فوق يد حماتها.. قبلتها.. قالت لها درة:
– اطمئني يا ابنتي إن الله معك.. ولن يكون إلا ما يريد أن يكون.
– هزت سراب رأسها بالموافقة وهمسة بصوت خافت:
– أريد العودة إلى البيت، أكاد أموت.
أحست درة بعطش روحها للنور المعشق بالفرح على ضفاف الخير.. المعطر بالطهور من الشذا.. أحست برغبة عارمة في السجود والرعد يقصف في السماء، والسحاب ينهمل مطرا فوق رأسها المثقلة بالهموم..
سبحان الخالق موجد الأجسام والأرواح.. لن تشغل بعد اليوم تفكيرها بالغد، فهو في علم الله.. يكفيها ما تشهده برضا الله.. وغدا يأتي معه قضاؤه وقدره، شأن كل يوم في شان. ولا مبدل لما يريد الله.
تغيرت نظرة درة في الحياة بين لحظة وأخرى، ربما غيرها الخوف.. ربما شعورها بقرب الأجل.. ربما ما قالته علية لعادل، وربما غير ذلك، فقد واجهت خلال الأيام القليلة الماضية أمورا كثيرة لم تترك لها فرصة للهروب من ضبط النفس والعودة إلى ما يليق بها من رقي قبل أن لا تجد الطريق معبدة لعودة قد تكون قسرا فلا تلقى فيها نفعا ولا جمالا..
بقلم
زاهية بنت البحر
لأني أحب الزهور والورود أضع هذه السجادة العطرة في مدونتي
5
|
|||
|
|
تشطير زاهية لقصيدة\ رسالتي إليك\ للأستاذ خشان خشان
4ماذا سأكتب عن وجدي وآلامي=(والحشرجاتُ برت بالحزنِ أيامي
والروحُ تنحَتُّ من جسمي فترهقني)=وأنت أدرى بأشواقي وأحلامي
دربي إليك على شوكٍ سأسلكه=(يدمي فؤادي كما أدمى بأقدامي
هذا كتابُ الهوى بالنزفِ أكتبُهُ)=خطته شعرا بما ألقاه أقلامي
إذا أقتربت أراني عنك مبتعدا=(والبعدُ حكمٌ به تصديقُ إعدامي
كيفَ الفراقُ وصدقُ الحبِّ يجمعُنا)=وذاك أنك تنأى مثل أوهامي
أنا بقلبك كالنبضات أسكنه=(فانعمْ بساكنِهِ واطرَبْ بأنغامي
قلبي عصيُّ على التغريبِ في وطنٍ)=رفعت فيه كما قد شئت أعلامي
خوافقا لم تزل هيهات ينزلها =(كيدُ العذولِ بما قد شاءَ إيهامي
هذي صروحُ الهوى لاكان يهدمُها)=بعدٌ ولو طال عن أفْقٍ لها سامِ
عيناك تشهد أني فيك مختلطٌ =(مثل الحياةِ بأرواحٍ وأجسامِ
أدري بحبِّكَ لاتُخفى حقيقتُهُ)=فلحظ عينيك في ذا خير نمّام
من حلّت الروح ما شيءٌ سيبعدها=(مادام فيها الهوى ترياقَ أسقامِ
مادام فيها ضياءُ النورِ يحرسُها)=هيهاتَ تسلخُ عن جِلْدٍ بصمصام
شرّق وغرّبْ ستأتيني على شغف=(مهما البعادُ افترى هجرا بإجرامِ
فالشمسُ تشرقُ مهما الغيبُ يحجبُها)=يا مبعث الشعر في قلبي وإلهامي
ألفي ذراعيك أنّى دُرْتُ تحضنني=(حضنَ المحبِّ على أفنانِ أعوامي
تحيا بقربي وبالتحنانِ تغمرُني=)“فوقي وتحتي ومن خلفي وقدّامي“

مادون القوس للأستاذ خشان خشان
مابين القوسين للشاعرة زاهية بنت البحر
http://www.arood.com/vb/showthread.php?p=43676#post43676
بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)76
0لم تعد لمى قادرة على مقاومة دفع الر يح لها وهي تسند درة بيد واحدة.. ناولتها البقجة ووقفت خلفها تسندها بكلتا يديها خوفا عليها من الوقوع فوق الأرض.. أفكار شتى جالت في رأسها وهي في موقف لم تحسب له يوما حسابا..
سألت نفسها عما خرج بها الليلة من البيت مع خالتها، لم تجد ضرورة لذلك، وتمنت لو أنها رافقتها إلى البيت عندما ذهبت بها شيماء الرابح، فهذه أول مرة تحضر بها حالة ولادة، ولسوء حظها تعسرت جدا، فدعت الله ألا يكون ذلك بسبب وجودها، فهي جاءت مع خالتها لعدم قدرتها على المشي وحدها في الليل، ولكن الأمور تجري بترتيب من الله، فهل كان وقوفها خلف درة في هذه اللحظات سببا لمجيئها؟
هي تعرف أن كل شيء يتم في هذا الكون بترتيب مسبق من الخالق عزَّ وجلَّ..
أحست برعشة تسري في جسدها غير رعشة البرودة الحاصلة من تأثير الريح وتساقط الأمطار، وتمنت أن يعود عادل بأسرع وقت ليريحها مما هي فيه، فقد بدأت تعطس وتسعل وهذه أعراض غير مبشرة بالخير بالنسبة لصحتها، ومما زاد في ضيقها ما كانت تسمعه من كلام تتفوه به عليَّة بغضب، وأيضا تلك الرعشة التي حلت بجسد العجوز أم عادل، وصمتها المفاجئ، فخافت عليها من أذى قد يلحق بها بتأثير شدة البرد والقلق.
مازال عادل يتكلم مع الرجال.. لم تسمع النسوة ما يدور بينهم.. كان أحدهم يتكلم بانفعال تبين لهن من حركات يدي الرجل ومن حوله يوافقونه بهز رؤوسهم بالإيجاب، بينما كان عادل يبدو في أشد حالاته انفعالا وضيقا..
لم تستطع عليَّة الصبر فانطلقت نحو الرجال وهي تبكي قائلة:
– هل تنتظرون موت سراب.. أسرعوا بنقلها إلى الزورق.. إنها تموت.. أنقذوها يا أهل النخوة والمروءة.
أجابها أحدهم مهدئا:
– وحدي الله يا أختي.. حرام أن يخاطر أحد بركوب البحر في هذا الطقس..
– لكن ابنتي..
– من سيخرج بها سيموت.. لا يجوز المخاطرة بأرواح الناس..
– أنا سأطلع معها…
– هذا انتحار يا أختي.. حتى المجانين لا يفعلونه..
– لا نطلب منكم الانتحار.. شكرا لكم.. فقط ساعدونا بنقل سراب إلى الزورق.. لن نستطيع القيام بذلك دون مساعدتكم لنا.
قال رجل آخر معتذرا:
– لن نساعد بارتكاب جريمة.. سيكون ضحيتها كل من يطلع بالزورق.
– إن لم تفعلوا فأنتم مجرمون.. قتلتم سراب.
قال رجل آخر:
– استغفري ربك يا أختي.. نحن حريصون على حياتكم وحياة ابنتك، ولكن الوضع صعب كما ترين، ولا يسمح بالتضحية بكم جميعا من أجل ابنتك، ولن يسمح لكم المخفربذلك، فهذا يخالف القانون.
علية تبكي، وهي في طريق عودتها إلى النسوة تقول:
– لا سامحكم الله.. لا سامحكم الله..
يلحق بها عادل وقد بدا عليه الإرهاق والحزن، تلتفت إليه حماته مؤنبة على مسمع من الجميع:
– أنت السبب فيما يحدث لابنتي، كان عليك أن تطلع بها إلى البّر ِّقبل العاصفة.. إن حدث لها مكروه فأنت المسئول عنه..
كانت كلماتها تنزل في قلبه حارقة، لكنه آثر الصمت احتراما لنفسه ولسراب.. لفت انتباهه مرور عدة شبان ربما كانوا من أصحاب الفلايك جاءوا للاطمئنان عليها، فهي كل ما يمتلكون من رأسمال.. أسرع إليهم يسألهم مساعدته في نقل سراب إلى الزورق مما جعل علية تلوذ بالصمت، ويداها مرفوعتان نحو السماء، بينما كانت أم عادل ما تزال مطرقة الرأس بصمت عجيب.
بقلم
زاهية بنت البحر
بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)75
0بحر هائج يتشهى الفتك بمن تطاله أمواجه الهادرة من أرواح وجماد، وعجوز ثائرة يخشى عليها من فتق السّرّة وارتفاع السكر، وضغط الدم، ومن ذبحة صدرية مفاجئة تتجسد بضربة قاضية تنهي حياتها على شاطئ البحر، وشابة في خضم مخاض عسير تتلوى وجعا بين الحياة والموت.
نهب الخوف تماسكه المزمع صموده والليلُ يلفظ أنفاسه الأخيرة، فارا به نحو المجهول على جنح نعيق أم فاضل الذي علا شاقا أستار العتم بهدير ازعاج مقلق، ناشبا في قلبه مخالب خطب مفزع قد يحل بغزالته الوديعة.. المستسلمة للقدر.. الراقدة تحت المطر تعبث بها الريح بفوضى عصفٍ طائش بغيض.
– لماذا يا أم فاضل أتيتِ الآن؟ حرام عليك يا امرأة.. سراب تموت وهاشم يختنق، ألا تحبين رؤيته وهو يسبح في بحر الجزيرة، وأمه تناديه خوفا عليه من الغرق؟
تقدم منها.. ليقول لها ما دار في خلده.. استجمع شجاعته كلها في لحظة واحدة والمطر ينصب فوق رؤوسهم بلا حدود.. قرر أن يلبس كلامه في عزِّ البرد ثوبا حريرا غاليا بألوان زاهية تحبها النسوة حتى العجائز منهن.. لن يخسر شيئا.. سعر الكلام معنوي مهما كان بليغا.. مؤثرا، وفي مثل هذه الحال يرخص كل شيء أمام الحاجة الملحة إلا الكرامة..
رأته قادما صوبها وابنها في زورقه يطلب منها العودة إلى البيت.. استدارت نحوه. وقفا وجها لوجه.. ثبتت عينيها في وجهه- كنمرة تستعد للهجوم على فريستها الواجفة.. المرتعدة خوفا من مصير محتوم- والشرر يتطاير منهما كتلك الصاعقة التي ضربت بالأمس قاربا صغيرا على الشط فأحرقته، وأصابت من كان قربه بحروق بليغة.
للوهلة الأولى ظنها صاعقة محرقة.. بل أفعى برأسين.. بل جنية خرجت من الظلام لتقتل سراب وهاشم. سمع عن جنيات يقال لهن التابعات يقتلن الأجنة قبل اكتمال نموهن في الأرحام.. أتراها تكون إحداهن بثوب أم فاضل؟
نفذ وقود شجاعته التي جمعها قبل قليل.. خاف منها.. من نفسه أن تقترف خطأ بكلمة جارحة يرد بها على هجومها الكريه.. فالشَّرُّ تعرف بالمقدمات نتائجه، وهي مسلحة بسلاح أمومي للمحافظة على حياة ابنها دون الحاجة لكتائب وفيالق، فحبها له أقوى من كل الجيوش وسلاحه أمضى من أيِّ سلاح.
الوقت يمر والغزالة تئن، والريح تعوي وأم فاضل تكيل لعادل الشتائم دون تورع، يغادر ابنها زورقه على استحياء مما سببته له من إحراج أمام الرجل المسكين الملوع على أهله.. يمضي بأمه إلى البيت، وعينا عادل تتفجر دمعا وغضبا.
لم يعد أمامه خيار آخر.. قرر العمل بسرعة قبل أن يفقد حبيبته وابنه.. أسرع إلى سراب.. طلب من النسوة مساعدته للوصول بها إلى زورق فاضل.. اجتمعن حولها.. حملنها بعزم اللهفة لإنقاذها، وعادل يقود الموكب إلى الزورق.. لم يعد يخشى شيئًا فالوقت يضيق، والموت يقترب منها إن لم يكن قادرا على مد شراع شجاعته.. يتحدى بها الريح، والمطر، وجنون البحر، ونعيق أم فاضل..
بقلم
زاهية بنت البحر
بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)74
0بحر هائج يتشهى الفتك بمن تطاله أمواجه الهادرة من أرواح وجماد، وعجوز ثائرة يخشى عليها من فتق السّرّة وارتفاع السكر، وضغط الدم، ومن ذبحة صدرية مفاجئة تتجسد بضربة قاضية تنهي حياتها على شاطئ البحر، وشابة في خضم مخاض عسير تتلوى وجعا بين الحياة والموت.
نهب الخوف تماسكه المزمع صموده والليلُ يلفظ أنفاسه الأخيرة، فارا به نحو المجهول على جنح نعيق أم فاضل الذي علا شاقا أستار العتم بهدير ازعاج مقلق، ناشبا في قلبه مخالب خطب مفزع قد يحل بغزالته الوديعة.. المستسلمة للقدر.. الراقدة تحت المطر تعبث بها الريح بفوضى عصفٍ طائش بغيض.
– لماذا يا أم فاضل أتيتِ الآن؟ حرام عليك يا امرأة.. سراب تموت وهاشم يختنق، ألا تحبين رؤيته وهو يسبح في بحر الجزيرة، وأمه تناديه خوفا عليه من الغرق؟
تقدم منها.. ليقول لها ما دار في خلده.. استجمع شجاعته كلها في لحظة واحدة والمطر ينصب فوق رؤوسهم بلا حدود.. قرر أن يلبس كلامه في عزِّ البرد ثوبا حريرا غاليا بألوان زاهية تحبها النسوة حتى العجائز منهن.. لن يخسر شيئا.. سعر الكلام معنوي مهما كان بليغا.. مؤثرا، وفي مثل هذه الحال يرخص كل شيء أمام الحاجة الملحة إلا الكرامة..
رأته قادما صوبها وابنها في زورقه يطلب منها العودة إلى البيت.. استدارت نحوه. وقفا وجها لوجه.. ثبتت عينيها في وجهه- كنمرة تستعد للهجوم على فريستها الواجفة.. المرتعدة خوفا من مصير محتوم- والشرر يتطاير منهما كتلك الصاعقة التي ضربت بالأمس قاربا صغيرا على الشط فأحرقته، وأصابت من كان قربه بحروق بليغة.
للوهلة الأولى ظنها صاعقة محرقة.. بل أفعى برأسين.. بل جنية خرجت من الظلام لتقتل سراب وهاشم. سمع عن جنيات يقال لهن التابعات يقتلن الأجنة قبل اكتمال نموهن في الأرحام.. أتراها تكون إحداهن بثوب أم فاضل؟
نفذ وقود شجاعته التي جمعها قبل قليل.. خاف منها.. من نفسه أن تقترف خطأ بكلمة جارحة يرد بها على هجومها الكريه.. فالشَّرُّ تعرف بالمقدمات نتائجه، وهي مسلحة بسلاح أمومي للمحافظة على حياة ابنها دون الحاجة لكتائب وفيالق، فحبها له أقوى من كل الجيوش وسلاحه أمضى من أيِّ سلاح.
الوقت يمر والغزالة تئن، والريح تعوي وأم فاضل تكيل لعادل الشتائم دون تورع، يغادر ابنها زورقه على استحياء مما سببته له من إحراج أمام الرجل المسكين الملوع على أهله.. يمضي بأمه إلى البيت، وعينا عادل تتفجر دمعا وغضبا.
لم يعد أمامه خيار آخر.. قرر العمل بسرعة قبل أن يفقد حبيبته وابنه.. أسرع إلى سراب.. طلب من النسوة مساعدته للوصول بها إلى زورق فاضل.. اجتمعن حولها.. حملنها بعزم اللهفة لإنقاذها، وعادل يقود الموكب إلى الزورق.. لم يعد يخشى شيئًا فالوقت يضيق، والموت يقترب منها إن لم يكن قادرا على مد شراع شجاعته.. يتحدى بها الريح، والمطر، وجنون البحر، ونعيق أم فاضل..
بقلم
زاهية بنت البحر















