Category Archives: قصة

بوران

2

  عندما رأيتها لأول مرة أدهشني جمال وجهها وابتسامتها العذبة، فصرت كل يوم أقف على الشرفة المقابلة لشرفتهم في المدينة التي انتقلنا إليها قبل أيام من جزيرتنا المتكئة منذ ولادتها على ظهر الأمواج في حضن البحر، متحدية جنونه الذي لايرحم ، سعيدة بابتساماته الساحرة في أوقات هدوئه الجميل، ولم نكن بعد قد تعرفنا على أهل الحارة الجديدة. كانت عندما تراني تبتسم لي ملوحة بيدها بالتحية، فأستحيي منها وأدخل الغرفة وفي نفسي مايؤنبني لعدم محادثتها ولو برد التحية.

 الشرفتان قريبتان ويمكن لنا أن نتحدث بهدوء دون رفع صوتينا، ولكن الحياء كان يمنعني من ذلك. كم تمنيت أن أعرف اسم هذا القمر الساحر بل البدر المنير بأجمل صورة وضياء. حدثت أمي عنها، فوعدتني بمصاحبتها لزيارتهم يوما ما بعد أن تاتي والدتها وترحب بنا كقادمين للعيش في حارتهم. مرت الأيام وأنا أنتظر بفارغ الصبر تلك الزيارة التي ستفتح لي باب التعرف عليها.
ذات يوم وأنا أداعب أخي الصغير خالد بينما كانت أمي تحضر طعام الغداء، سمعتُ نقرات على باب البيت، لم أعطِ الأمر اهتماما لاتكالي على أمي بفتح الباب. عادت النقرات مرة أخرى ولكن بصوت أقوى من الأول، تركت أخي واتجهت صوب الباب، فسمعت أمي تقول: سأفتح أنا الباب. وقفت في مكاني بانتظار أمي التي وصلت وهي تنشِّف يديها بمنديل أبيض وضعته فوق كتفها الأيسر. اقتربت من الباب وهي تنظر إلي، وابتسامتها تزهو فوق ثغرها فتضيء وجهها بالسعادة.. سألتْ قبل فتح الباب: من الطارق؟
لم تسمع جوابا، بينما يزداد صوت النقرات على الباب قوة وتكرارا. أعادت أمي السؤال فلم تتلقَ جوابا. أمسكتْ بمقبض الباب وفتحتْه قليلا، نظرت من خلاله لمعرفة القادم إلينا. كانت عيناي تراقب وجه أمي باهتمام، رأيتها تبتسم وتفتح الباب مرحبة بالقادمة التي فوجئتُ بها. اقتربتُ من أمي وابتسامة عريضة تملأ وجهي بشرا وفرحا، كانت هي تلك التي شدَّتني إليها منذ اليوم الأول لقدومنا إلى تلك المدينة، دارت بي الدار، أحسست بأنني أطير بجناحي فرحة نبتا فجأة فوق كتفي عندما رأيتها أمامي، نظرت إلي وابتسمت، دعتها أمي للدخول، فهزت برأسها اعتذارًا، كررت أمي دعوتها لها لدخول المنزل، وعندما أجابت هذه المرة بإشارة من يدها بالنفي، وبعض حروف تكسرت فوق شفتيها لتجرح قلبي وإحساسي، وهي تخبرني بأن هذا البدر لايستطيع الكلام، فهي خرساء بكماء. أحسست بالدوار..

جلست فوق الأرض متهالكة، مغمضة عيني ورأسي تدور من هول المفاجأة. ربما كانت لحظات تلك التي مرت بي وأنا بين اليقظة والدوار أحسستها سنوات طويلة أنقذني منها صوت الفتاة المبهم وهي تمسك بي برفق، وترفعني عن الأرض بمساعدة أمي التي أذهلتها المفاجأة.
بوران، اسم الجميلة لابنة الرابعة عشرة ربيعا، أصبحت صديقتي المحببة لنفسي، رغم أن أختها الأصغر كانت في مثل سني في الثانية عشرة، لكن بوران كانت الأذكى والأجمل والأكثربساطة، وانطلاقا. تعلمت منها أشياء كثيرة مازلت أحتفظ بها في ذاكرتي، كانت تحب الحياة ولاتشعر بالنقص أبدا، وعندما بلغت الثامنة عشرة من العمر أصبحت أشهر خياطة في المدينة، ساعدت والديها بتربية إخوتها وأخواتها، وكانت محط اهتمام صبايا المدينة، لما تتمتع به من ذوق وأدب ومكارم أخلاق. تقدم لخطبتها الكثير من الشبان، لكنها رفضت الجميع لإحساسها بالمسؤولية تجاه أسرتها.


بقلم

 زاهية بنت البحر


لاتحزن…(2)

3

في ليلِ لحظة منسيةٍ من عمر وقتي كنت أسير وحدي في غربة نفسي عن نفسي، والأرض تميد بي وأنا أتَّكئ على عكاز أملٍ هارب لم أستطع القبض عليه رغم طويل عناء في محاولةٍ للحاق به، واستنشاق ِأثير الحرية من كبت لاأدري مصدره، ولا متى أو كيف سكن غرفاتِ نفسي فسرى بها في دهاليز تفوح فيها رائحة كآبة مزعجة، بينما كان قلبي يتخبط بظلامِ ليلٍ موحش الخطو يقبع في رأس أحلامٍ مشوشةِ الرؤية فيُغِم عليها عيونَ الطريق.
كل ماحولي يكتسي القتامَ بانزواء فكري في ركن مهجورتملؤه طحالب الصمت وملح الرطوبة. ضجَّت رأسي بصراخ خوفي في غياهب جبِّ المجهول، فأيقظ فيَّ إحساسي المتهالك فوق حرِّ الرمل في هجير التشرد.
أمي، أبي، إخوتي ، أخواتي، أصدقائي، هلموا إلي، اغتالوا وحدتي بسيف اللقاء والْتمام الشمل، وحيدٌ أنا تنهش قلبي وحوش الفراغ بنهم مريع، أنادي وأنادي، أمي لاترد عليَّ، حبسها عني العذر بانشغالها بالبيت، ووالدي بالعمل، والبقية كل بهمٍّ يفتك به شأنَ الوحدة معي.
أجدني مقيدًا بضعفي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنفر من نفسي، أمقتها لبعض وقت، تحتد احتجاجا وتجمح بالثورة ضدي، تؤلِّبُني على كلِّ مَن حولي وحتى عليها، أكرهُني، أحاول اغتيالي للخلاص من كوابيس تصطاد أمني بلا رحمة، وتقطف زهور حدائق قلبي الزاهية بعنف عدو ظالم.. تدوسها بأحذية قذرة غريبة لا أعرف عن محتذيها شيئا، أبكي، أتألم، ماأصعب أن يجد الإنسان نفسه وحيدا رغم كلِّ من يحيطون به، أجدهم أمواتا بالنسبة لي ، لايحسون بي ولا يرِتقون جراحي النفسية النازفة قهرًا وكرها.
وحدَها هي أيضا كانت تجلس في غرفتها، لا أنيس لها من أهل البيت، تأكل مايقدم لها من طعام، وتردُّ على من يسألها شيئًا بإيماءة من رأسها، تتوضَّأ وتصلي ثم تعود إلى سريرها صامتةً إلا من همسات خفيةٍ تصاحبها في بعض الأوقات آه غريبة لاتشبه أهاتِ التألم التي تخرج حارقة من أفواه الموجوعين.
ترى ألا تحسُّ مثلي بالغربة والوحدة والافتقار لأنيسٍ يبدد وحشة عمرها الذي شارف على النهاية؟!
بهدوء وحذر اقتربت من غرفتها في الجهة الجنوبية من بيتنا الكبير اختارتها لتكون بعيدة عن الضجيج، قريبةً من شرفة الحديقة التي كانت تخرج إليها قبل صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب.
فتحتُ الباب.. مددت رأسي الصغيرة أنظر إليها بفضولٍ هذه المرة، رأيتها تستقبلُني بابتسامة عذبه ملأت وجهها سعادةً اخترق بعضُها جدارَ رهبتي فانتشت نفسي بشيء من سرور جعلها تدعوني للاقتراب منها بإشارة من يدها.
قبلت هذه اليد التي وقَّعتْ السنون فوق جلدها بصمة التقدم في السن، فاحتضنتني بحنان كنت بحاجة ماسة له بينما راحت أصابعها تمسح برقة فوق رأسي الصغيرة.
أحسست براحة تتسرب من خلالها إلى قلبي الباكي من قسوة الأيام ، وددت لو أظل في حضنها مدى العمر، هاجمتني نفسي المحاربة بشراسة تطلب تفسيرا عما حدث لي.
ابتعدت عنها، وقفت أمامها مستجمعا مابقي لي من قوة والقلق يموج في داخلي ويهوج، فتصنعت الهدوء
وسألتها بصوت خفيض: جدتي ألا تشعرين بالوحدة؟
نظرتُ في وجهها أنتظر منها جواب امرأة عجوز، سلبتها الأيام الكثير الكثير من قدراتها الجسدية ، وأبعدت عنها أحبتها موتا أو هجرة، حدَّقتُ في عينيها بفضولِ طفولةٍ شقية ونفسٍ أمارة، للحظات كنت أتمنى أن أرى دموع الألم تنهمر منهما فأعزِّي ثائرَتي بألمها وحزنها على ماضاع منها، وعلى ماهي فيه اليوم.
خيَّبتْ جدتي ظني، فرأيت بين جفونها بريقا غريبا يلمع بضياء مدهش وهي تشير لي بيدها إلى السماء ثم تضعها فوق صدرها، وابتسامة رضا تشرق فوق ثغرها المرتجف، لتزهر في قلبي فرحا يخلصني من أوهام الوحدة بإشارة من يدها المرتجفة تعيد إلي قوتي وثبات يقيني، وهي تخبرني بعجز لسانها عن النطق : إنَّ اللهَ معنا.

((لاتحزن إنَّ الله معنا))

“سبحان الله ربِّ العرش العظيم”

بقلم
زاهية بنت البحر

شباكُ الخطيئة

4

كنتُ أنظر إليهما باضطراب تصطك به أسناني خوفًا وحيرة مما أسمعُ وأرى.. أرتعش يمامة ً أغرقها مطرُ الفجأة بالرَّهبة، فلا أجد جناحًا يدفئني زغبُ حنانه بطمأنينةٍ، وهما يكيلان لبعضهما الشتائم، وأحيانًا السباب المخجل -الذي تردده على مسمعي ذاكرةٌ فجَّةُ الطباع، لاتحب أن تراني نسيتُ منها لحظةَ عذاب- وأنا عاجزة بسنواتي الست الليِّنة عن وقف هذه المشاحنات الصَّاخبة التي انتهت بطلاقهما، وتولتْ جدتي وجدي لأمي مسؤولية رعايتي بعد زواج والديَّ كلٌ غير الآخر..
إحساسي بالخوف مازال يرافقني حتى اليوم، وقد امتشقتُ قامةَ وفكرَ ودراسةَ ابنة الثامنة عشرة عاما.. خوفي هذه المرة لم يكن ضعيفًا قزمًا بحجم جسدي الضئيل الطري عندما كنت طفلة، بل تكاثر و تمطَّى بوحشية فوق سنواتِ عمري الراحلة في غياهب الماضي المفعم بالسواد، فالحاضرِ المتألم بالغربة عن كنف أسرة دافئة المحبة بتفاهم أفرادها، وربما سيمتد تمطِّيه المفزع إلى مستقبل أيامي إن هما بقيا بهذا الجفاء معاملة ًلي، وابتعادًا عن محرك فكري الذي يكاد يتوقف بسرعة خطو اليأس الزاحف بقسوة نحو نفسي، المتهالكة فوق بساطٍ تالفٍ من الصبر الهش، المحاصَرِ بجيوش الفشل من الجهات الأربع، وأشد ما كان يقلقني هو خوفي من حصار الأعلى والأسفل، فأقع فريسة سهلة جدًا في شباك الخطيئة التي تنصبها تراكمات القلق والخوف، والحاجة لما هو حق لي كأي أنثى ترعاها عناية أبوين يخافان الله فيها، فينبتانها مشبعة العاطفة والحنان والدفء العائلي دون التمزق الذي لايورث غير البلاء..
 رجوتُ أبي بضعفي وفقري إليه أن ينصف قلبًا تتساقط عنه أوراق الصفاء بسنين عجاف إلا من التحرق.. قرعتُ بابه بدموع حاجتي لسكينة ينعم بها وأولادُه ومرفأ أمن ترسوفيه سفينة أيامي التي تضربها بغضب أمواج مختلفة العواصف، فلم يصغِ أذنًا لنداء حرماني، وارتعاشة ضعفي..
كنتُ أسمع من المقربين إليه بأنه يسعدهم وزوجتـَه، فأحزن لصقيع حجرة روحي، ونواح شقائي في بيت تعيس.. أترجاه بمنحي بعض نارِ دفء تقتل هجمات البرد المتوحشة، فيغلق بوجهي أبواب رحمته ونوافذها، والرِّيح تعصف في صحراء حياتي.. تعوي بذئاب بشرية، وكثبان الضلال تنشط برشقي بمغريات قد تعمي عيوني التي استهواهاْ العشى، وتشلُّ قدرتي على التصدي لما ألاقي وحيدة ضعيفة.. شقية.. منفية عن عالم يؤنس وحشتي.. يشدُّ قوتي.. يسند ضعفي بضوء يزيح عتمات الطريق، فأمشى على هدى في دروب الحياة الموحشة بلادليل حاذق.. تفلح صدري الأهاتُ بفأس المرار، فيشتد النزف داخلي طوفانًا يغرقني حتى الأعماق، فألجأ بعد جهدِ فكرٍ، ومريرِ مقاومة إلى نظارة بصيرتي أرد بها قِذى العاصفة، والدنيا تدور برأسي حيثما اتجهت، والدمعاتُ بي تمور….

وذات لحظة أحسست بانسحاب بساط الصبر المهترئ من تحت قدميَّ، وأنا أفرغ في أذنيهِ أنَّاتِ حرماني بمحادثة معه عبر الماسنجر.. شعرتُ به متأثرًا حدَّ البكاءِ بما أعانيه من عذاب ولوعة وحرمان.. كانت كلماته تحمل دفقًا عاطفيًا مواسيًا لقلبي اليتيم اللطيم، تكفي لسرقتي من واقعي المؤلم بل من كلِّ ماعداه بعظيم الحاجة إليه، وتزجِّ بي بما لاأعلم له قرارا.. رَكنَ هذا القلب إليه يشحذ منه قبضة دفءٍ تمنيتها في زمهريرٍ دائمِ الفصول، شقـَّق جلدَ قلبي، وعصر رحيق ورد خديه في بوتقة الصَّمتِ البغيضِ، القابع في أعماق حاجتي لابتسامة وجه حنون..
تكررت المحادثات، وكدت أنزلق فوقِ أرضِ تلوُّثٍ دون بقايا بساطِ الصَّبر.. ثبَّتُّ قدميَّ وأنا أستجمع ما تناثر من قوَّتي في محاولة لزرعهما في الجوف الصخري لداخلي باختراق سماكة قشرة العجزالمخيفة، وأنا أنهي محادثتي معه وعلاقتي به عندما طلب مني اللقاء بإصرارٍ غريب ليمسحَ الدمعَ الحارقَ عن عيوني بعيدًا عن مراقبة زوجته وأولاده، وعيونِ الفضوليين.

بقلم

زاهية بنت البحر

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

حبُّ الأم

3

حب الأم لأولادها لايعادله حب لبشر

أدعو الله أن يحفظ لكل أم أولادها

أشرف

 

عبادة

أسموءة

بتول

فوفو

الورد للورد

عبد الرزاق

مارية

أروى

سمية

أيمن

الورد للورد

بدرو وبرو

تبارك الرحمن، ماشاء الله

ربوة


المنديلُ الأبيض

0

عيون تبكي.. صدور تشهق بالحزن وتغلي بالكره والثورة، أفواه تلهج بالدعاء وبعضها بالسباب والجميع رجالا ونساء.. شيوخًا وأطفالا أخرجوا من بيوتهم، يحملون مايقدرون عليه من أمتعة تاركين ممتلكاتهم التي أفنى البعض منهم عمره ريثما تسنى له الحصول عليها.. أغلق الغزاة الأبواب خلف ملاكها، ودخلوها مستوطنين..

وقف الأهالي في الشارع ينتظرون الحافلات التي ستنقلهم خارج الحدود، وعيونهم تسجل الصور الحية الأخيرة لمدينتهم.. (عكا) كم أنت جميلة وحبيبة إلى القلوب.. ماأصعب لحظة الوداع.. تبًا لهم، هاهم يطردوننا من ديارنا، والدمع يسقي الوجوه نارا.

 وصلت الحافلات.. أسرع الجميع للصعود إليها رغمًا عنهم.. كانت تنتظر دورها لصعود الحافلة.. لم يبقَ غيرها.. امتدت الأيدي لمساعدتها.. لم تستطع ولوج الباب لضخامة جسدها… الباب لايتسع لها.. حاولت الدخول بكتفها اليساري أولا ثم اليميني.. فشلت أيضًا.. أسرع شبان العائلة لحشرها في الباب.. كاد جنبا الباب يأكلان من جسدها.. لم تفلح المحاولة، والجنود الغزاة يرون ذلك ويضحكون..

ذهبت أول حافلة.. الثانية.. الثالثة.. الرابعة.. وعندما بدأت الأخيرة بالابتعاد، كانت ابنة (عكا) تقف وحيدة، والدموع تتساقط من عينيها، وهي تودع أهلها كلهم بعد أن طردهم الغزاة من مدينتهم، فأخرجت من صدرها منديلا أبيض، وراحت تلوح به للراحلين .

بقلم

زاهية بنت البحر

Click to enlargeClick to enlarge
Click to enlarge 
Click to enlarge 

 

 

إلى أين؟

2
هو: تزداد حيرتي لحظة بعد لحظة ويكبر قلقي يومًا بعد يوم ..من أنا ؟ولماذا وجدت دون أب أو أم ؟.كل إنسان له أب وأم ،ولد من صلب أبيه وتكوَّن في رحم أمه إلا أنا لاأب لي ولاأم ،جئت كما أخبروني من قطعة عظم لايعرف صاحبها وجدت في أحد القبور الغارقة بالقدم تاريخيًا..ترى من يكون صاحب هذا العظم المهترئ فيكون أبي وأمي وأنا في نفس الوقت ..هل هو ملك ام مملوك ؟كريم أم حقير ؟ فقيرأم غني ؟ لست أدري ..تمنيت لوأنهم سمحوا لي برؤية العظم الأنا ،فقد أحس نحوه بشيء من حب أو كره ..حنان أو نفور.. أولاد القسوة ألقوا بي في غياهب الفِكَر المشتعلة بالأسئلة التي ليس لها جواب..ماهذا العالم الغريب الذي أراه ؟ في داخلي كره له يزاحمه عالم أجمل يغزوني بكل هدوء.. يجعلني أهرع إلى الحديقة أستظل تحت الشجر، وأتنسم هواء نظيفًا..عندما أنفرد بذاتي أشعر بالقرب مني، وثمة إحساس يؤنسني بأنني لست وحيدًا فنفسي تريد أن تصحبني للراحة بخلاف ماهم يفعلون.. هم يحاولون حشو رأسي بأشياء لاأستسيغها ولاأحب القيام بها .أنا أكره الذبح ، وأكل لحم الإنسان نيئًا،وشرب دمه ،وهم يريدونني أن أعبه من شرايين الأطفال ساخنًا.. أولاد القسوة ألا يعلمون بأنني طفل بمشاعري وأحاسيسي، مسالم وهم يجهدون لجعلي شريرًا، قذرًا ومجرما، أحس بأن هذه الطفولة تتضخم شيئًا فشيئًا بما يحشونها من أفكار شريرة، أخشى أن تغرقهم ببحرٍ من دمائهم اللزجة..
 
هي: مابال هذا الإنسان يجلس كل يوم تحت هذه الشجرة وحيدًا ينظر إلى السماء متفكرًا؟!1
 ليتني أستطيع اختراق فكره لأعرف مايشغله.. أحس بميلٍ شديدٍ إليه فقد ألفت وجوده هنا، وأتمنى أن أكلمه، ولكن أولاد القسوة لايسمحون لي بذلك.. تبًا لهم أوجدوني في هذه الحياة من قطعة عظم غارقة بالقدم لاأدري من صاحبها.. كل الناس لهم أب وأم إلا أنا، فأبي وأمي هو شيء من عظم.. مازالت الرحمة تسكن قلبي رغم محاولتهم سلخها عني.. كل يوم يحضرون لي كأسًا من الدم وقطعة من لحم طفل صغير يطلبون مني أن أتلذذ بأكلها، وكرع الدم بشهية.. رغم محاولاتي الامتناع عن ذلك بالرفض، فإنني أبوء دائما بالفشل.. ليت هذا الرجل الجالس تحت الشجرة يساعدني بالهروب من هنا والعيش بعيدًا عن مبنى الإجرام بحق الإنسانية.. أجل هذا مبنى إجرام بحق الإنسانية، وأولها بحقي أنا، فقد أوجدوني دون أب أو أم، فكنت أنا الأم والأب والابنة.. أكاد أجن مما أنا فيه.. أيها الرجل انظر إلي ولو مرة أرجوك أرجوك..
 
 هو: أكاد أطق قهرًا.. الوحدة تخنقني.. السماء اليوم صافية، والشمس ساطعة لاتحجبها الغيوم.. لأصوات الطيور جمال أحبه.. يأخذني إلى ذاتي.. أعانق فيها ماضيًا غائبًا لست أدري عنه شيئًا.. مالهذه الفتاة تنظر إلي برجاء.. من تكون أراها كل يوم هنا تنظر إلى السماء، وكأنها تعاني من أمرٍ ما.. سأكلمها فلربما استطعت مساعدتها.. سأجرب ذلك..
 
 هو: وأخيرًا سمحوا لنا باللقاء بعد مناقشات ودراسات كثيرة قاموا بها حولنا.. أنا سعيد بلقائك يافتاة.. لم أعد أحس بأنني وحيد في هذه الحياة، فأنت تعانين مما أعانيه..  والدانا قطعة من عظم مهترئ غارق بالقدم.. لقد سمحوا لنا بالزواج وسيقيمون لنا عرسًا يشهده أهل المبنى جميعًا..
 
 هي: ستكون ليلة مشهودة لزواج لم يتم مثله يومًا أبدأ، فلم يسبق أن ولد في الدنيا مثلنا ولا تزوجا.. نحن ولدا قطعة العظم المهترئة الغارقة بالقدم.. أتمنى مثلك رؤية تلك القطعة العظمية لأقبل سطحها فهي أبي وأمي معًا…سأبحث عنها فقد أجدها في غرفة التجارب التي يجرونها علي، وابحث أنت عنها أيضًا في غرفة التجارب التي يجرونها عليك..
 
هو: سأجدها بطريقتي الخاصة فقربك مني جعلني أكثر قوة وتصميمًا على التحدي، وإن فشلنا الآن فربما نجحنا بعد أن نعيش معًا في غرفة واحدة..
 
هي: أنا حزينة لأنك فشلت بالحصول على أبوينا ألا تستحيي من نفسك؟ حتى متى سنظل في غرفة التجارب كالفئران لايسمح لنا بالخروج إلى عالمهم الواسع؟ أنت لست رجلا..إنت حرمة.
 
هو :سأثبت لك بأنني رجل في الوقت المناسب ياامرأة..
 
هي: أحسنت يارجلي لقد أحضرت قطعة العظم بدهائك بعد أن احتجزت الدكتور الذي يجري علينا التجارب وأجبرته على إحضار قطعة العظم، ولكنك للأسف لم تحضر لي عظم والديَّ.
 
هو: هو: بل أحضرتها، وقتلت كل من في المبني عندما علمت بأنَّ قطعتَيْ العظم هما لأخوين دفنا معا في قبر واحد.

بقلم 

زاهية بنت البحر

هِيَّا الدنيا سايبة؟

0

وقعتُ فوق الأرض عندما انزلقت رجلي بقشر موزٍ ألقاه أحد المستهترين في طريق المارة، وأنا ألتفت بلاشعورٍ إلى يمين الطريق عندما سمعت أصوات مجموعة من الناس راحت تخترق أذني لتجعلني في ريبة مما يحدث..

نهضتُ على استحياءٍ أنفض ماعلق بثيابي من غبار، ومازلت أتلقى أصوات العراك التي راحت تعلو أكثر فأكثر.. نظرت إلى قدمي اليمنى التي تؤلمني.. وجدت ثمة سحجة قد أصابتها، وقطراتٌ خفيفة من الدماء تتسربُ من نوافذ جلدها لتستنشق رغم أنفها رائحة الهواء المملوء بدخان محركات السيارات الشاحنة، التي كانت تمر بالقرب منى، فتتجلط حزينة.. مسحت الدم بمنديل ورقي أخرجته من جيبي، وأنا أتحاشى نظرات أحد الشبان الذي أسرع نحوي لمساعدتي بالنهوض، لكنه تراجع بخفرٍ عندما لم أعره اهتمامًا متمتمةً بشكره..

وقفت في حيرة من أمري، وأنا ألقي نظرة على مصدر الأصوات المتعالية، فرأيت شحاذًا يضربُ مثيله، والناس يحاولون التفريق بينهما، سمعتُ أحدهما يقول بغضب واستنكار:

–  الشحات ابن الشحات ده، سرق الزبون مني، ولهف الفلوس بشربة ميه.. سيبوني أخلص عليه، ده جاي يشحت ف حتتي ياناس.. الله هي الدنيا سايبه والا سايبه يارجالة، تلاته بالله مش هسمح لحد ياخدها مني ولو على جتتي.

 بقلم

 زاهية بنت البحر

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ريح طائشة

1

دخلها النزغُ من أبوابٍ شتى، قيدها بسلاسل ملتهبة، وألقى بها في غياهب الثأر يلتقمها البغضُ خلَّةً خلةً.. يزيد تحرقُها اشتعالا كلما هاجمها خاطرُ غروب.

بعتم الليل الموحش تدثرتْ نعيقَ بوم، وبقلبِ الوحشِ تسلحتْ نذيرَ شؤم، حملتْ ذاتَها على أكفِّ نزفِ جراحِها تركضُ ريحَ دمارٍ بينَ أحضانِها رائحةُ الموتِ. في ركنٍ منعزلٍ عمَّنْ يعرفُها وقفتْ تُصفِّي دموعَها من عَكَرِ الخداع، ترتقُ بكف نارها الملتهبة بالحقد والغيرة جرحا دميما عميقَ الغورِ في ذاتِها الصارخةِ بفكرةِ الانتقام، فشلتْ محاولاتُ الرتق بهجومِ الطغيان. لن تهدأ نارُها الشرهةُ في صدرِها قبلَ فقءِ عينَيْ وَقْدِها بسهمِ الثأر.

وعندما رمتْ باتجاهِ الهدف، ارتدَّ السَّهمُ إليها بصدرِ ريحِها الطائشةِ ذلا وعارا، فجثتْ ذئبةً تعوي في الفراغ

.معلومات الذيب الذئب الذئب

بقلم

زاهية بنت البحر

النافذة

3

أحبته حد الجنون، انصهرت في بوتقة حبه حتى النهاية، وعندما أخبرته بأنهما لن يبقيا اثنين أحكم إقفال النافذة المطلة على بيتها، وعشية اليوم الذي هددتها فيه أمها بإخبار والدها بالأمر، أشعلت النار في جسدها. فاحت رائحة شوائهما تخترق النوافذ المغلقة، بينما كان هو يفتح نافذته في الجهة المقابلة لبيتٍ آخر.

بقلم
زاهية بنت البحر

avatar1_1

جنونُ الحبِّ

1

لن أتركك سعيدا مع سميتي، وقد طعنتَ قلبي بمدية الزواج منها دوني، ضاربا بعرض الحائط كل ماقدمته لك من إغراء للزواج بي. كبلتني بهواك، وعنفوان شبابك، فبتُّ مجنونتك حبا وكرها، أحبك لي، وأكرهك ومَن تكون لها سواي.
هاهما تلعبان في حوش الحارة، عيني عليهما ساخنة، وفي قلبي النار تولول نادبة. دعاء، ثلاث سنوات، قمر، سنة ونصف، حبكما لهما جعلكما بخوف عليهما من كل شيء.

عن كثب أراقبهما، أرى فيهما حبيبتَيَّ اللتين لم تأتيا منك، أداعبهما بحنان أم فجعت بفلذتي قلبها- قبل أن تتكونا- بزواجك من حنان.
– كُلا.. حلاوة تحبانها.
يأخذانها بسرور، فتزيد ناري اضطراما، سأطعم ابن أخيك محمد أيضًا حلاوة.
أنتما في الحقل تضربان صدر الأرض بفأس الأمل. سعادتكما ظلمة عمري، وابتسامتكما نحيب قلبي، ومستقبلكما تعاستي.
لن تعودا إلى البيت قبل أذان المغرب، وهما في حوش الحارة الخالية من الناس مع محمد يلعبون، ويمرحون، والعصافير تغرد لهم أغاريد الفرح، وجراحُ قلبي تفور نائحةً على ابنتَيَّ.
مالت الشمس للغروب، ضاق صدري بناره. آن لك أيتها النار أن تغادري صدري إلى صدريهما.
محمد أربع سنوات.
-أريد حلاوة ؟
– لك عشرة قروش، خذها واشترِ حلاوة.
يذهب محمد بعيدا.
– قمر، دعاء، هيا معي أمكما تريدكما في الحقل.
أحمل الصغرى بيدٍ، وأجرُّ الكبرى بالأخرى.
وهناك في قاع الترعة حيث المياه الآسنة كان مآواهما، وهما ترتجفان خوفا وبردا “وأنا ازداد اصرارا علي قتلهما وهما تبكيان وتتوسلان لي” فلتدفئهما نار صدريكما، فقد أطفأتها في صدري، وارتحت منها.

بقلم
زاهية بنت البحر

9:16 am 7/6/2009

قصةٌ من الواقع.

 

الشنب

8

    حملت سِفاحًا، فانزلقت تتخبط في مهاوي الخطيئة بعد رفضه الزواج بها:
–  ما يدريني بأن الجنين مني.. لستُ الرجل الوحيد في العالم .
– ولكنك الوحيد الذي أحبه..
– لاأثق بمن تعطي نفسها لحبيب إن أفل الحبُّ بينهما أعطتها لآخر..
وتاهت في شوارع مدينة ما في دولة ما من قارةٍ ما.. إلى أن ألقي القبض عليها مع مجموعة من الداعرات، فأودعت السجن رهينة الإصلاح الاجتماعي، وبذرة الحرام تكبر في رحمها يومًا بعد يوم ، فتزداد همًا إثر همٍ، وكرهًا إثر كره لكلِّ البشر، تنتابها بين الحين والآخر نوبات هستيرية عندما تعصف بها حقيقةُ ما هي فيه.. لماذا؟ ومتى؟ وهل من خلاص؟
وعندما تعجز عن فتح نافذة للأمل تصرخ كمجنونة،  أو تتصارع مع إحدى نزيلات السجن لأتفه الأسباب، وأحيانًا دون سبب..

 حاولت الانتحار فلم تمت، بكت بحرقة،  ومرة أخرى قلعت بعضا من رموشها انتقامًا من نفسها، فخلَّف انتقامُها منها صورة ًمرعِبة لبعض وقت زادتها شراسة، وحقدًا.. ذات مساء ضربت رأسها بالحائط، فظهرت في جبينها ندبة كبيرة ظلت آثارها تؤلمها طويلا، وعندما جلست أمام السيدة التي طلبت الانفراد بها بعد أن تفحصت السجينات الحوامل، أحست بشيء من طمأنينة رغم تخوّفها من العرض المقدم لها من قبل الغريبة..لم تعدها بشيء في لقائهما الأول …أجَّلته بعض وقت  فما زالت تحتاج لكثيرٍ من الشجاعة وقوة الإرادة قبل أن تقول نعم ، وهي الآن أضعف الناس بهذا الشأن خلقًا..  قالت إحداهن: ستنتشلك من السجن والتشرد.. وجدتك عسلية العين بنية الشعر.. أنتِ جميلة  وهي ثرية..

تكورت حول نفسها ذات مساء.. ركبت هواجسَها.. أعطتها الأمان، فانطلقت بها كيفما اتفق.. عبَرَ خاطرَها بعينيه السوداوين الواسعتين.. اخترقتْهما.. غرقت فيهما.. كادت تختنق.. بل هي تختنق والذكريات تجرفها إلى الأعماق النازفة
-لماذا يا ابن ال….؟
-الرخيص يزهد به الناس..
تدفقت الدموع من مقلتيها ساخنة..غزيرة..
-وغد.. ابن حرام
-لاتتصلي بي ثانية..

تمازج الكره بالحزن بالغضب، بكت بضعف لم يكن يسيطر عليها عندما كانت تتحدى أهلها بممارسة الحرية دون قيد،  مغمضة عينيْ بصيرتها عن أعراف أصولها العربية.. بكت وطيف والدها ينظر إليها من بعيد كسير القلب..

من عمق ألمها أحست بشيء في بطنها يشبه الرفيف.. سقط قلبها في قدميها.. كادت تفقده فيهما بلحظة شعورٍ غريب ما عرفته من قبل.. اعتدلت في جلستها،  فاستعادت قلبها من هوَّته بهدوءٍ عجيب ويدُها تبحث عن هاتفٍ باغتها قبل لحظات ثمَّ تاه في أحشائها.. كتمت أنفاسها علَّها تسمع همسة، أو تحس بحركة.. لكنها فشلت بالقبض عليها ونجحت بتذوق بعض هناء..
طويل أشقر عيناه تلمعان بزرقةٍ صافية كقط بري.. أحست برجفة عندما صافحها، وتأكد لها شعور الخوف منه عندما حاول التحرش بها بغياب زوجته سوزان عن المنزل تلك الشقراء الجميلة التي أخرجتها من السجن بكفالة مالية على أن تبيع لها مافي بطنها بعد الولادة ويسجل باسمها، ثم تختفي من حياتهما إلى الأبد..  وافقت على شروط العقد الذي ستوقعه معها عند محامي السيدة الخاص بعد أن تستعيد قواها الجسدية والنفسية كي يكون العقد موقعًا  وهي بكامل قواها العقلية.

 والدها رفض تسجيل الجنين باسمه عندما نزلت به صاعقة النَّبأ، صرخت أمها:

–  فلتذهب وما تحمله في أحشائها إلى الجحيم..

لكن سوزان كانت كريمة معها، حاولت احتواءها وخطيئتها فهيَّأت لها كل أسباب الراحة.. غرفة واسعة تطل على حديقة المنزل.. تستطيع من خلال الشرفة أن ترى سوزان  وجون وهما يتسابقان في المسبح، تغريها السعادة تلك بغبطة المضيفة لها، ومنها أيضًا كانت تشاهد في أوقات الراحة توم سائق جون، وتينا الأفريقية خادمة سوزان في أوضاعٍ تزعجها.. ذات مرة تشاجرت مع تينا عندما رأتها تقبل توم.. حاولت نصحها بداية،  فانتهى الحوار بشجارٍ جعل توم يحاول مضايقتها أكثر من مرة،  فأنَّبته السيدة سوزان، وطلبت من الحامل عدم التدخل بشؤون غيرها، وراحت تصطحبها دوريًا إلى عيادة الطبيب الذي كلفته بالإشراف على صحتها والجنين..

 
بدأت الراحة في هذا البيت الفخم تخدر أحزانها،  وتعيد تماسك نفسها يومًا بعد يوم ، فلم تعد تعر المضايقات الأخرى أهمية.. ومرة بعد مرة بدأت تسعد بذكريات الماضي في بيت أهلها رغم كآبة العيش فيه بين أبوين متنافري المودة.. سيطرة الوالدة جعلت من والدها قزمًا لاحول له ولاقوة، فقص شاربه الذي جاء به من مسقط رأسه، ولبس السروال القصير، والجينز، وراح يحضر حفلات النادي الذي انتسب إليه، فاكتسب محبة من حوله من العرب، وبعض الأجانب من مختلف الجنسيات، ولكنه لم يستطع أن يحمي أولاده من قبضة الحرية الضخمة هناك، فانقطع حبل الثقة بينه وبينهم، وراح كل واحد منهم يعيش كما يحلو له  يحميهم تخطيهم السن القانونية لوصاية الأهل عليهم.. تألم كثيرًا عندما انقطعت عنه أخبار ابنته، وتمنى لو تعود إليه كيفما كانت..

 وعندما وقفت بباب بيته هاربة من فيلا سوزان، وهي تحمل في بطنها بذرة الحرام، وقف مذهولا وعيناها تستجديان منه العفو والمغفرة، ووقفت مذهولة وهي ترى شاربه يزين وجهه المتعب. 

بقلم

   زاهية بنت البحر

مواجهة مؤجلة

5

وقفتُ أمامه كرجلٍ لرجل، لم أعد ذاك الطفل الذي يرى والده بطول نخلة، وبقوة جبل، رأيته اليوم كما يرى الندَّ نده. قررت مواجهته بكل شيء، سأفرغ حصاد سني عمري من ألم عذابٍ غرسه في صدري وأنا ابن تسع، يومَ احتضنت تربة قلبي الغضة تلك النبتة بحنان أم رؤوم، غذتها بالقتام، وسقتها بالدموع، وسهرت عليها بنوايا الثأر ممن سلبني أمي.
كبرت النبتة، تمددت جذورها الشائكة في شراييني، ولحمي، وعظمي، أرقت فكري، وأجرتِ الدمع في عيني، واليوم تجتاحني غصونها وثمارها بثورة داخلي المكفهر، متمردة، تصرخ بتحدٍ غريب لا أستطيع لجمه، تريد الظهور للعيان بعد كبتها عمرا في ظلام الأسر. سأواجهه بكل شيء، لن أخافه، فقد بلغت من العمر أشده، ومن الرشد سنامَه، بينما أحنى الزمن ظهره، وذهب بقوته، وأسكن لونه شحوب القلق، وعينيه حزنا غريبا.
سألني وهو يرتدي سترته الرمادية: مابك لماذا تنظر إلي هكذا؟
ضبطت نفسي، لم أجبه.
كرر سؤاله بنبرة عالية هذه المرة، حدقت في وجهه، والصمت يلفني كثعبانٍ، اقشعر بدني وصورة أمي تمثل في خيالي باكية عندما ضربها وهي حامل، وقعت أرضا وهي تصرخ بصوتٍ فظيع هزَّ أركان الغرفة، رأيتها تتلوى من الألم ويداها ترتجفان فوق بطنها، حدجني يومها بنظرة ارتباك وهو يرفعها عن الأرض، حملها وخرج بها إلى المستشفى، ومنذ ذلك اليوم لم تعد إلى البيت، كان يصطحبني أحيانا لزيارة قبرها.
طال انتظاري لهذا اليوم يا قاتل أمي، سأخبرك بأنني رأيتك تضربها، لن أرحم شيخوختك، ولن أقبل منك اعتذارا بعد أن أفرغ ما في جعبة قلبي من أقوال في أذن قلبك القاسي. أطرق برأسه أرضا، وسألني للمرة الثالثة: مابك لماذا تحدق بي هكذا؟
قلت له: أبي لقد رأ ..
قاطعني رافعا رأسه نحوي وعيناه مغرورقتان بالدمع: لا تكمل، لن أقبل اعتذارك عن زيارة قبر أمك هذا اليوم، هيا بنا لقد تأخرنا.
أحسست زلزلة في عمق كياني، سمعت أصوات انهيار جسور، وهدير عاصفة تقتلع نبتة ما كانت تعرِّش في داخلي. للحظة كدت أسقط فيها فوق الأرض، بعضي يصارع بعضي، حقد وغفران، حزن وسعادة، هزيمة وانتصار، لم أدر ماذا أصابني، كنت تائها في مهب ريح هوجاء عصفت بي دون رحمة، أسبلت جفنَيَّ والدموع تغرق وجهي، وعندما فتحتهما كانت يد أبي تمسح عنهما ماء الألم، وابتسامة حنانٍ دافئة فوق شفتيه، وهو يدعو لأمي بالرحمة.
أحسست بالخجل منه ومن نفسي التي أتعبتني عشرين عاما.

بقلم
زاهية بنت البحر

 

 

%d مدونون معجبون بهذه: