Category Archives: قصة طويلة

الثأر

2

أحستْ فاطمة بانقباضِ مفاجيءٍ يحتل كيانَها، وينشر الفوضى في تفكيرها، فجندتْ كُلَ ما تملك من أسلحة المقاومة الإيمانية للوقوف في وجه هذا الإحتلال المباغت، لكنَّها فشلتْ أمامَ تسارع دقات قلبها الذي راح يستنجد بها مرتجفاً بين حناياها. وضعت فاطمة كفَّ يدها اليمنى فوق صدرها، أحستْ به يعلو ويهبط لاهثا، ينفث عبر مساماته الدّقيقة أبخرةً ساخنة، تنذر بانفجار مباغت. تمالكتْ نفسها في محاولةٍ للهروب مما ينتابها، وشفتاها تتمتمان بكلمات كانت تسمعها من أمِّها وهي صغيرةٌ تردِّدُها إذا ما ألم بها خوفٌ خفيٌّ (اللهمَّ اجعله خيرا ).

مشتْ في الغرفة التي تضمٌّ أفرادَ أسرتها مهمومة ً فزِعة، بعد أن أغلقت النَّافذة، لتوقظ زوجها وأولادها الثَّلاثة، صباحَ الجمعةِ الأولى من حزيران، وما زالتْ شفتاها تردِّدان الدُّعاء بصوت خافت مرتجف، وكأنّما الشّمس كانت تسمع من خلف الحجاب تمتمات شفتيها المثقلتين بالخوفُ، فتمد رأسها من وراء الأفق الشَّرقيِّ البعيدِ بابتسامة برتقالية ساحرةٍ ، غير آبهة بما يحمله النَّهارُالقادمُ معها من أحداث ٍلكلِّ مشاهديه.

صباحٌ مشرقٌ جميلٌ كان ضيف َ هذااليوم، لكِنَّ فاطمةُ ظنَّتْهُ غولاً، وحسِبتْ زقزقةَ عصافيره عواءَ ذئبٍ بل نعيقَ بوم. بنظرةٍ خاطفة تفقَّدت ْأولادَها، وهي تقترب من فراش زوجها النَّائم وشخيرُهُ يملأُ أرجاء الغرفة هديراً، وجدتْهم بخير، لكِنَّها رغم ذلك لم تشعر بالطُّمأنينة، أقتربت منه أكثر، وهمست برقَّة ممزوجة بالحذر: أبو حامد، أبو حامد، لقد أشرقت الشَّمس.

تحرك أبو حامد في فراشه.. نظر إليها بعينين نصف مفتوحتين، وقال بضيقٍ يشبه العتب:

–  لماذا لم توقظيني قبل الشُّروق؟

 ردَّتْ بسخرية: لصلاةِ الفجر؟!

 تقلَّب في فراشه ضجرا: كفاك وعظاً ياشيخة..هيَّا أيقظِي الأولاد.. لقد تأخرنا عن الحقل.

تسّمَّرت ْعينا فاطمة بوجه أبي حامد كأنَّها تراه لأوَّل مرَّة، سألها بغيظ: لماذا تحدِّقين بي هكذا؟ هيَّا أيقِظِي الأولاد.

 تجاهلتْ فاطمةُ الأمر على غير عادتها، وراحتْ تنظر إلى صدره العاري المكسوِّ بالشَّعر الأسود كقرد، وإلى يديه الخشنتين، نظراتٍ لم يألفْها من قبل، نهرها بصوتٍ أجشِّ:

–  لماذا تقفين كالبلهاء؟

لم يضايقْها ماسمعتْ منه، إذْ ملأ الضِّيقُ مساحةَ كيانها كاملةً قبل قليل، عاد يأمرهاغاضباً:

–  تحرَّكي قبل أنْ..

فقالت وهي تتجه نحو الأولاد: – لاتكملْ يكفيني مابي.

جلستْ القرفصاء َبقرب رأس أحمد أصغر أولادها، والَّذي أتمَّ قبل أيَّامٍ عامه الخامس.. وضعتْ يدها اليمنى فوق جبينه، همستْ بصوت دافىء متقطِّعٍ :

–  أحمد..أحمد.. استيقظ ياقمري.

قبل أن ترفع يدها عن جبينه، أحسَّتْ بتيار كهربائي يشدُّها اليه، فاقشعرَّ بدنُها، وعرقتْ كفاها فعادتْ تتمتم:( اللهمَّ اجعلْه خيراً).

 مازال أحمد يغطُّ في نوم عميق، وأبو حامد يرشق فاطمة بنظرات الغضب التي جعلتها تعاود المحاولة لإيقاظ أحمد:

– أحمد..أحمد .. قم ياحبيبي .. بهيَّة…بهيَّة ، وانت ياحامد، هيَّا يا أولاد.. طلعتْ الشمس.

بدأتْ الحياة تدُّبُّ في الغرفة، والأولاد يتحرَّكون في فراشهم متكاسلين، بينما راح أبو حامد يتمطَّى كقطٍّ متوَحِّشٍ وهو ينهض من فراشه متَّجها نحو دورة المياه قبل أن يسبقه إليها أحدُ الأولاد، سألها وهو بباب الغرفة:

– الفطور جاهز؟

أجابته وهي تنظر إلى أولادها: والشَّاي كمان.

قال بارتياح: حسنا.. سيكون لذيذاً والمياه تتدفَّق في السَّاقية.

 أسرعتْ بالقول: سأرافقكم إلى الحقل لأُرَوِّحَ عن نفسي قليلاَ.

 سألها ساخراً: ومما ستروِّحين إن شاء الله؟ أعادة جديدة هذه؟

أجابتْ بارتباك جليِّ: لست أدري، أحس ضيقا في صدري.

فقال: ضيق في صدرك ؟

 صمتتْ برهة، وهي تجول بعينيها في المكان خشيةَ أن يكون أحدٌ من الأولاد يسمعها، ثمَّ تابعتْ:

–  عندما فتحتُ النَّافذة قبل قليل، شاهدتُ سنبلة زوجة ابن عمك حسين تجلس عند ساقية حقلهم، وهي تبكي، انقبض قلبي وأغلقتُ النَّافذة .

 انتفضَ الرَّجلُ كالثَّورقائلاً: أف ٍلك ولهذا الصَّباح..إبقي هنا لامبرر لذهابك معنا اليوم إلى الحقل .

سألته بفتور: ومن سيهتم بكم إذن؟

 قال بضيق: أنا  بعد سقاية الأرض.

همستْ برجاءٍ وانكسار: دع أحمد في البيت قد أحتاجه في عمل ما.

أجابها وهو يغادر الغرفة: لا أستطيع، أم نسيتِ أنَّ وجودَه معي يعطيني هِمَّةً ونشاطاً في العمل؟

 وقفتْ فاطمة خارج البيت قرب الباب، تودِّع زوجها وأولادها، الذين راحوا يشقُّون الطَّريق الزِّراعيَ باتِّجاه الحقل، وقد لحق بهم أحمد متأخِّراًعنهم بضع َخطوات، وهو يحمل الزَّاد بين يديه، وبين الفينة والأخرى كان يلتفت إلى أمِّه ويبتسم لها ابتساماتٍ صافيةً ظلَّتْ ترميها بأسلحة الحنان حتَّى تواروا عن ناظريها خلف الأشجار، فعادتْ إلى بيتها تدير شؤونه اليوميَّة بقلب يكاد يُقلع من صدرها ويَلحق بهم حيث يعملون.

 مع هبوب النَّسيم، وتمايل الأغصان في الحقل الجميل، امتزج صوت الأطفال بزقزقة العصافير، وراحت بهيَّة ابنة الثّامنة، تساعد أخاها(حامد) ذا الأعوام السَّبعةِ في حفر التّرع الصَّغيرة، وجرِّ المياه إلى الأرض العطشى، الَّتي فتحت أفواهها لتنهلَ من مشاربها بشراهة الهيم بعد عطشٍ طويل. أحسَّ أبو حامد بالتَّعب ينهك ظهره إثرَ انحناءة طويلة فوق السَّاقية الأُمِّ، فانتصب واقفاً والعرق يتصبَّب ُمن جبينه الأسمر العريض إلى وجنتيه فرقبته فصدره، فابتلَّتْ ثيابُه بعرق العافية. رفع يديه إلى أعلى، رجع بهما إلى الخلف قليلاً، فأحسَّ بشيءٍ من الرَّاحَة، مسح جبينه بكمِّ ثوبه، وهو يلقي بتوجيهاته إلى أولاده كفلاح خبير.

ملأت ْالنَّشوة بالنَّجاح رأسَ أبي حامد، وزار الفرحُ قلبَه بعد هجرٍمملٍ، وهو ينظر إلى السَّاقية يحمد الله، فالينابيع جاءتْ هذا العام كريمة، وهاهو الماء يتدفَّق في الحقل كتدفُّق الأمل والتَّفاؤل في نفسه بعد جدبٍ مزمنٍ. بفرحة أبي حامد وببهجة الإنتصار، يعلو صوت المياه ثُمَّ يعلو.. يصبح هديراً وأبو حامد يحدِّق في السَّاقية بفرح كبير مالبث أن تحوَّل وجوماً باغته على حين غرة.. تغيَّر لونه.. ارتجفتْ يداه وشفتاه، أصبح فريسة سهلة بين فكَّي الإحمرارتارة، والإصفرار تارة أخرى. مازال صوت المياه يعلو.. يملأ رأسه بالضَّجيج .. يُغلَبُ على أمره.. يحسُّ طّوفانًا يجتاحه.. يُغرقه إلى أعماقٍ مظلمةٍ.. من خلال الظُّلماتِ المخيفةِ ينبعثُ ضوء ٌخافتٌ تحيطه هالةٌ قرمزيَّةٌ.. يُحدِّقُ في دائرة الضَّوء.. يحدِّق أكثر.. تتسع عيناه.. يرى طيفَ سنبلة زوجة ابن عمه تنوح باكية قرب السَّاقية.. يؤلمه المشهد.. يسحق رجولته تحت حذاء سنبلة. يحس اختناقا يكبِّله.. يضع يده حول عنقه.. يغمض عينيه هرباً من الموت المحدق به.. يغمضهما بشدَّةٍ تعادل خوفَه.. يفتحهما بقوة فتلتقيان بعيني أحمد الباسمتين وهو يأكل لفافة الخبز والقريش، التي أعدَّتها له والدته.

مازالتْ أذنا أبى حامد تسمعان نحيب سنبلة، لم يعد بكاءً أصبح عويلاً مزعجا بل عواء ذئبة . يحدِّق بوجه أحمد أحب أطفاله الى قلبه، يبتسم لأبيه وهو يناوله كأساً من الشّاي، يأخذ الكأس من يده الصّغيرة ويلقي بها في السَّاقية، والمياه تجري مسرعة فيها، يسأله أحمد بسذاجة:

–  مابك يا أبي؟ خذ الشَّاي

 يصرخ بصوت مرتعد: حامد .. حامد.

 يلتفت حامد صوب أبيه ويداه ممسكتان ببعض تراب الأرض النَّدي بالفرح:

–  نعم ياأبي ؟

 يقول له بغضب: خذ بهيَّة واذهبا إلى البيت حالاً.

 – لكِنَّنا لم ننهِ حفر التّرع الصَّغيرة بعد. تعلو نبرة صوت الرَّجل بحدَّة أكبر:

– دعا العمل.. هيَّا انصرفا.

نظر حامد بوجه أبيه فَغَمَّ عليه الوجهُ، ظنَّه للوهلة الأولى وجهَ نمر أوضبع مفترس كذاك الذي يراه في الصُّوَرِ، هاجمه الخوف بوجه أبيه فجأة فسأله:

 أأصحب أحمد معنا؟

أحتد والده: لاشأن لك بأحمد، هيا اذهبا قبل أنْ أفتح رأسك بفأسي هذه.

 ألقى حامد التُّراب من يديه متهيِّئاً للانطلاق هروبا من والده، لكِنَّ عينيه تعلَّقت بعيني أحمد المسالمتين، الباسمتين، البريئتين، وحب الحياة يلمع فيهما.

صراخ الأب يعلو، وحامد يهرب باتجاه الخارج بينما أسرعتْ بهيَّة بالفرار راكضة إلى البيت. وقف أحمد يلوِّح بيده الصَّغيرة لحامد، وكأنَّما يطلب منه البقاء معه.

يصرخ أبوه: أما زلت هنا أيَّها الوغد؟

سأل حامد نفسه، وهو يفلت من نظرات أبيه مختبئاً خلف كوم من القشِّ خارج الحقل: لماذا يريد أبي أن ينفرد بأحمد؟ آه لو أني أعرف.

للوهلة الأولى ظنَّ حامد أنَّه في حلم مزعج، يريد الخروج منه قبل أن يتوقَّف قلبه، لكنَّه فشل في ذلك، وهويراقب عن كثب ما يحدُّث قرب السَّاقية. تمشى نظره بحذر من خلال كوم القشِّ، فخُيِّلَ إليه أنَّ أباه يزداد طولاً وعرضاً، بينما راح أحمد يتضاءل أمامه كأرنب مذعور، والأب يناديه: اقترب يا أحمد، تعال سأغسل لك وجهك.

 يردُّ الصَّغير ببراءة: غسلت وجهي في البيت ياأبي.

 يدعوه ثانية بإصرار: اقترب سأغسله لك مرَّة أخرى.

 مشى أحمد باتجاه أبيه ببطء شديد، وعيناه تتفحَّصان المكان الخالي من البشرإلا منه وأبيه علَّه يجد من ينقذه من غسل الوجه هذا، فهو لايحبُّ الماء، وعندما كانت أمه تدخله للاستحمام، كان يملأ البيت صراخاً وبكاء منذ أن كان وليدا.

 لم يجد أحمد حوله سوى الأشجار، ويدي أبيه، والعصافير التي راحت تهجر وكناتها، وصوت البوم ينعق في الحقول المجاورة. أطبق حامد بكفيه على القش دون أن يلفت انتباهه مرور أفعى صغيرة بالقرب من رجله اليسرى، ربَّما جاءت لتكون من الشَّاهدين . وصل أحمد إلى السَّاقية حيث يقف أبوه الذي سرعان ما أمسك برأسه الصَّغير، وراح يغمس وجهه في الماء بعنف، وأحمد يرجوه خائفاً:

 أرجوك ياأبي لا أريد غسل وجهي ساعدني ياأبي أرجوك.

 ولكنَّ الاب يزداد ضغطاً فوق رأس أحمد، ويدخله في الماء كلَّما حاول أخراجه منه متوسلا بعطف أبيه. يزداد عزم الاب وقوَّته في عملية غسل الوجه الغريبة هذه، بينما راحت رجلا أحمد تحاولان الطَّيران في الهواء، كأنَّهما تريدان أن تصبحا جناحي نسر ينقذان صاحبهما من الموت، ولكن …

لحظات مخيفة، رهيبة عاشها حامد بكلِّ تفاصيلها المؤلمة التي ستظلُّ تعصف في قلبه، ووجدانه مدى العمر، لايدري كيف سيعيش بعدها، أويصفها، قد يكون الموت أرحم منها به ألف مرَّة. ترك حامد لنفسه فسحةً من أملٍ اختطفها من الخيال محاولا إيهامَها بكذب مايرى، كاد يصدِّق ما افتراه على نفسه، فلربَّما كان يعيش حلماً، أويرزح تحت وطأة كابوس مزعج ألمَّ به سهوا في لحظة خوف من شيء ما، لكِنَّه سرعان ماأحس باشتداد وطأة الرُّعب في إيلامه، وهي تنقضُّ على قلبه.. تفترسه.. تمتصُّ دماءه من شراينه الدَّقيقة التي كادتْ تنفجر من شدَّة الضَّغط فيها. أحسَّ بالغليان في داخله، بينما راحت حرارة جسد أحمد تتلاشى متَّحدة بحرارة المكان، وتوقَّفت رجلاه عن محاولة الطَّيران الفاشلة.

 هدأ النّسرُ الصَّغيرعلى حافة السَّاقية بين يدي والده، فألقى به فوق التُّراب جثَّة هامدة. شعر أبو حامد بنشوة عارمة وهو يقف قرب رأس صغيره الذي بدا كعصفورميتٍ بلَّلَ الماءُ رأسَه .

فرك حامدٌ عينيه، بينما باعد الذُهول بين شفتيه، وهويرى أباه يُخرج من جيبه علبة سجائره، ويتناول منها لفافة من التِّبغ يشعلها بعود ثقاب، يلقيه قبل إطفائه بالقرب من جثَّة أحمد الممدَّدة فوق تراب الحقل المبلل بماء السَّاقية، وعيناه تنظران إلى القتيل، وهو يتنفَّس الصَّعداء. يالها من طريقة بشعة لغسل الوجه لم يسمع بها حامد من قبل.

 ركض مذعورا مفجوعا يتلفَّت وراءه خشية َأن يكون والده قد شعربوجوده، فيلحق به ليغسل له وجهه بماء السَّاقية المشؤومة. وعندما سمعتْ فاطمة صوت حامد يخترق الفضاء عويلاً، وهو يقتحم باب البيت مستنجدا بها، وقع الخبرعليها صاعقا، أحرق في داخلها الأخضر واليابس، ركضتْ كالمجنونةِ بل أشدَّ جنوناً من أي مجنون على وجه الأرض، مسرعةً نحو الحقل، تقطع المسافة بدقائق معدودة، والجيران يلحقون بها بذهول.

 وصل الموكب النَّائحُ الباكي إلى مدخل الحقل لاهثاً بالتَّعب والحزن والخوف، بينماراحتْ الأمومة تتفجَّر بفاطمة شظايا متناثرة من الصُّراخ والعويل، وأبو حامد يطفىء عقب لفافة تبغه بالقرب من رأس أحمد.

نظر إليهم بهدوء مقزِّزٍ وهو يقول: أحمد ولدي، وقد قتلته بيدي هذه، من كان له منكم شيءٌ معي فليتقدَّمْ وليأخذ ْهُ.

خلعتْ فاطمة غطاء رأسها، شقَّت ثيابها جاثية فوق جثَّة صغيرها، حملتها بين ذراعيها والدُّموع قد تحجَّرت بين هدبيها، صرخت بصوت حزين اهتزَّت له أرجاء الحقل ألماً:

–  زغردي يا سنبلة.. لقد أخذ لك أبو حامد بثأر حسين.

تعالتْ الزَّغاريد في الحقل المجاور والدُّموع تنساب شلالاتٍ من عيون الحاضرين. وعندما سأله المحقق:

–  لماذا قتلت ابنك أحمد؟

 أجاب بفخر واعتزاز: قبل عدَّة سنوات قتلت ابن عمي حسين خطأ، عندما كنت أدافع عنه ضدَّ جاره اسماعيل، فأصابه فأسي بضربة قاتلة في رأسه، وقد سجنت بسبب ذلك عدّة سنوات.

سأله المحقق: ما علا قة ذلك بقتلك لأحمد؟

أجابه ورأسه مرفوع إلى أعلى: ليس لابن عمي ولدٌ ولا أخٌ ولاأختٌ، فمن سيأخذ بثأره إنْ لم أفعل ذلك أنا بنفسي ومِنْ أعزِّ الناس بالنِّسبة لي؟

 سيق الرَّجل إلى السِّجن، ومازالت فاطمة وحامد يطالبان بإعدام أعزِّ النَّاس إليهم.

بقلم

زاهية بنت البحر

عملية تجميل

0

  05 أبريل

عندما أقتنع بشيء ما في الحياة، فمن الصعب أن أغير قناعتي به حتى لو بلغت التحديات ذروتها. الإنسان في نظري موقفٌ وقرار وعليه أن يكون بحجم موقفه وقراره، وإلا فليخلع عنه صفة إنسان راشد، وليختر اسماً آخر مما يناسب شخصيته، فما مواقفنا في هذا العمر سوى عنوان لنا، ولكن هناك أمور قد لانستطيع تجاوزها بسهولة لشأنٍ ما، ونضطَّر غالباً للمجاملة دون قناعة منا، وقد تسلبنا شيئاً من سمات شخصيَّتنا بحجم التنازلات التي قدَّمناها، والمواجهات عموماً كثيرة مادمنا في هذه الحياة، نصيب تارة ونخطيء تارة أخرى.
ظلت والدتي تطاردني بمطالبتها لي بمرافقتها إلى عيادة الدكتور عبد الباري الذي عاد مؤخراً من بريطانيا برفقةِ أعلى الشهادات الطبية المتخصصة بالجراحة التجميلية.
حاولت الهروب من ملاحقتها لي، وإلحاحها الذي أصبح في الآونة الأخيرة مزعجاً لكل من في البيت، ولكنَّ لم يحالفني الحظ بإقناعها خاصة وأنني قد أصبحت في سن الزواج، وتخطيت الثانية والعشرين، وهي تخاف علي من كابوسَ العنوسة الذي يجثم فوق صدور الكثيرات من بنات جنسي، وأمَّهاتهن، ويرعبهن أكثر من أي شيء حولنا، فقالت لي ذات يوم:
– لويُرفع أنفك إلى الأعلى قليلاً لأصبح فرنسي الطابع، ولزاد جمال وجهكِ، ولحظيت بعريس أفضل منه لو أنَّه جاءكِ وأنتِ بهذا الوضع الأنفي الذي يدعو للنفور منك. سامحها الله كم كانت قاسية.
منطق أعوج، أرفضه جملة وتفصيلا، ولكنَّني أضعف من أن أقاوم تيار غضب والدتي المشحون بالتأنيب من قبل والدي الذي أستطاعت التأثير عليه عاطفياً، وبشيء من دموعها الغالية، وذكر أسماء عدة فتيات من معارفنا تزوَّجن بعد أن أجرين بعض التعديلات على وجوههن وأجسادهن، أمرني أبي بمرافقة أمي غداً إلى عيادة التجميل.

في هذه الليلة أصابني الأرق مصحوباً بقلق عجيب لم أحسه يوماً من قبل، ورغم مداعبة النعاس لي، فإنَّ السهر صاحبني إلى أن سمعت المؤذن ينادي لصلاة الصبح، وأنا أقلـِّب الأمر من كل جوانبه فما استطعت تقبله، وأخيراً غططت في نوم عميق ربما قبل الشروق بوقت قصير واكتسبت إثم التخلف عن صلاة الفجر فأيُّ أنف هذا سأرفعه يوم القيامة؟!!

وجاء يوم جديد، فتنهض أمي من فراشها نشيطة على غير عادتها، والفرحة تتمايل في عينيها، وكأنَّها في عرس أحد أبنائها، بينما كنت أنا في وضع نفسي يسر أعدائي. لأول مرة أحس بالغيظ من أبي رغم حبي الكبير له، بقي في البيت لمرافقتنا إلى دكتور التجميل هذا الذي سبب لي دون قصد منه الكآبة والضيق، أظن الدكتور عبد الباري جميلا مادام يصنع الجمال للآخرين ولن يبخل على نفسه به.
وصلنا عيادته في الساعة الحادية عشرة والنصف، نظرت في وجه أمي، فرأيته يزداد جمالا، خفت عليها الحسدَ خاصة وقد تخطَّت الخمسين، بينما تدنَّى جمال من هنَّ في مثل عمرها، لاحظت أمي انبهاري بوجهها، فابتسمت بسعادة وكأنها علمت بما في نفسي.. اقتربت مني بهدوء وهمست في أذني: ستصبحين أجمل من أمك يا بثينة عندما تـُجرى العملية لأنفك الكريه هذا.

شعرت بانقباض في صدري، وهي تلفظ كلماتها التي رشَّقتني بها بعنف الأعداء المحاربين، أشحت بوجهي عنها، والدموع ملء عينيَّ المهزومتين بحنانها المدفعي. لم تلاحظ ما أصابني من ألم فقد شُغلتْ بالحديث الذي كان يدور بين بعض المراجعين من الموجودين في غرفة الإنتظار.

اتساع المكان أضفى على العيادة جمالاً ملفتاً كموقعها الاستراتيجي وسط العاصمة ببناء حديث، وديكور فخم ومفروشات مبهرة، عيادة نموذجية يحلم بها الأطباء عندما ينهون دراستهم. تفحَّصت ُالحاضرين نساءً ورجالا ،كاد زمام نفسي يفلت مني فأضحك من بعضهم لا استهزاء بخلق الله والعياذ به، وإنَّما من تدافعهم من أجل الدور ومن سيسبق منهم بالدخول إلى الطبيب الذي تأخر بالوصول بحجة انشغاله بإحدى العمليات في المستشفى، وعندما وصل أسرعتْ الممرضة إليه بأسماء المراجعين، وراحوا يدخلون غرفة المعاينة تباعاً.

شيء ما لفت انتباهي في أنف الممرضة إنَّه ليس فرنسياً كما تحب أمي وأراهن بأنَّ أنفي أجمل من أنفها، ومع ذلك فهي لم تجرِ له عملية تجميل، ولو أنَّها فعلت لزاد عدد المراجعين عندما يعلمون أن الطبيب هذا قد جعلها أجمل من سابق عهدها بالمقارنة بين صورة لما كان عليه من قبل وما هو فيه بعد الجراحة، ولكن كما يبدو هناك حكاية منعتها من تغيير شكلها، فابتهلتُ إلى الله أن يكشفها لي فأُعْلِمُ والدتي بها عسى أن تمتنع عن قص أنفي تجميلياً.

مازالت أمي تنصت باهتمام أشد إلى المتحاورين وكان المتحدث رجلاً ربَّما تجاوز الأربعين من العمر، أحسستُ بالنفور من النَّظر في وجهه، فقد ذكَّرني بذاك المجرم الذي كانت أمي تروي لنا بعضاً من جرائمه، وكيف كان يقتل الأطفال ويمتصُّ دماءهم؛ وجه الرجل ليس قبيحاً، ولكنَّه غير مريح.
أطرقت أرضًا، وأنا أسمع مع الحاضرين ما يقول :
– كما ترون أيُّها السادة لقد تبدَّل وجهي بآخر أكثر جمالاً مما كان عليه، انظروا إلى صورتي أتصدقون بأن من فيها هو أنا؟ أيها السادة لقد ولدت كما يولد الأطفال، ولكنَّني لم أكن جميلاً مثلهم، عشت بذاك الوجه أربعين سنة ملؤها العذاب والعقد، عندما كنت أسير في الشارع كنت أضع يدي فوق أنفي وفمي خشية أن ألقي الرعب في قلوب المارة إن فاجأتهم بوجهي، لقد بلغ أنفي من البشاعة حداً أورثني الوحدة، وفمي بشفتيه الضخمتين جعلني أعيش سجين الصمت عدة عقود كنت فيها محط سخرية الكثيرين من رفاقي في المدرسة والحارة، وحتى من بعض الأهل والأقارب الذين كانوا يؤلِّفون النكات حول أنفي وشفتيَّ، هل تصدقون أن أحد المستهزئين بي قال لي ذات يوم :- أبعد أنفك عن طريقي أريدُ أنْ أمرَّ، فوضعت سبابتي على أنفي أدفعه إلى الجهة اليسرى قائلاً للسَّائل: تفضل الطريق سالك.

– عشت خجولاً.. معقداً، ولمَّا أصبحت في سن الزواج لم تقبل بي فتاة ولا امرأة تمتلك ولو جزءا بسيطاً من الجمال، فوقعت فريسة بقبضة العنوسة، وأصبت بمرض نفسي كاد يودي بي إلى مصحٍ للأمراض العقلية لولا أن جاء من ينصحني بإجراء عملية تجميل أتخلص بها من الدمامة المقيتة.
بداية ترددت في اتخاذ قرارٍ حاسمٍ في هذا الأمر، والإقدام على تجربة خطيرة قد تنجح أو تفشل، ولكن الدكتور عبد الباري بينَّ لي بوضوح كل ما يمكن أن ينجم من إيجابيات وسلبيات من جرَّاء هذه العملية، وما سمعته من إيجابيات أعمى قلبي عن السلبيات، ودخلت غرفة الجراحة قبيح الوجه، وخرجت منها كما ترون، وعندما عدت إلى الحياة الاجتماعية بدأت أحس بأنَّني قد ولدت وأنا في الأربعين من العمر وأن( أنا) السابق بسنيه كلها قد مات واندثر ولم يعد أحد يعرفه بي، وغيرت مدينتي هربًا من أسئلة الفضوليين، فذقت من الحيرة والعذاب أكثر مما تجرَّعته بوجهي السابق، رغم أنَّي قد تزوجت وامرأتي حامل، ولكنَّها عندما وقعت صورة لي بين يديها نفدت من التلف الذي لحق بكل صورِي السابقة للعملية، علمت بحكايتي وطار صوابها وطلبت مني الطلاق وتريد أن تجهض الجنين خشية أن يكون قد حمل مورثات مني خاصة شكليْ أنفي وفمي .

وقعت بمحض إرادتي في شرك الجمال المصطنع، ونسيت أن المورِّثات باقية، وأن النفس عالقة بالماضي وإن تخفـَّتْ بوجه جديد. وقد ترتكب زوجتي جريمة بقتل الجنين كما هددتني، فهل سأسامح نفسي إن هي فعلت؟ لا أظن ذلك أبدًا. جئت اليوم إلى الطبيب كي أستعيد وجهي الحقيقي الذي خلقت به، كرهت الحاضر لأنَّه سلب مني الماضي وإن كان أليما، هل يستطيع الدكتور عبد الباري إعادتي كما خـُلقت؟ سأتوسل إليه وليأخذ ما يشاء من النقود، أخشى أن يعجزه الأمر، ولا أدري حينئذ ماذا سأفعل، قد ارتكب جريمة إنْ قتلت زوجتي طفلي القادم وإن كان شبيها بسابق وجهي، وقد أسبب ضرراً للطَّبيب. إن هو فشل في المهمة التي جئت إليه من أجلها.

كانت أمي تصغي باهتمام لكلِّ كلمة تفوَّه بها هذا الرجل المقهور بقطع أنفه، ومسخ شفتيه، بينما راح والدي يرشقها بنظرات الغيرة المتتالية دون أن يحظى منها بقبول، جلس المتألم صامتا متعباً وكأنه قد وصل تواً من ساحة معركة، وجميع الحاضرين يرثون لحاله غير أنَّي جعلته الملومَ لانصياعه لنصيحة أصدقائه الذين ربَّما أرادو له الخير فوقع فريسة للألم، ومن يدري فقد يصبح مجرماً إذا ما تفاقمت أزمته مع زوجته الحامل .

قطع حبل تفكيري صوتُ امرأة، نظرت إلى المتكلمة التي كانت تجلس مقابل أمي قرب فتاة شابة وسالتْها:
– كم تقدرين عمري؟

لم تتلقَ جواباً من أحد، فقالت موجهة الخطاب لوالدتي: كم تقدرين عمري ياسيدتي؟
فسألتها أمي :
– أتسألينني أنا؟!
أجابتها المرأة:
– نعم أنت؟
أربكها السؤال فالتفتت إلى والدي الذي كان يفور غيظاً مما يجري حوله ثم ردَّت قائلة:
– أظنك في الثلاثين .
ضحكت المرأة وهي تقول:
– بل فوق الأربعين بسنوات .
قالت والدتي بعجب:
– وجهك لا يوحي لمن يراك بهذه السِّن.
علا صوت المرأة بحدة وهي تقول:
– وهنا تكمن المشكلة.
سألتها والدتي:
أي مشكلة ؟
أجابت:
– تلك التي أعيش فيها منذ أن أجريت عملية التجميل وشدَّ وجهي، وشفط الدهون من بطني وشد.. فسألتها والدتي بفضول متجاهلة نظرات أبي التي راح يتطاير منها الشرر:
– وماذا يضايقك مادمت بهذا الجمال؟
أجابت:
– هو الذي يضايقني وينغص عيشي.
سألتها والدتي:
– من هو ؟
أجابت:
– الجمال الذي استجديته من عيادة الدكتورعبد الباري.
ضحكت أمي بصوت عال جعل أبي يشدها إليه، ويهمس في إذنها كلاماً أحرجني قبل أن تعي أمي ما وراءه من غضب ألَّم بوالدي. التزمت الصمت بينما راحت المرأة تكمل حديثها قائلة:
– ليس بيننا غريب، أنتم في مقام إخوتي وأخواتي والكبار منكم في مقام والدي.

– عشت حياة هادئة مع زوجي المرحوم محسن، ظلت السعادة ترافقنا عشرين عاماً أزعجت الأعداء وأسعدت المحبين، وفجأة دون سابق إنذار اختطف الموت محسن وغيَّبه عني.. أحسست بالحرمان لفراقه، ولكنني قمت بواجبي في تربية ابنتنا حنان خير تربية، وعندما أنهت دراستها الجامعية تزوجها ابن عمها صادق، وسافر بها إلى إحدى دول الخليج .

وجدت نفسي وحيدة بين أربعة جدران، واستطاعت الوحدة أن تنسج في خبايا هذه النفس المتعبة هواجس الخوف من المستقبل، خاصة عندما كنت أنظر في المرآة، فأرى خطوط وتجاعيد الشيخوخة قد بدأت تأخذ لها متَّكأ فوق وجهي. كنت أسمع كثيراً عن المطربة فلانة، والممثلة علاّنة، وتلك الراقصة كيف استطعنَ إعادة الشباب إلى وجوههنَّ بعد أن فتكت بهنَّ الشيخوخة، فزرت عيادة الدكتور عبد الباري بعد أن قرأت إعلاناً له في إحدى الجرائد. دفعت مالاً كثيراً واشتريت به شباب وجه ونضارة بشرة، في بداية الأمر أحسست بالسعادة، وعدت بثقة أكبر إلى لقاء صديقاتي اللواتي مالبثن أن رحن يبتعدن عني بأعذار مختلقة، وكلما كنت ألتقي إحداهن وأسألها عن سلمى، أو رحاب، أو، أو، كانت ترتبك في رد الجواب، ثم ما تلبث أن تخبرني بأنَّهن بدأن يخشين على أزواجهنَّ مني .

شعرت بالغرور يغزوني ويدعوني للشموخ برأسي، فأنا مازلت شابة بينما أدركت الشيخوخة صديقاتي، فبدأت نفسي تتمرد علي، وتطلب مني رفيقاً لها في الحياة لتأخذ حظها من سعادة أوفر. تقدم لخطبتي أكثر من أرمل متقدِّم في السن، ولكنني رفضت بشدة، فأنا أريد زوجاً شاباً في الثلاثين لامن هو على حافة قبره، فأكون له ممرضة أكثر مني زوجة.
ذات يوم جاءت لزيارتي بشيرة المختار زوجة عم صهري حسين الراعي، وحدثتني بشأن ابن عمها أحمد، شاب في الخامسة والثلاثين من العمر، ويطلب الزواج مني، وأمطرتني بالثناء عليه.. أخلاقه عالية.. تدينه رفيع المستوى، ولا يشكو إلا من ضيق ذات اليد. هذا الأمر رأيته تافها أمام ما ذكرت من شباب وجمال، وكمال.

تم زواجنا خلال شهر، ومنذ الليلة الأولى أفرغتُ في أذنيه أسرار حياتي كلها، وبعد يومين من الدُّخلة بدأ زوجي المصون يرفع الستار عن مكنونات نفسه، فراح يلمح بفارق السن بيننا، وينتقد ملابسي، وألوانها الزاهية، وموضتها، ومكياجي، رغم أنني كنتُ أرى كل ما أنكره علي يناسب جمال وجهي، وتناسق جسدي إلا أنه ظلَّ يضايقني باتهامي بالتصابي، وتقليد الصغيرات، ويوماً بعد آخر بدأ يساومني مادياً، ويطلب راتباً شهرياً مقابل بقائه زوجاً لي، تعرضت للضرب منه ذات يوم، عندما رفضت إعطاءه مبلغاً كبيراً من المال، وعندما هدَّدني بالطلاق أعطيته المبلغ خشية الفضيحة، وكلام الناس الذي لم أحسب له في البداية أدنى حساب.
علمت مؤخرا بخطوبته من فتاة في السابعة والعشرين من العمر وعندما واجهته بالأمر، لم ينكر الخبر، بل صارحني بوقاحتة المعهودة بأنَّه لم يتزوجني إلا لأجل المال، وبأنه لا يراني إلا ختيارة متصابية، ويجب عليَّ أن أفهم ذلك جيداً، وألَّا أظنَّ بأنه سيدفن شبابه برفقتي، فأخبرت ابنتي بما وصلت إليه حياتي مع هذا الرجل الأجوف، فحاولت لمَّ شتات نفسي المعذبة، ودعتني للسَّفر إليها، ومنذ ذلك اليوم وأنا أكره وجهي المزيَّف، ولم أعد قادرة على البقاء أسيرة لشباب كاذب وهبتني إياه أنامل الدكتور عبد الباري، فقالت لها أمي في محاولة لامتصاص غضبها:
– ولكنك جميلة ياسيدتي فتقبَّلي الواقع الذي أنت فيه اليوم، ولو طلِّقتِ من زوجك هذا فقد يرزقك الله برجل يقدرك ويحترمك.

نهضت المرأة ويداها ترتجفان، فخفت على أمي منها، بينما تهيَّأ أبي للدِّفاع عنها إن أطبقت كفا المرأة الثَّائرة برقبتها، وقد صرخت بصوت غاضب:
– لقد طلقته ولاأريد هذا الجمال.. إنه سبب ما أعانيه من آلام.. لم يعد باستطاعتي التأقلم نفسياً مع جسدي المزيف، كلما نظرت في المرأة رأيت امرأة شابة تخالفني فكراً وعاطفة تطلب ما لا يرضيني.. صرتُ أخافها، لقد حطَّمتُ المرآة يوم أمس، وبتُّ أخشى الجنون، صدِّقيني أنا لستُ أنا، فهذه المرأة التي هي أمامك بحاجة لنفس شابة، وقد تخطَِّيتُ أنا مرحلة الشباب منذ زمنٍ طويل، أمَّا أنا الحقيقية فبحاجة للوقار والهدوء، والراحة.. إنها غلطتي يوم أن سايرت ضعفي، واستسلمت لأوهام الشَّيطان، فلعب بي، وجعلني مهزلة لنفسي ولمن حولي.

اقترب والدي من أمي وأمسك بيدها وسحبها من الغرفة، فتبعتُهما وصوت المرأة يعلو وهي تقول:
– أريد وجهي الحقيقي أدخليني إلى الدكتور أرجوك ياابنتي، ولمَّا وصلنا إلى الباب الخارجي للعيادة قال أبي لأمي بغضب:
– إيَّاك أن تعودي للحديث مرَّة أخرى بشأن أنف ابنتنا، لن أطاوع امرأة ولا شيطاناً ولا أحداً في معصية الله ولو طلَّقتك ياامرأة.

نظرت أمي إلي َّ قائلة: انظر إلى أنف ابنتنا إنه أجمل أنف في العالم وعندما يأتي الّنصيب، سيراها الزَّوُج كما أراها أنا حلوة، لطيفة، مؤنسة، فالجمال الحقيقي هو جمال النَّفس والرُّوح، وليس جمال الأنف المرفوع ولا الجسد المشفوط والمشدود.

بقلم
زاهية بنت البحر

يمين طلاق

13

 

 

عندما سمعت بشيرة صوت نقرات على الباب، شمّت رائحة زوجها العائد من الحقل بعد يوم عمل شاق، أمضاه في حرث الأرض، والعناية بتربتها قبل موعد الزرع.. بدافع من الشوق تهيأت لاستقبال القادم، بشيء من الأنوثة، رتّبت خصلات من الشّعر المتناثرة فوق جبينها، ورطبت برضابها شفتيها المتشقّقتين، ولم تنسَ أن تضيء وجهها بابتسامة رقيقة، أوحت إلى صغيرها فهد بوصول أبيه، فلحق بها لمشاركتها مراسم الاستقبال الّتي أحبها، ونافس فيها والدته في أحيان كثيرة.. وعندما فتحت البّاب، تأكّد لها أنها مازالت تحبّه كأوّل يوم التقت به قبل ثمان سنوات، رغم ما ينتابه من تغيرات نفسيّة قد تكون مؤذية إذا ما ألمّ به خطب عظيم.. قال لها ذات يوم في جلسة صفاء: أكره ضعفي عندالغضب.. أتبدّل بآخر لا أعرفه، قد أزور طبيبا عمَّا قريب.. أيّدته بشيرة بابتسامة عذبة، فابتسم..
وحين خرج من الحمّام، وقد أزال ما علق به من تراب وغبار، وما أفرزه جسمه من عرق، وجد ابنه فهد قدّ مدّ له سجّادة الصّلاة، فأدّى فرضَ العصر وبشيرة، والصّغير يأتمان به.. فوق حصير تحلّق الثّلاثة حول طبق من القش وضعت بشيرة فوقه صحون الطعام، وراحوا يتبادلون أطراف الحديث، وهم يتناولون غداءهم بشهيّة مفرطة.. كان المرح سيّد الموقف، إنها أوقات المعانقة العائليّة، حيث المحبة والهناء.. أفرغ أبو فهد في فمه آخر قطرة من الشّاي كانت في كأسه، والنّعاس يداعب جفنيه، بينما راح الصّغير يضحك من أبيه، واضعًا يمناه فوق شفتيه خجلا من الفراغ الّذي أحدثه سقوط بعض أسنانه اللبنيّة في سنّ التّبديل.. تثاءب سعيد وهو يمدّد جسده فوق الأريكة، وعيناه تنظران إلى بشيرة بحبّ وامتنان.. أحسّ فهد بالملل بعد استلقاء والده، فاستأذنه بالخروج إلى الحارة للعب مع رفاقه الذّين ملأت أصواتهم أرجاء الغرفة ضجيجا، فسمح له على أن لا يتأخر كثيرا خارج البيت..
أغلق فهد الباب وراءه بهدوء، والفرحة تطير به على جناح الحيوية والنّشاط للقاء أصدقائه الأحباء، بينما أبحر أبوه في نوم لذيذ..
إغفاءة قصيرة تصيّدتها عينا بشيرة قرب زوجها، لكنّ صراخ الأطفال خلف النّافذة وصوت بكاء وحيدها فهد، قطّع شباك صيدها، وأفلت النّوم من عينيها، فهبّت مذعورة تستطلع الأمر.. قبل أن تصل يداها إلى النّافذة، امتدت يدا زوجها من خلفها، تدفع بالشّباك الخشبيّ إلى الخارج مستفسرا عمّا يبكي ولده.. هي مثله لا تعلم، وقبل أن تجيب رأته يقفز من النّافذة ويركض باتجاه فهد الذي كان يضع يده فوق عينه اليمنى، والدم يغطي وجهه وملابسه.. مشهد الدم جعل بشيرة تتخلّى عن أنوثتها، وتقفز من النّافذة كقردة متمردة وهي تصرخ: ما بك يا فهد؟ ماذا أصابك؟ ..فهد لم يجب، وكان جواب الدّم أبلغ..
رفع سعيد يد ابنه عن عينه… هاله ما رأى.. تبدّلت العين الزّرقاء الصافية بهوة مظلمة، عميقة بعمق الألم، تنبع من جنباتها الدّماء ممزوجة بشيء من الدّمع اللزج.. أخفت بشيرة وجهها براحتي كفيها، والكلمات تموت فوق شفتيها، بينما كانت القوة تنمو في جسد سعيد نارًا، يندفع بهاهاربًا بابنه إلى المشفى القريب، علّه يجد فيه من يطفئ تلك النّار الّتي راحت تأكل داخله بشراهة، وحين خرج الطّبيب من غرفة الإسعاف، ربّت على كتف سعيد مواسيًا ومعزّيًا بفقء عين فهد، دارت به الدنيا… دارت… دارت وازدادت ناره اشتعالا…
انتشر الخبر في القرية، فاجتمع الأهالي عند باب المشفى يستطلعون النّبأ، فشمّوا رائحة الحريق تخرج من فم سعيد بقوله لبشيرة على مسمع من الجّميع: أنت طالق يا بشيرة بالثّلاثة ما لم أذبح محمود الذي فقأ عين فهد.. الجميع يعلم كم يحب الرّجل زوجته، ويعلمون أيضا كيف حارب من أجلها حتّى انتصر، فكيف يطلّقها؟!!
تطاير رماد الحريق في أجواء القرية الهادئة، فاستنشقه سكانها ريحا صرصرًا.. فاجعة ألمّت بالقرية الآمنة قبل الغروب، عين فقئت، وطفل سيذبح، أو امرأة ستطلّق، ياللهول، أحجرٌ في مقلاع طفل صغير يقيم الدّنيا ولا يقعدها فوق الرّؤوس؟!!! لمَ لا وحجر صغير في مقلاع طفل صغير، قد يسقط حكومة تمتلك القنابل الذّريّة، بل حكومات..
أمام المحقق قال سعيد: هل من المعقول أن أرفع قضيّة على طفل صغير؟ قال المحقق: لكنّك هددت بذبح الفتى..
أجاب سعيد بابتسامة صفراء: إنّه كلام يقال عند الغضب، إذا ذبحته، فاذبحوني.. وأغلق المحضر..
استنشقت عزيزة الرّماد ملء رئتيها، فانهارت كغزالة بين أنياب ليث.. قال لها زوجها مشفقـًا، وقد تأبط بندقيّة الصّيد الّتي يمتلكها: ثقي بي، لن أسمح لمخلوق بمسّ شعرة واحدة من ابننا محمود.. لكنّها لم تعد تثق بأحد..
خبأت عزيزة ابنها في ركن خفيّ من المنزل، وأحكمت إقفال الباب، دعمته بالدرباس، وأغلقت كلّ النّوافذ، والطّفل منهوك القوى، مسلوب الهدوء، يتبرأ من صيده الثّمين الّذي أصابه بحجر طائش لم يكن يقصد به شرّا..
وحين عاد سعيد بابنه إلى البيت ، سأله فهد: هل سأرى بعيني يا أبي بعد رفع الضّماد؟
أجابه بحرقة: من قلع عينك يا ولدي، سأقطع عنقه بالسّكين..
سأله فهد ببراءة: وهل يعيد قطع عنقه عيني؟
هذه المرة لم يجب بل همست بشيرة في أذن فهد: الحمد لله أن لك عينا ثانية ترى بها يا بني..
أحاطت الشّائعات القرية، وتمرّدت الطّمأنينة فيها، فسجنت بالقلق، وراح الأهالي يتقوقعون في بيوتهم بعد كل غروب، وإذا سمعوا صوت امرأة تصيح ظنّوا أنها عزيزة.. تمطّى الخوف في القرية وعربد في شوارعها، وخيّم اليأس فوقها شبحا اقشعرت له الأبدان..
صمت.. دمع.. وعد، وسكين عطشى تنتظر الدماء.. عاشت عزيزة في قبضة الفزع أيّاما يتفتت فيها قلبها في كلّ لحظة مئة مرّة، فانهارت قواها، وغشي الضّباب عينيها، وشلّ الأرق تفكيرها.. طال الحصار، أرهقها، فسألت زوجها في لحظة وعيّ عابرة، أن يهربا بمحمود إلى العاصمة، هناك لن يستطيع سعيد الوصول إليه في مدينة واسعة تكتظ بالسّكان، وتمتلئ بالحارات..
كاد الرّجل يوافق زوجته لولا تدخّل الأهل والمقربين منه الّذين كانوا يأتون لزيارته أحيانا، فأقنعوه بالبقاء كي لا يقال هرب جبنًا، فيطعن في رجولته، ويفقد احترام الجميع.. في قرية الرعب كان هناك شيء ما يجري في الخفاء، وقد آن الوقت لكشفه، والإفصاح عنه، لكنّ ذلك يحتاج لأذكى الرّجال، وأكثرهم حنكة ، قوة، وجاها.. الخطب جلل، أصاب الوهن النّفوس كما أصاب الرّكب.. ولكن رغم ذلك مازال هناك رجال يفكّرون، ويدبّرون، وينفّذون..
اجتمع أكابرالقرّية ووجهاؤها في بيت المختار، بدعوة من الشّيخ مفلح إمام وخطيب المسجد لبحث المشكلة، وإيجاد حل يرضي الطّرفين..
اختلفت الآراء، علت الأصوات، وسادت الفوضى جوّ الاجتماع..البعض طالب بدفع دية عين فهد مبلغا يحدده سعيد، أو تقلع عين محمود.. أمّا البعض الآخر، فقد أراد احتساب الأمر قضاءً وقدرًا، وآخرون شغلهم مصيربشيرة..لم يتّفق القوم على حلّ يطفئ نار الفتنة، فرأى الشّيخ مفلح أنه من الضروري وجود سعيد بينهم لقطع الأسلاك المكهربة في تلك القضيّة الشائكة، ولكن من يستطيع أن يأتي به، وقد رفض المجيء
؟ امتشق المختار قامته دون الجميع، متسلحا برباط الدم الّذي يصله بسعيد عن طريق أحد أجداده، متعهدا مسألة إحضاره طوعا أو كرها، فتمنى له المجتمعون التّوفيق في مهمّته..
بعض الرّجال انزلقوا في الحديث إلى شفا هاوية، كاد بعضهم يضرب بعضا، أمّا المختار، فقد كبّل سعيد بحنكته المعهودة، وعاد به بعدقليل، وعيناه مطرقتان في الأرض حزنا، وغثيانا، رحب به الجميع، فشعر برجفة.. نظرالشّيخ مفلح في وجوه الحاضرين، توقّفت عيناه عند سعيد، فوجده في هوّة سحيقة، يصعب الخروج منها دون جهد.. بادره قائلا: والله لن نرتدي لباس النّساء، ونذرف الدّموع مادام للرجولة فينا بقية..
تحدّث الشّيخ حتّى تعب، ظلّ سعيد صامتا، جامدًا،
كمصلوب، إلى أن قال: كلكم يعلم كم أحبّ زوجتي، فهلّ أطلّقها؟!!!
صاح الجميع: لا
انفرجت أسارير الشّيخ مفلح فقال: نفدي لك اليمين..
سأله سعيد ببرود: كيف؟
أجابه الشّيخ مفلح: طلّق أم ّفهد، ثم تزوّجها ثانية، وأنا أكتب الكتاب في حفلٍ كبير..
انتفض سعيد غاضبًا وقال: لا، والله لن أطلّقها مادمت على قيد الحياة..
قال الشّيخ: لا تطلقها يا سيدي، خذ دية العين ما تشاء من المال ..
قال باسما: لست بحاجة للمال.. عين ابني أغلى من أموال العالم كلّه..
طال النّقاش بين أخذ وردّ، وسعيد متشبث برأيه لا يتزحزح عنه قيد أنملة..
لم تفلح كلّ المحاولات في رده عن عزمه، ولكن لابدّ من حلّ لإنهاء المشكلة خشية أن تتطورالأمور إلى الأسوء..
بعد تفكير طويل قال الشّيخ مفلح: هناك حلّ قديرضيك..
سأله سعيد ببرود أكبر: ما هو؟
أجابه:سأخبرك به ولكن بعد أن تقسم بالله العظيم أمام الجميع أن لا تصيب الصبي بأذى..
قال سعيد : أقسم على ذلك، إن كان الحلّ يرضيني ويشفي غليلي..
قال الشّيخ والقوم يحدّقون به: تمرر سكينا فوق رقبة محمود كأنّك تذبحه، ولكن دون أن تمسه بسوء، وهكذا تفدي يمينك، وينجو محمود، وتأخذ أيضا دية العين..
أبدى سعيد إعجابه بهذا الحلّ بابتسامة عريضة بينما ضجّ المجلس استنكارًا، وبعد أن مسح الشّيخ مفلح على ذقنه سبع مرّات، ساد الصّمت أرجاء المكان، ورضي الحضور برأيه، ولكن هل سيرضى أبو محمود به، ولو مسح الشّيخ على ذقنه بعدد الشّعر الّذي فيها؟
رضي أبو محمود برأي الشّيخ مفلح، دون مسح أو غسل لذقنه أو تمشيط، فهو يعلم أن كلام الرّجل عقد دون حبر أو ورق، وهو يعلم أيضا أن سعيد رجل صادق إن قال شيئا فعله، على حين رفضّت عزيزة أن تسلم ابنها للخطر، وهمّت بالهروب به في غفلة من زوجها، إلى مكان لا يعرفهما فيه أحد، لكنّها فشلت أمام إصرار زوجها على إنهاء المشكلة..
ما أصعب الخصومة، الكره بغيض، والخلاص منه يتطلّب حكمة وتسامحا، كرما وإيمانا، فطنة وحذرًا، صلابة وشجاعة..
لأول مرة منذ دخول القرية في حالة الاكتئاب الجماعيّة، اكتظ الجامع بالمصلين الّذين أتوا لأداء فريضة الجمعة..
خطب الشّيخ مفلح خطبة مؤثّرة، جعلت بشائر الأمل تلوح في الأفق بعد غياب مقيت..
في نهاية الخطبة، أعلن الشّيخ أن يوم الاثنين القادم هو يوم التّصالح وفض الخلافات بين أبي محمود من جهة، وسعيد من جهة أخرى في حفل يضم أهالي القرية ..
نصب سرادق كبير وسط السّاحة التي تقام فيها الأفراح، وارتفعت الأعلام فوق رؤوس المحتفلين رجالا ونساء.. شيوخا وأطفالا.. دقّت الطّبول وعلت الزّغاريد، ومدّت الموائد في مهرجان لم تشهد القرية مثله على ذمّة الراوي، والله أعلم…
وبهذه المناسبة السّعيدة، قدّم أصحاب الخير المال بسخاء من أجل الفدية، والطّعام من أجل الحضور، والهدايا للطفلين..
فوق منصة الاحتفال، جلس الشّيخ مفلح متوسّطا الخصمين، ووجهاء القرية يحيطون بهم، بينما التصقت ركبة فهد بركبة أبيه، وجلس مرفوع الرّأس، منتصب الظّهر، وفوق عينيه نظارة سوداء، بينما جلس محمود في حضن أبيه خائفا، قلقًا، مرتجفا، ويداه معلّقتان بعنقه، وقد دفنَ رأسه في صدره خجلا من فعلته النّكراء، وفزعا من المجهول..
أكل القوم حتّى شبعوا، غنّوا، ورقصوا حتّى تعبوا، ثمّ ألقى الشّيخ مفلح كلمة، دعا فيها المحتفلين إلى الوحدة والتّسامح، وجعل المحبة طريقا للسّلام فيما بينهم. صفّق الحضور تأييد له،
وتعالت الهتافات تمجيدا بالمحبة والسّلام، وبأمر من الشّيخ تعانق الخصمان، كماتعانق الطّفلان، يحيط بهم جمهور غفير من الأصدقاء، والمقربين.. مشى الشّيخ مفلح إلى المكان الذي فرشت فيه سجادة بيضاء لتأدية الفدية، قام المختار بقص الشّريط الحريري إيذانا ببدء العمل.. داهم الرّعب محمود بوحشية، عندما شاهد السّكين بيد المختار، فحاول أن يخترق صدر أبيه بدموعه وتوسلاته كي يعيده إلى البيت، فقال له: لا تخف يا صغيري لن يصيبك أذى.. أنا معك ..
ولمّا عاد الغلام للبكاء نهره أبوه: أنت رجل، والرّجال لا يخافون، هيا قف منتصبًا..
أحس محمود بالإحباط فقد خذله أبوه، وأيقن أن لا حول له ولا قوة، فأضمر في نفسه ألا يحمل مقلاعه الصّغيرمرّة أخرى ..
أشار الشّيخ مفلح برأسه لأبي محمود، فتلّ الأخير ابنه فوق السّجادة البيضاء، ممسكًا إياه بكلتا يديه، بينما أعطى المختار السكين لسعيد وحذّره من الحنث باليمين.. نادى سعيد ابنه ليشهد فدية اليمين قائلا له: ستظلّ هذه اللحظات عالقة بذهنك مدى الحياة، واعلم أن لحظات الفرح قليلة.. أفتح عينك جيدًا، وعندما أخرج السّكين من قطعة القماش الملفوفة بها، حاول محمود الإفلات من يدي أبيه، ولكن ّبعض الحضور تحلّقوا حوله، وأمسكوا به من قدميه لتهدئة روعه، فشدّ الوهن ركبتيه وهويقاومهم، وعرقت جباههم، وهم يقاومون طفولته البريئة..
نظر الشّيخ إلى سعيد فرأه يخرج من هوّة الظّلام كمارد، ابتسم لأنّه قدّم الجهد الكثير من أجل ذلك، فقال له:
كن رجلا وافد يمينك بتقوى الله.
أناخ سعيد فوق رأس محمود وعيون الصّغار والصّغيرات تحملق بذهول بمشهد دراميّ يمثّل أمامهم حيّا على مسرح الحياة… تلاحقت الأحداث.. نظر سعيد في وجه فهد، أمره بخلع نظارته السّوداء عن عينيه، وعندما شاه دزرقة السّماء في اليسرى تسارعت دقات قلبه، بلل العرق جبينه، فقال له الشّيخ مفلح يستعجله:
هيّا يا رجل، افد يمينك قبل أن يصاب الولد بسكتة…
قال سعيد ساخرًا: لن أترك للسّكتة فرصة له..
اتجهت السّكين نحو طريقها تسير فوق رقبة رقيقة لينة، قطعت المسافة القصيرة بسرعة جنونية، فانفجرت نافورة من الدّماء تغطي السجّادة البيضاء بدم الطّفولة، والرّأس الصغير يتدحرج بين قدمي المختار، وعيناه تنظران إلى الشّيخ الذي وقف مشدوها، بينما راح الجسد الصغير يتخبط في بحر من الدّماء، وأبو محمود ممسك بيدي الذّبيح مذهولا، يدور محطّات النّدم، ويطحن فيها أوهام السّلام …

 

بقلم


زاهية بنت البحر
 

الغبي

2

Continue Reading →

%d مدونون معجبون بهذه: