Zahya12's Blog

Just another WordPress.com weblog

Category Archives: قصة

اقتله..اقتله

2

 

بموافقةٍ وتحريضٍ من الجميع قرَّرَ أن يقتله، ويريحهم من تحركاته المكوكية الدائمة سراً وجهراً… كثرة اللف والدوران قد تورث فارسها الخطر في أحيانٍ كثيرة ما لم يلتزم الحذر ويخطط لتلافي الوقوع في المحظور بوعي وتبصر. اشتد غيظ صاحبنا من نشاط فارس الميدان الغبي هذا عندما راح صغار السيد يصرخون ويتراكضون في مملكته الشاسعة خشية هجومٍ مفاجىء يطال به أمنهم، وتهد سعادتهم أثناء جريه الطائش فوق الأرض.. الجميع يصرخ اقتله.. أرحمنا منه… سيؤذينا إن لم تفعل ذلك… لا تتركه يفلت منك… لم نعد نشعر أمناً بوجوده… بعض العيون نزفت دمعاً، وبعض البطون أفرغت زادها اشمئزازاً وقهراً، والطائشُ يترنح يميناً ويساراً كالمخمور لا يدري عن مصيره المنتظر شيئاً. هناك مقولة لا أدري مدى صحتها تفيد بأن قبيلة فارس الميدان تعودت منذ القدم أن تدفع بالمغضوب عليه من أولادها إلى خارج حماها للخلاص منه كبيراً كان أو صغير، فالخارجُ إلى دائرة الضوء مقتولٌ لا محالة، والعائدُ مولود وما أندره بينهم.. لكن قد يأتيه عفوٌ إن جاءهم بصيد ثمين، وقلَّ ذلك في تاريخ أمَّته. هذه العادة الرهيبة في الانتقام كما يقال يعرفها الجميع هنا، وقد يتعرض لها أي فرد من السكان دون تفريق بين أبناء العشيرة الحفاة الذين يمتازون عن سواهم بالصبر الطويل على الجوع، والتخفي في الظلام، وقد يأكلون الخشب إن هم فقدوا الطعام، وقد يجترون اللاشيء إن تعذَّر وجود الشيء، و شهرتهم بطول الشنب ملأت الآفاق، ولكنها رغم ذلك لم تبوِّأهم مكانة مرموقة بين الرجال . مازلت عينا الراصد تتبع بحذر تحركات الفارس الغبي.. إنه تحت مراقبته الخارقة النظرات.. أحس الراصدُ قرفاًأعقبه إحساسُ بالضَّجرِ مما وجد نفسه فيه أمام مطالبة الجميع بإعدامه دون رحمة… هو جدير بالموت كما يقولون لترك المكان خالياً لهم دون سواهم. الراصد القوي يستطيع من مجلسه أن يقضي على قبيلة الفارس كلها بضغطة إصبع.. لا لن يفعل ذلك خشية ما قد ينتج عن تلك الضغطة من آثار جانبية قد تضرّ صحياً بالخائفين من أتباعه المدللين . قرر إخلاء الساحة منه بطريقة أكثر حضارة لا تؤذي سوى الضحية بعد أن ضاق بلفه ودورانه ذرعاً، وبمناشدة الآخرين له بقتله صدراً… نهض عن كرسيه…. خطا خطوتين كان حذاؤه في الثالثة فوق ا ل.. ص..ر.. ص.. و.. ر..

 

بقلم

زاهية بنت البحر

يكفيكم فخراً فأحمد منكم ***وكفى به نسباً لعزِّ المؤمن

Advertisements

موسيقى

0

 

أغلقت سماعة الهاتف والغيرة تثور في صدرها  بركان غضب ثائر يتسرب من مساماتها عرقا… غادرت البيت لضبطه عند صديقتها.. تسرع الخطى.. تسمع ضحكاتهما.. تهرول.. موسيقى حالمة..  يزداد الشارع ازدحاما، والكيد اشتعالا، والعرق انهمالا.. تركض..تضج أعماقها.. قرع طبول.. تتصنع الصمم.. تتلمس جيبها اليمنى.. ستغرسها في صدريهما.. يعلو صوت لهاثها..  تتعثر قدمها بحفرة.. تسقط فوق الأرض.. دم ينفر من يدها.. تعض على شفتيها.. ترفع رأسها.. تراه أمامها بقامته الممشوقة.. يقدم لها منديلا.. تأخذه.. تلتقي عيونهما.. يبتسم.. تحدق في وجهه.. تتسع ابتسامته.. تبتسم..  يرفعها عن الأرض.. يمشي بها إلى سيارته قرب الرصيف.. يفتح الباب.. تجلس في المقعد الأمامي.. يجلس خلف المقود.. يدير المسجل.. موسيقى حالمة..  يخمد بركانها ويده تسرق نقاء الياسمين.

بقلم

زاهية نت البحر

 

حرة, سطح المكتب, ورق جدران, الحاسوب, الخلفية, 1024, وارتفاع القرار, والطبيعة, 1280,المنتجع شاطىء للبحر في مساء.  , الشاطئ الرملي.  , لوح., البارجة.  , الشاطئ.

أينَ روان؟

4

كانت تلعب مع قطتها الصغيرة في حوش البيت عندما نادتها أمها، تستعجلتها بالقدوم إليها. مسحت بيدها الصغيرة على رأس القطة وظهرها، وهي تحضنها بدفء وحنان، والقطة تلعب بذيلها الأسود فيلامس وجه روان مدغدغًا ذقنها، تضحك بصوت عالٍ والعصافير فوق شجرة الكباد تشاركها سعادتها بزقزقة ملأت حديقة البيت بهجة وسرورا.
خرجت من البيت ويدها تقبض بحذر على ماأودعت فيها أمها من نقود أوصتها بإعطائها لجارهم الفران ثمنًا للخبز الذي ذهب والدها إلى العمل قبل إحضاره إلى البيت. كانت الأم تحضر فطور الصباح لأطفالها بينما صغيرتها روان تقطع الطريق إلى الفرن، تحلم برغيف ساخن شهي تعودت أن تتناوله صباحًا كلما أحضر والدها الخبز اللذيذ.
تأخرت روان بالعودة إلى البيت، خرجت أمها لإحضارها.. وصلت الفرن .. وجدته مغلقًا.. قلقت على صغيرتها فراحت تسألُ عنها أولاد الحارة ورجالها وأصحاب الدكاكين والمحلات التجارية.. لم تلقَ جوابًا يطمئنها على صغيرتها. عادت إلى البيت بخوف شديد..اتصلت بزوجها هاتفيًا تخبره بأمر الصغيرة.. خلال وقت قصير كان الرجل في البيت ومعه بعض رجال الشرطة.
فتشت الحارة من بابها إلى محرابها، ولكن دون فائدة، وفي طريق عودة الرجل والشرطة إلى بيته مروا بالقرب من الفرن، وجدوه غير مقفل، دخل الرجل لسؤال الفران عما إذا كانت ابنته قد جاءت إليه لشراء الخبز.. أجابه بالنفي، فهمَّ بالخروج من الفرن، وهو في طريقه إلى الخارج وقعت عيناه على حذاءٍ صغير لم يلفت انتباهه بدايةً، وكاد يتابع طريقه لولا أن تذكر بأن هذا الحذاء يشبه حذاء صغيرته الذي اشتراه له من أسبوع.. انحنى نحوه.. أمسكه بيده مذهولا، مالبث بعدها أن صرخ بأعلى صوته : إنه حذاء روان من أتى به إلى هنا؟
راحت عيناه تفتشُ المكان كله، والفران في عجبٍ مما سمع، وبالقرب منه يقف أجيره غصوب شاحب الوجه، مرتجف اليدين، محني الظهر كأنه شيخ في التسعين، اتسعت عينا أبي روان وهو يدقق النظر في وجه غصوب.. مشى إليه.. أمسك به.. سأله عمن أحضر حذاء ابنته إلى الفرن.. تلعثم الغلام خائفًا، وصدره يعلو ويهبط كسطح البحر بموج  الخوفِ هائجا.. أطبقت يدا أبي روان بشدة فوق عنقه:
– أين روان؟
– لاأدري.
– أين روان، قسمًا عظَمًا لأدخلنكَ بيت النار إن لم تتكلم. أين روان؟
– لاأدري.
– تكلَّم وإلا..
– القيتها ببيت النار عندما قالت لي بأنها ستخبرك بما فعلتُ بها قبل أن يأتي معلمي إلى الفرن.

 

بقلم

زاهية بنت البحر


11:05 PM 9/23/2007

 

وقعت احداث هذه القصة قبل عشرين عاما، ومازال الفرن حتى اليوم بختم الشمع الأحمر

الصورة الرمزية شيخه العتبان

صياد وسمكة

0

 

صياد وسمكة
تنزل البحر كل يوم بحثًا عن صيد جديد، مازال طعم أول سمكة ظفرت بها قبل سنوات يشعرك بالجوع، سمكة ذهبية معشقة بالأخضر، ظننت يوم اصطيادها بأن البحر لن يجود بمثلها أبدا، ورغم ذلك بقيت تنتظر المعجزة. تزرع الشاطئ ذهابًا وإيابا وعيناك تجولان المكان بحذر شديد، تلتقط أنفاسك كلما تكسرت موجة فوق الصخور، وأزعج أذنيك أنينها فوق الرمال. أيقنت بعد كثير ترددك على الشاطئ بأن الموج يتألم، وله قلب كالذي ينبض في صدرك، يفرح ويحزن، يغضب ويهدأ، سألت نفسك كيف تشابهتما، لم تجد جوابًا يشعرك بالطمأنينة، ترفض أن تكون كالبحر فهو غدار، انت تقر بهذا، أما أنت فغدار أيضًا، ولكنك تأبى الاعتراف بذك رغم أنك مازلت تحس جوعًا منذ اقتناصك السمكة إياها قبل سنوات، أكلتها لحمًا ورميتها حسكا. تهرب من إلحاح فكرة الغدر عليك، تسرع الخطى فوق رمال الشاطئ ، السمكات يتماوجن فوق سطح البحر بما يسلبك الوعي، ترمي الصنارة،
تعلق بها إحداهنَّ،
تشد الخيط ،
تمسك بها،
تجفل،
تنظر في عينيها،
تنفر الدموع منهما،
تفرك عينيك بأصابعك المرتعشة،
الصيد ثمين.. ثمين جدا، جدا
تكاد تجن،
لاتصدق ماتراه،
تسأل نفسك برعب يفترس قلبك المتشوق للصيد:
كيف أصبحت ابنتك سمكة؟

بقلم

زاهية بنت البحر

صياد وسمكة ، قصة قدم دراسة نقدية لها مشكورا الشاعر

 والناقد الأستاذ طلعت سقيرق

القراءة توجد في المدونة

https://zahya12.wordpress.com/2010/11/30/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%b2%d8%a7%d9%87%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%86%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1-%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d8%af-%d9%88%d8%b3%d9%85%d9%83%d8%a9/

سورنيتي

1

 أعجبتها النكتة.. ظلت تضحك منها أكثر من دقيقة حتى تعبت منها الخاصرة..

–  نادٍ رياضي لاستعادة رشاقة الخادمة !

–  أليست إنسانًا؟

–  بلى. لكنها جاءت إلى البيت بهذا الوزن قبل عامين، ثم فقدته هنا، وما لبثت أن عادت إليه مؤخرًا. زيادة الوزن تجعلها بطيئة الحركة، لم أعد أطيق صبرًا.

–  عليك بطولِ البال وكل شيء بثواب.

–  دائما تبدو متعبة، كسولة. – الكرش يضايق في العمل.

–   منها لكرشها، اقترب موعود رجوع زوجي إلى البيت، ولم تنهِ بعد تنظيف جدران غرفته.

مع ارتشاف القهوة سمعتا صوت توجع مكتوم.. نهضتا من مجلسهما.. توجهتا نحو مصدر الصوت.. توقفتا قبالة باب الحمام، حاولتا فتح الباب، كان مقفلًا، يشتد صوت الأنين ويعلو.

–  سورنيتي.. ماذابك؟ افتحي الباب.. سور، افتحي الباب.

  صوت تألم مخنوق..

–  افتحي الباب ياسو.

تضرب المرآتان الباب بقبضاتهما بقوة.. صوت توجع الخادمة يزداد ارتفاعًا، والباب لايزال مقفلا. تخرج إحداهما من البيت، تستنجد بالجيران. يُخلع باب الحمام، إثر صرخة مدوية ألقت الرعب في القلوب، خمد بعدها صوت الخادمة بانفجار صوت بكاء وليدٍ اندلق فوق الأرض يحتاج لقطع حبل المشيمة.

بقلم

زاهية بنت البحر

 

بوران

2

  عندما رأيتها لأول مرة أدهشني جمال وجهها وابتسامتها العذبة، فصرت كل يوم أقف على الشرفة المقابلة لشرفتهم في المدينة التي انتقلنا إليها قبل أيام من جزيرتنا المتكئة منذ ولادتها على ظهر الأمواج في حضن البحر، متحدية جنونه الذي لايرحم ، سعيدة بابتساماته الساحرة في أوقات هدوئه الجميل، ولم نكن بعد قد تعرفنا على أهل الحارة الجديدة. كانت عندما تراني تبتسم لي ملوحة بيدها بالتحية، فأستحيي منها وأدخل الغرفة وفي نفسي مايؤنبني لعدم محادثتها ولو برد التحية.

 الشرفتان قريبتان ويمكن لنا أن نتحدث بهدوء دون رفع صوتينا، ولكن الحياء كان يمنعني من ذلك. كم تمنيت أن أعرف اسم هذا القمر الساحر بل البدر المنير بأجمل صورة وضياء. حدثت أمي عنها، فوعدتني بمصاحبتها لزيارتهم يوما ما بعد أن تاتي والدتها وترحب بنا كقادمين للعيش في حارتهم. مرت الأيام وأنا أنتظر بفارغ الصبر تلك الزيارة التي ستفتح لي باب التعرف عليها.
ذات يوم وأنا أداعب أخي الصغير خالد بينما كانت أمي تحضر طعام الغداء، سمعتُ نقرات على باب البيت، لم أعطِ الأمر اهتماما لاتكالي على أمي بفتح الباب. عادت النقرات مرة أخرى ولكن بصوت أقوى من الأول، تركت أخي واتجهت صوب الباب، فسمعت أمي تقول: سأفتح أنا الباب. وقفت في مكاني بانتظار أمي التي وصلت وهي تنشِّف يديها بمنديل أبيض وضعته فوق كتفها الأيسر. اقتربت من الباب وهي تنظر إلي، وابتسامتها تزهو فوق ثغرها فتضيء وجهها بالسعادة.. سألتْ قبل فتح الباب: من الطارق؟
لم تسمع جوابا، بينما يزداد صوت النقرات على الباب قوة وتكرارا. أعادت أمي السؤال فلم تتلقَ جوابا. أمسكتْ بمقبض الباب وفتحتْه قليلا، نظرت من خلاله لمعرفة القادم إلينا. كانت عيناي تراقب وجه أمي باهتمام، رأيتها تبتسم وتفتح الباب مرحبة بالقادمة التي فوجئتُ بها. اقتربتُ من أمي وابتسامة عريضة تملأ وجهي بشرا وفرحا، كانت هي تلك التي شدَّتني إليها منذ اليوم الأول لقدومنا إلى تلك المدينة، دارت بي الدار، أحسست بأنني أطير بجناحي فرحة نبتا فجأة فوق كتفي عندما رأيتها أمامي، نظرت إلي وابتسمت، دعتها أمي للدخول، فهزت برأسها اعتذارًا، كررت أمي دعوتها لها لدخول المنزل، وعندما أجابت هذه المرة بإشارة من يدها بالنفي، وبعض حروف تكسرت فوق شفتيها لتجرح قلبي وإحساسي، وهي تخبرني بأن هذا البدر لايستطيع الكلام، فهي خرساء بكماء. أحسست بالدوار..

جلست فوق الأرض متهالكة، مغمضة عيني ورأسي تدور من هول المفاجأة. ربما كانت لحظات تلك التي مرت بي وأنا بين اليقظة والدوار أحسستها سنوات طويلة أنقذني منها صوت الفتاة المبهم وهي تمسك بي برفق، وترفعني عن الأرض بمساعدة أمي التي أذهلتها المفاجأة.
بوران، اسم الجميلة لابنة الرابعة عشرة ربيعا، أصبحت صديقتي المحببة لنفسي، رغم أن أختها الأصغر كانت في مثل سني في الثانية عشرة، لكن بوران كانت الأذكى والأجمل والأكثربساطة، وانطلاقا. تعلمت منها أشياء كثيرة مازلت أحتفظ بها في ذاكرتي، كانت تحب الحياة ولاتشعر بالنقص أبدا، وعندما بلغت الثامنة عشرة من العمر أصبحت أشهر خياطة في المدينة، ساعدت والديها بتربية إخوتها وأخواتها، وكانت محط اهتمام صبايا المدينة، لما تتمتع به من ذوق وأدب ومكارم أخلاق. تقدم لخطبتها الكثير من الشبان، لكنها رفضت الجميع لإحساسها بالمسؤولية تجاه أسرتها.


بقلم

 زاهية بنت البحر


لاتحزن…(2)

3

في ليلِ لحظة منسيةٍ من عمر وقتي كنت أسير وحدي في غربة نفسي عن نفسي، والأرض تميد بي وأنا أتَّكئ على عكاز أملٍ هارب لم أستطع القبض عليه رغم طويل عناء في محاولةٍ للحاق به، واستنشاق ِأثير الحرية من كبت لاأدري مصدره، ولا متى أو كيف سكن غرفاتِ نفسي فسرى بها في دهاليز تفوح فيها رائحة كآبة مزعجة، بينما كان قلبي يتخبط بظلامِ ليلٍ موحش الخطو يقبع في رأس أحلامٍ مشوشةِ الرؤية فيُغِم عليها عيونَ الطريق.
كل ماحولي يكتسي القتامَ بانزواء فكري في ركن مهجورتملؤه طحالب الصمت وملح الرطوبة. ضجَّت رأسي بصراخ خوفي في غياهب جبِّ المجهول، فأيقظ فيَّ إحساسي المتهالك فوق حرِّ الرمل في هجير التشرد.
أمي، أبي، إخوتي ، أخواتي، أصدقائي، هلموا إلي، اغتالوا وحدتي بسيف اللقاء والْتمام الشمل، وحيدٌ أنا تنهش قلبي وحوش الفراغ بنهم مريع، أنادي وأنادي، أمي لاترد عليَّ، حبسها عني العذر بانشغالها بالبيت، ووالدي بالعمل، والبقية كل بهمٍّ يفتك به شأنَ الوحدة معي.
أجدني مقيدًا بضعفي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنفر من نفسي، أمقتها لبعض وقت، تحتد احتجاجا وتجمح بالثورة ضدي، تؤلِّبُني على كلِّ مَن حولي وحتى عليها، أكرهُني، أحاول اغتيالي للخلاص من كوابيس تصطاد أمني بلا رحمة، وتقطف زهور حدائق قلبي الزاهية بعنف عدو ظالم.. تدوسها بأحذية قذرة غريبة لا أعرف عن محتذيها شيئا، أبكي، أتألم، ماأصعب أن يجد الإنسان نفسه وحيدا رغم كلِّ من يحيطون به، أجدهم أمواتا بالنسبة لي ، لايحسون بي ولا يرِتقون جراحي النفسية النازفة قهرًا وكرها.
وحدَها هي أيضا كانت تجلس في غرفتها، لا أنيس لها من أهل البيت، تأكل مايقدم لها من طعام، وتردُّ على من يسألها شيئًا بإيماءة من رأسها، تتوضَّأ وتصلي ثم تعود إلى سريرها صامتةً إلا من همسات خفيةٍ تصاحبها في بعض الأوقات آه غريبة لاتشبه أهاتِ التألم التي تخرج حارقة من أفواه الموجوعين.
ترى ألا تحسُّ مثلي بالغربة والوحدة والافتقار لأنيسٍ يبدد وحشة عمرها الذي شارف على النهاية؟!
بهدوء وحذر اقتربت من غرفتها في الجهة الجنوبية من بيتنا الكبير اختارتها لتكون بعيدة عن الضجيج، قريبةً من شرفة الحديقة التي كانت تخرج إليها قبل صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب.
فتحتُ الباب.. مددت رأسي الصغيرة أنظر إليها بفضولٍ هذه المرة، رأيتها تستقبلُني بابتسامة عذبه ملأت وجهها سعادةً اخترق بعضُها جدارَ رهبتي فانتشت نفسي بشيء من سرور جعلها تدعوني للاقتراب منها بإشارة من يدها.
قبلت هذه اليد التي وقَّعتْ السنون فوق جلدها بصمة التقدم في السن، فاحتضنتني بحنان كنت بحاجة ماسة له بينما راحت أصابعها تمسح برقة فوق رأسي الصغيرة.
أحسست براحة تتسرب من خلالها إلى قلبي الباكي من قسوة الأيام ، وددت لو أظل في حضنها مدى العمر، هاجمتني نفسي المحاربة بشراسة تطلب تفسيرا عما حدث لي.
ابتعدت عنها، وقفت أمامها مستجمعا مابقي لي من قوة والقلق يموج في داخلي ويهوج، فتصنعت الهدوء
وسألتها بصوت خفيض: جدتي ألا تشعرين بالوحدة؟
نظرتُ في وجهها أنتظر منها جواب امرأة عجوز، سلبتها الأيام الكثير الكثير من قدراتها الجسدية ، وأبعدت عنها أحبتها موتا أو هجرة، حدَّقتُ في عينيها بفضولِ طفولةٍ شقية ونفسٍ أمارة، للحظات كنت أتمنى أن أرى دموع الألم تنهمر منهما فأعزِّي ثائرَتي بألمها وحزنها على ماضاع منها، وعلى ماهي فيه اليوم.
خيَّبتْ جدتي ظني، فرأيت بين جفونها بريقا غريبا يلمع بضياء مدهش وهي تشير لي بيدها إلى السماء ثم تضعها فوق صدرها، وابتسامة رضا تشرق فوق ثغرها المرتجف، لتزهر في قلبي فرحا يخلصني من أوهام الوحدة بإشارة من يدها المرتجفة تعيد إلي قوتي وثبات يقيني، وهي تخبرني بعجز لسانها عن النطق : إنَّ اللهَ معنا.

((لاتحزن إنَّ الله معنا))

“سبحان الله ربِّ العرش العظيم”

بقلم
زاهية بنت البحر

%d مدونون معجبون بهذه: