الإعتراف(رواية لزاهية بنت البحر)

1

 

 

الأعتراف(رواية لزاهية بنت البحر)

سأعترف بجريمتي، فهل تسمعون ؟

سأقصُّ عليكم حكايتي مع ذلك الوغد الَذَي كان سبب ارتكابي الجريمة..

كانت حياتي هادئة مع زوجي، أحببته بكل نبضةِ قلبٍ حباً لا تستطيع الكلمات وصفه مهما علت قامة وتجمَّلت ألفاظا… الحبُّ في اعتقادي شعورٌ آدميٌّ بحتٌ، تعجز الحروفُ عن حملِ معانيه، وتفسير ماهيَّته مهما كان المتكلِّمُ بليغاً، فالكلمةُ باقية ، صامدةٌ، أمَّا الإحساسُ، فهو مرهفٌ رقيق ، شفَّافٌ، سهلُ الاختراق، وهو ينتهي بموت ِصاحبه، ويبقى (إن وُجِدَ من يذكره عن صاحبه) أشبهَ بالخيال(ذكرى)، لذلك ترانا نتشبَّثُ بهِ، ليغذِّي فينا القدرة على البقاءِ متعانقين حتَّى الموت.

عشت معهَ أجملَ أيَّام عمري، رغم أنني لم أرزقْ منه بطفلٍ يُؤنِس وحد تي، عندما كان يتركني وحيدة ًفي البيت، ويذهبُ إلى عمله في المدينة كلَّ يوم، ويعود في السَّاعة الثَّانية من بعد الظُّهر.

سامي هو ابنُ خالِ أمي، يكبرني بعشرين عاماً. عاش في المهجر سنينَ طويلة، استطاع خلالها أن يجمع ثروة ضخمة، فقد عمل مقاولا في ترميم البيوت، والمحلات التجارية، ولمَّا جرى المال بين يديه، افتتح محطَّة بنزين خصوصية، فأغرقته وأسرتـَه الصَّغيرة بالمال الوفير، ولمَّا قرَّرَ العودة إلى وطنه الأم، رفضتْ زوجته الأمريكية المجيءَ معه، وطلبتْ منه الطَّلاق، بينما بقي ولداه رامز وحسام هناك مع زوجتيهما، اللتين تعودان بأصولهما إلى إحدى العائلات المغربية، وراحا يُشرفان على العمل في المحطَّة بعد سفر والدهما..

عاد سامي وحيدا من الغربة، يحمل ستين عاما، ورصيداً هائلاً من الدولارات، ليبدأ حياة جديدة في وطنه الأم..

خلال فترة وجيزة من الزَّمن، أنشأ سامي مكتبا كبيراً للبناء، استخدم فيه عدداً من خيرة المهندسين في البلد لم يبخلْ عليهم بالعطاء، وإغراقهم بالمكافآت، فعُرِفَ مكتبُه واشْتُهِرَ بسرعة مذهلة..

بعد خمسة أشهر من عودته، تمَّ زواجي منه بوساطة ِخالتي بهيجة التي كانت تحبُّني، وتودُّ أن تخرجَني من حظيرة العنوسةِ على حدِّ زعمها، فقد تجاوَزتُ الأربعينَ عاما بانتظار النَّصيب الذي تأخَّر مجيئُه لأمر أراده الله، و كنت قد أنهيت دراستي الجامعية، وعملت معلِّمة للـُّغة العربية في إحدى مدارس البنات الإعدادية وبعد الزَّواج تركت الوظيفة نزولاً عند رغبة سامي..

سَعِدْتُ مع هذا الرَّجل في رحلة الزَّواج سعادة سبَّبت لي الألم بعد رحيلها عنِّي، فقد أغدق سامي عليَّ عطفه وحنانه وماله بسخاء، فبادلته تلك المحبَّة بأشد منها حبا، ووفاء..

كانت حياتي معه أشبه بحلم جميل، ولكم تمنيت ألا أصحو منه أبدًا، لا أدري من أينَ أبدأ بالحديث عن تلك السَّعادة التي شملت أيَّامي من كلِّ الجهات المادية منها، والمعنوية، فقد بنى لي بيتا فخماً في الضَّاحية، كان بشهادة من رآه أشبهَ بقصرٍ من تلك القصور التي نشاهدها في الأفلام السينمائية، غير أنَّ الحديقة التي كانت تحيط به راهن الكثيرون على أنها أجمل ما في البيت.. استطاع سامي بخبرته المعمارية الغنية أن يجعل من المنزل قصراً في بستان زيتون، يتوسَّطه مسبح ٌواسع، جعل تصميمَه على شكلِّ أوَّلِ حرفٍ من اسمي (س) وكان عندما يناديني بسناء كان صوته يرتجف من عظيمِ محبَّتِه لي..

ذات مرة دعاني لمرافقته إلى جانب المسبح من الجهة الغربية، ولم نكن في تلك الفترة من الزَّمنِ قد استقدمنا (عزَّام)وزوجته للسَّكن معنا في المنزل، والإشراف على شؤونه.

كان الجوُّ مشرقاً بثت فيه الشَّمسُ دفأها على كلِّ ما حولنا، وتخبأ برد شباط في ركن جانبي بعيدا عن حبنا، فغدونا كعاشقين صغيرين يعبثان بشيب الزَّمن، فيأتلق شبابا وغراما..

2

أمسك بيدي وراح يقترب بي من المسبح، وهو يسمعني من الكلام ما يبكيني سعادة وسرورًا، فيمسح بيده عن خديَّ الدموع برقة وحنان.. لم أشعر بالزَّمن وأنا استمع إليه بكل جوارحي المستسلمة لجمال بوحه، وعذوبة صوته، وروعة تفكيره، حتى لامست أقدامنا حافة المسبح، فقد كانت جميع حوافه بمستوى سطح الأرض عدى المكان الذي ثـُبِّتَ فيه السُّلمُ الحديدي الذي يصل إلى أرضه، بعمق أربعة أمتار متساوية من كلِّ الجهات، بخلاف المسابح الأخرى، بحيث يكون العمق فيها تدريجيا، وكان السُّلَّمُ يتحرك صعوداً وهبوطاً بواسطة الكهرباء من رأس العمود الضخم الذي كان المرتفع الوحيد قرب المسبح بثلاثة أمتار رغم أن طول المسبح كان قد تجاوز العشرين متراً وعرضه خمسة أمتار بما يتناسب وحرف السين، وكأنه أراد أن يجعل منه بحيرة تعكس زرقة السماء رمزًا لصفاء الحب الذي يجمعنا، ولكنني لم أكن أعرف السِّرَّ وراء جعل السُّلَّمِ متحرِّكاً بالكهرباء.. سألت نفسي وأنا أستمع إلى حديثه: كيف استطاع المهندسون عزل الأسلاك الكهربائية بحيث لا تسبب ضرراً إذا ابتلت بالماء؟ أحببتُ معرفة ذلك منه، ولا أدري ما أنسانيه.. شعرت بخوفٍ خفيٍّ يتسرَّب إلى داخلي، وأنا أشاهد هذه الحفرة الواسعة، وقد تخيَّلتُها فارغة من الماء، فوضعتُ يديَّ على عينيَّ هروبا من المشهد المخيف، وشعرت بدوخة، فأمسك بيدي، وسألني: أهناك ما يزعجك؟

أجبته: تخيَّلت المسبح فارغاً..

فقال باسماً: سترينه كذلك بعد أن ينظِّفه العمال خلال الأيام القليلة القادمة.. سألتقط لك بداخله بعض الصُّور لتبقى ذكرى..

فقلت له : لا أريد هذه الذِّكرى.

فسألني بشيء من الحزن: وإن كانت معي؟

أحسست بإساءتي إليه دون قصدٍ مني،فقلت في محاولة لامتصاص ما سبَّبتُه له من أحاسيس مؤلمة: كنت أمازحك، الصُّورة في جوف المسبح وهو فارغ من الماء ستكون مدهشة ومثيرة.. بعد عدَّة أيَّام دعاني لزيارة المسبح بعد أن تمَّ إفراغه لإدخال بعض التَّعديلات الهندسية عليه، وما كنت لأهتم بالحديث عنها معه، وعندما وصلنا إلى حافته عاودتني حالة الرَّهبة وأنا أشاهده فارغا.. لم يتركني سامي طويلاً في بوتقة اضطرابي هذا فقال لي:

سأطلعك على سرٍ لا يعرفه أحد غيري، ولكن بعد أن ننزل إلى أرض المسبح.. راقبي جيدًا ما سأقوم به.. راحت يده تضغط فوق القاطعة الكهربائية، فتحرك السُّلَّم ونزل بنا، وأنا أحسُّ بقلقٍ مفاجئ من جَرَّاء ِهذا الطَّلبِ الغريب من قِبَلِه.. ترى ما نوع السِّرُّ الذي سيطلعني عليه في حفرة، أولم تكن غرفتنا أكثر مناسبة للبوح به؟!!! سبقني بالنُّزول، فتبعته، وأنا أرتجف كعصفورٍ صغير خوفا مما أنا فيه، ومن سره المجهول، تمنيت لدقائق ألا أكون قد خرجت من حظيرة العنوسة، مقابل تعرُّضي لمثل هذا الموقف المثير حقاً.. شعرت بالاختناق وأنا في جوف المسبح، ظننته قبراً ضيقًا رغم اتساعه.. حاولت الصُّعود منه، ولكنَّ يد سامي القوية كانت أسرع من خطواتي، فأمسك بي، وراح يُحدِّق في عينيَّ المذعورتين بنظرات غريبة، للحظات شعرت خلالها بدنو الأجَل، وعجزت في قبضة خوفي الطاحن عن التَّكهن بما يدور في رأس هذا الرَّجل في تلك اللحظة المحرجة بل المخيفة، وأنا وحيدة معه، ربما شعر بسقوطي في هوة الرُّعب السحيقة التي ألقاني بها، فانفجَر ضاحكا، ويداه تضمني إليه بحنان ومحبة، فأحسست بشي من الرَّاحة ممزوجة بالقلق، وأنا ألقي برأسي فوق صدره ألتمس فيه الدفء والأمان، فقال بصوت يتدفَّقُ حنانًا: أكنت حقاً خائفة؟

أجبته ودمعة تنساب من عيني: نعم، ظننت..

لم يدعني أكمل، فقال هامسا وعيناه تزرعان في عيني الطمأنينة فيتشرَّبها قلبي رحمة وسلاما: من يرمِكِ بوردة أرمِهِ برصاصة… أحاطني بذراعه، وسار بي باتجاه الزَّاوية الغربية من المسبح.. أخرج من جيبه مفتاحاً صغيراَ جداً راح يلمع تحت أشعة الشمس.. جلس القرفصاء، ودعاني للاقتراب منه، فرأيته يدخل المفتاح في قفل صغير في الحائط ، ويدير به يده، وخلال لحظات قليلة رأيت العجب.. فتح باب في الحائط كان مموَّهاً من الخارج لا يستطيع أحد مهما كان ذكياً أن يكتشف وجوده، لأنَّه مبلط بالسيراميك كبقية أرجاء المسبح، مصنوع من الحديد بسماكة عدَّة سنتمترات، وقد سيِّجت جميع حوافه الدَّاخلية بعاذل مطاطي، يمنع تسرُّب الماء إلى داخل الغرفة، عندما يكون المسبح مملوءاً به.. لم أتبين ما وراء الباب لانعدام النُّور فيه، فقال بابتسامته الجميلة: انتظري سأريك شيئا.. اخرج مفتاحاً آخر من جيبه، ووضعه في مكان ما من الحائط الدَّاخلي للغرفة، فرأيت الحائط ينشق عن باب سرعان ما شاهدت ما وراءه عندما دخل منه إلى غرفة واسعة لا أدري كيف أضاء فيها النُّور، إلا بعد أن رأيت عدة قواطع كهربائية بطرف الحائط الخارجي للغرفة الأولى، و عندما فتح الباب فاحت من خلاله رائحة الرُّطوبة، فكدت أختنق، وهو يمسك بي، ويدخلني إليها..

 

3

شعرت بنبضه متسرعًا عندما ضمت يده يدي كأنه أراد أن يبث الأمن في صدري الذي بات متأرجح الهدوء، لاهث الأنفاس رغم الجهد الذي أبذله في طمس معالم خوفي في وجهي ونبرات صوتي.. كانت الغرفة فارغة كلها عدا الجدار الشمالي، تجثم باطمئنان عند كعبه خزنة حديدية كبيرة نبتت فوق جلدها الأسود المتشقق بالرطوبة عروقٌ من الملح رمادية اللون، اقترب منها وراح يفتحها بطريقة خاصة لا أفهم عنها شيئاً.. نظر إلي قائلاً: اقتربي وانظري..

انحنيتُ قليلا وأنا أنظر إليها.. كانت مليئة بالنقود، وببعض العلب المخملية الملوَّنة بأحجام مختلفة، فأخرج علبة خضراء، وقدَّمها لي:

– هذه لك يا سناء..

– : ما بداخلها ؟

– : عقد ماسي، ثمنه ستُّون ألف دولار..

قلت بدهشة: ستون ألف دولار ؟!!

-: أجل ولك منها المزيد.

-: ولكن أولادك ما..

– : تركت لهم ما يكفيهم، وأولادهم لسنين طويلة، هذه الخزنة ومحتوياتها ستكون لك بعد وفاتي..

– يا لقسوتك.. غرستَ سكينًا في صدري..

تركته، وركضت باكية باتجاه السُّلَّم، فناداني ضاحكاً: لا تبكي يا حبيبتي أما ترينني ما زلت شابًا قويًا؟

وراح يضحك بجمال لم أره فيه من قبل.

وعندما عدنا إلى غرفتنا سألته لماذا يضع نقوده في المسبح حيث الرُّطوبة والماء، فأخبرني بأنه لا يحبُّ التَّعامل مع البنوك، وهذا المكان لا يمكن لايِّ لصٍ أن يطاله و بابتسامته المعهودة قال: – لا أحد يعرف هذا المكان غيرك.. بناه عمالٌ من خارج المدينة..

منذ ذلك اليوم أصبح للمسبح مكانة خاصة في نفسي لم أستطع تحديد هويَّتها رغم مرور ثلاث سنوات على تلك الحادثة..

تعوَّد سامي أن يتركني في البيت وحيدة مع خادمتي ربا، ولكن بعد زواج ربا استقدم من إحدى القرى المجاورة رجلا، وزوجته ليعيشا معنا في المنزل بحيث يقوم عزَّام بخدمة سامي، وتقوم زوجته بتدبير شؤون البيت، وكان سامي قد خصص جناحا خارج المنزل للخدم، فاستقر فيه عزَّامٌ وهنية ، وابنهما الرَّضيع رشاد..

كانت أمي تزورني، ولكنَّها لم تكن تفضِّل المبيت عندي بحجَّة أن أبي لا يحب أن تنام زوجته خارج البيت، وكذلك إخوتي وأخواتي كانوا يأتون لزيارتنا نهارا، ويرجعون إلى بيوتهم مساءًا، وكثيراً ما كنت أطلب من خالتي بهيجة أن تعيش معي، فهي أرملة وتسكن مع ابنتها في بيت صهرها، ولكنَّها لم توافقني يوما..

أحيانا كنت أحس بالوحدة، فأقتلها بالقراءة، وخاصَّة قراءة القصص البوليسية، لذلك كنت سريعة الخوف، ولكنني تعلمت منها سرعة التَّفكير، وكيفية التَّخلُّص من المواقف الصَّعبة..

بعد دخول عزَّام وزوجته البيت، أصبح الوضع العام أفضل بشكلِ ملموس، فقد حظي عزَّام بثقة سامي الكبيرة ومحبته، وعامله كابن له، وأشركه في الكثير من أسراره العملية والمالية، حتى أنه كان يدخل عليه مكتبه دون استئذان.. لم أخفِ عن سامي شعوري بالضِّيق من عزَّام، ولكنه كان يحاول دائماً امتصاص غضبي، بالثناء عل حسن أخلاق الرَّجل ومروءته، فسكَتُّ مرغمةً مع التزام الحيطة منه، والحذر..

هنيَّة امرأة قروية في الثَّلاثين من العمر، تمتاز بقوة الجسد والنَّشاط، وتمتلك شيئاً من الجمال الملوَّح بالشَّمس، كانت تحب زوجها (عزَّام) وتغار عليه كثيرًا، فقد تزوَّجته بعد قصَّة حبِّ أخبرتني بتفاصيلها ذات يوم بعدما ذهب عزَّام برفقة سامي إلى المدينة لأمر هام حدَّثني عنه زوجي بعد أن عادا بحقيبة سوداء مليئة بالنُّقود لم يخبرني من أين جاء بها. في بعض الأحيان كنت أحسُّ بغيرة هنيَّة مني على زوجها رغم أنني لم أكن أترك له مجالاً ليراني إلا وأنا محتشمة.

لا أدري كيف استطاع هذا الرَّجل أن يدخل بسرعة قلب زوجي، فيطمئن إليه، ويصبح كاتم أسراره الخاص، وربما كان يعرف عنه مالا أعرفه أنا. بدأت أحسُّ بالضِّيق منه، ومن تلك البساطة التي يتعامل بها سامي معه خاصة وإنني كنت أحيانا أرى (عزَّام) ينظر إليه بشيء من الغيرة، فلم أحبذ دخوله عليه غرفته متى شاء، وقد أخبرت سامي بقلقي هذا، فسخر من شكوكي، وقال إنَّ (عزَّام) رجل بسيط، وهو أفضل مما أظنُّ..

لم يوفر (عزَّام) فرصة ما دون أن يظهر محبته لسامي منفردًا به أو أمام الجميع، ولكنَّني كنت في ريب منه، فرحت أراقبه عن كثب دون أن أترك له ثغرة يضبطني بها، وأنا أرصده إلا مرة، أو مرتين.

 

 

4

ذات ليلة كنت في جناحي الخاص، الذي لا يدخله أحد سوى سامي، وكنت أنا التي أقوم بتنظيفه والعناية به، ولم أسمح لهنيَّة يوماً بدخوله مطلقاً..

جلست على الأريكة قرب النَّافذة أنظر بين الفينة والأخرى من خلف الزُّجاج، إلى تساقط الثُّلوج الرَّائع فوق أشجار الزَّيتون، كان المشهد يوحي بالكآبة رغم روعته ربما لأنني كنت في غرفتي وحيدة، أو ربما لسبب آخر لم يكن إحساسي به واضحاً في هذه السَّاعة، شغلت نفسي بالقراءة في إحدى القصص، وأنا أحتسي الشَّاي السَّاخن، بينما كان سامي يراجع حساباتِ بعض الدَّفاتر المهمة في مكتبه الذي يبعد عن غرفتي كثيرًا، وكان عليه أن ينهيها الليلة ..

سمعت دقاتِ السَّاعة في الخارج تعلن تمام َالعاشرة مساءً، فنهضت من مجلسي وأغلقتُ الكتاب، وخرجتُ من الغرفة لأحضر لسامي كأساً من العصير، وفي طريق عودتي من المطبخ باتجاه غرفة سامي سمعتـُه يصرخ بصوت مجهد: لا تقتلني يا عزَّام، أرجوك، خذ ما تشاء من النُّقود، لن أبلغ عنك البوليس..

فسمعت (عزَّام) يجيبه بصوت غاضب: سأقتلك وآخذ أموالك وزوجتك، كفاك عمراً أيُّها العجوز مت.. مت..

ياإلهي ماذا أفعل؟ إنَّني وحيدة في البيت، وسامي بين يدي مجرم، لم أعد أسمع صوتا، لقد قتله، رحتُ أرتجف مذعورة، حاولت اقتحامَ الغرفة، ولكنَّ الخوفَ كبَّلني، ربما لو علم بوجودي جاء ليقتلني، فأنا الشَّاهد الوحيد على الجريمة..

هربت إلى غرفتي.. أغلقتُ البابَ جيدا، واقتربتُ من الهاتف، رفعتُ السَّمَّاعة بعد أن وضعتُ كأس العصير فوق الطاولة الصَّغيرة قرب الهاتف، ولكنَّني لم أتذكر أي رقم هاتفي، فأعدتُ السَّماعة إلى الجهاز خشية أن يكون (عزَّام) على الطَّرف الأخر من الخط في غرفة سامي..

 

وضعت يديَّ فوق فمي أستجدي الدَّفءَ من أنفاسي، والدُّموع قد جمَّدها الخوفُ في عيوني..

ما أصعبَ الوحدة، أحسستُ بالغربة، بل بالنَّفي خارجَ المجتمع برفقة مجرم خطير، قد تطبق يداه حول عنقي في أية لحظة..

يا الله ماذا أفعل؟ بمن أستنجد؟ من سيحضر إلي في مثل هذه السَّاعة من الليل، لم أعد أتذكر كم أصبحتْ هذه السَّاعة ُ الآن، ومن سيأتي إليَّ يحتاج بأقل تقديرٍ إلى نصف ساعة للوصول إلى بيتنا، دون وقت الاستعداد للخروج من البيت .

يجب أن أفعل شيئا قبل أن يقتلني أنا الأخرى، وبينما أنا في زوبعة الخوف سمعت نقرات على باب غرفتي، فارتعدتْ فرائصي رعباً وبرداً، وما لبثت هنيهة حتَّى سمعتُ صوت عزَّام يقول: سيدتي..

لم أرد عليه.. ظننته يحمل سكينًا، عاود النداء مع النقرات بصوتٍ أعلى من ذي قبل

– سيدتي سناء إنني ذاهب إلى المدينة بتكليف من السَّيِّد سامي أتحتاجين شيئاً من هناك؟

استجمعت قوتي، وما بقي لديَّ من أنفاس.. أجبته: لا، أشكرك..

لم أعد أسمع صوته، أسرعت إلى جانب الباب أتنصَّت من خلفه، فسمعتُ صوت خطواته تبتعد عن غرفتي، نظرت من خلال ثقب القفل، رأيته يهبط الدَّرج باتجاه الطَّابق الأرضي، تنفَّستُ الصّعداء، ومشيتُ باتجاه سريري، ألقيتُ بنفسي فوقه باكية، وقد خارت قواي، فأنا الأن سجينة ً مع رجل ميت في بيت واحد، وأنا أخاف من الموت، ولم يسبق لي أن رأيت ميتا في حياتي ..

وسط دوامة الخوف هذه، سمعتُ صوت محرِّك السَّيارة، فنهضتُ لأرى ما الَّذي يحدث في الخارج.. نظرتُ خلسة من خلف السِّتار، فوجدتُ (هنيَّة) تقف بالقرب من سيارتنا التي كان يقودها عزَّام دائما بتفويض من سامي سابقا، هاهو الآن يستَّقلُّها دون إذن منه ليهرب من جريمته، ويتركني فريسة للشُّكوك البوليسية بعد اكتشاف الجريمة، يا إلهي ماذا أفعل وأنا في هذه المصيبة السوداء؟!!

(5)

تشبثت الهواجسُ في رأسي فلم تترك ذرة في تفكيري دون أن تشبعها قلقًا.. لم أعد قادرة على التَّماسك، أوشكت أعصابي أن تنهار في أي لحظة فأتقزَّم.. يخونني الصبر فأقع فريسة جبني وسوء تدبيري.. فجأة خطرت ببالي هنيَّة، أجل هنية ليس سواها الآن من يشاركني وحدتي.. سأستدعيها لتساعدني في إخراجي من دائرة الخوف تلك.. تظل المرأة أكثر رحمة من الرجل في ثورة إجرامه وتوحش بطشه..

وعندما تأكدتُ من خروج عزَّام من المزرعة هممتُ باستدعاء هنيَّة بحجة حاجتي إليها لصداع في رأسي، ولكنني أحسستُ فجأة بتماسك داخلي ينتابني، وعودة الوعي لي بعد ابتعاد عزَّام عن البيت ..

جلست على السَّرير بشيء من رباطة الجأش، ورحت أفكر بهدوء فيما يجب أن أفعله في تلك الورطة والمصيبة التي رماني بها الوغد عزَّام..

بدأت بدراسة كلِّ الاحتمالات التي قد أتعرَّض لها عندما يصبح الأمر بيد الشرطة، كان مصيرُ عزَّام يهمني، فقد يخرج من القضية بريئاً، وقد أتَّهم أنا بقتله وقد وقد وقد..

أخيرا قررتُ عدمَ إخبار الشِّرطة، وعدم اتهام عزَّام بقتل سامي، وسأخبر الجميع بأنَّني وجدته ميتا في غرفته ولن يكذِبني أحد، فالكل يعلم كم أحبه..

لم أخرج من غرفتي.. رحتُ أزرعها ذهاباً وإيابا إلى أن سمعت دقات السَّاعة في الصَّالة تعلن الثَّانية عشرة ليلا.. بقيتُ هادئة بعض الشيء أنتظر قدوم هنيَّة، فقد تعوَّدتْ في مثل هذا الوقت من كلِّ ليلة، عندما يكون سامي في مكتبه، وقبل أن تنام أن تأتي إليه، وتسأله إن كان بحاجة لشيء ما تقدمه له قبل ذهابها للنوم..

انتظرتها خلفَ باب غرفتي، ورحتُ أنظر من ثقب القفل، فرأيتــُها تصعد الدَّرج، وتمشي باتجاه غرفة سامي… أطفأت النور في جناحي، وعدت أراقبها من خلال ثـُقب القفل..

نقرَتْ على الباب عدة نقرات، وانتظرتْ بعض الوقت، ثُمَّ عادتْ تنقر مرة ثانية، وثالثة، ثُمَّ ما لبثتْ أن فتحتْ الباب ودخلتْ الغرفة، فقد كانتْ تفعل ذلك عندما لا تسمع ردَ سامي عليها، فتعرف أنه خرج من الغرفة، فتدخلها لترتبها قبل أن يعودَ إليها..

لحظات قليلة وسمعتُ صراخها مدويًا في أرجاء البيت كمن هاجمه ليث.. أدرتُ المفتاح في القفل كي تستطيع دخول الغرفة عندما تأتي لإخباري بما رأتْ.. أسرعتُ إلى سريري، واندسستُ فيه، متصنِّعة النوم ..سمعتها تفتح الباب بعنف وهي تصرخ خائفة :سيِّدة سناء ..سيِّدة سناء ..

 

لم أجبها، عادتْ تناديني، ويدها تلمس الغطاء فوق كتفي:

– سيدة سناء… أرجوك أصحي سيِّدتي..

تململت في سريري وأنا افتح عينيَّ بتثاقل مفتعل، وعندما التقت عيناي بعينيها جلستُ في السَّرير ونهرتها بذهولٍ وغضب:

– كيف دخلت غرفتي، ومن أذن لك بهذا؟

فأجابتني مرتجفة: السَّيِّد سامي.. السَّيِّد سامي..إنَّه ..

– أهو الذي أرسلك إليَّ؟

فقالت: إنَّه.. إنَّه

أمست بكتفيها أهزُّها بعنف وأنا أقول: ما بهِ.. ما بهِ تكلَّمي؟

أجابتني:إنه.. إنَّهُ لا يتحرَّكُ..

غادرتُ سريري، وأنا أدفع بها عنِّي مسرعة باتجاه غرفة زوجي لأرتمي فوق صدره، وأفرغ دموع عيني فوق وجهه الحبيب، فقد كنت أعلم أنه فارق الحياة قبل ساعتين، وما حجبني عنه خلالهما إلا غاية في نفسي، وعندما دخلتُ غرفته، وجدته ميتا وهو جالسٌ خلف مكتبه، ورأسه على كتف الأيمن، ولا أثر لوقوع جريمة.. ضممته إلى صدري أشبع قلبي منه، وأبثه حزن عمري الذي سيكون بعده رفيقي مدى الحياة..

تمَّ دفنُ سامي بهدوء وسط أحزان العائلة، ولم نستدع طبيبا شرعيا لإعطائنا تقريراً طبيا يثبت أن الوفاة كانت طبيعية من أجل التَّصريح بالدَّفن، فقد طلبت من أخي عامر أن يحضر التقرير الطُّبي من قبل ابن عمِّي أنيس، فهو طبيب صحة، ولن يرفض التصريح بذلك، فسجَّلَ في التَّقرير أنَّ الوفاة كانت بسبب أزمة قلبية مباغتة، فشعرت بارتياح يعلو وجه عزَّام رغم الحزن المصطنع الذي كان يبديه لنا عندما كنا نطلب منه بعض مستلزمات العزاء..

اضطرت والدتي وأختي سماح للبقاء عندي في البيت بعد أن رفضتُ الذهاب إلى منزل والدي بحَجَّةِ أنني سأتمُّ أشهر العدة في بيت زوجي، وكان أخي سعيد يأتي إلينا كلَّ يوم للاطمئنان علينا، وكذلك أبي الذي كنت أجبره بدموعي على المبيت معنا في بعض الأيَّام، وأثناء هذه المدَّة بقيت هنيَّة وعزَّام يقومان بخدمتنا بجدِّ، ونشاط..

 

6

لم يعد للحياة طعم بعد أن أصبحت أرملة.. مكلومة بفقد زوج عوَّضني ما فاتني من سعادة عمرٍ منصرم، لم يكن سامي زوجاً عادياً.. كان رجلاً استثنائيا قلَّما جاد الزَّمانُ بمِثلِه.. سامي فقيدي الغالي، سأظلُّ أبكي عليه العمر كلَّه.. ستبقى كلماته ترنُّ في مسمعي ليلاًّ ونهاراً… سأظلُّ أرى ابتسامته بنور الشَّمس وضياء القمر، وأسمع عذب كلامه يمسح عن نفسي شقاء الحياة.. ستبقى عيناه الغائبتان تضيئان لي الطريق في وحشة الوحدة وزحام الخوف.. سيزورني طيفه مع كل إشراق، يؤنسني مع كل غروب.. ستظل شفتاه تناديني سناء.. كم أنا بحاجة لذاك النداء..

كنت أبكي بصمت، لم أخبر أحداً بمقتل سامي بل دفنت السِّرَ في صدري، وكثيراً ما كانت عبارة عزَّام ( سأقتلك وآخذ أموالك وزوجتك، كفاك عمراً، أنت عجوز مت، مت ) يتردَّد صداها الحارق في سمعي بين الحين والآخر.. عندما علم وَلَدَا سامي بوفاته اتَّصلا بي هاتفياً وقدَّما لي أحرَّ التَّعازي بوالدهما واعتذرا عن عدم قدومهما للمشاركة بالعزاء بحُجَّة ضغوط العمل، والأوضاع العامة في المهجر، وأخبراني بأنّ َوالدَهما قد خصَّني في وصيته بكلِّ أموالِه في وطنه الأم، وسألاني إن كنت أريد منهما أيَّة خدمة فيتمُّ لي ذلك بكلِّ سرور… شكرتهما وتمنَّيت لهما حياة سعيدة، وأخبرتهما أنَّ والدهما مات وهو راضٍ عنهما، فشكراني على تلك السَّعادة التي قدَّمتها له، ومنذ ذلك اليوم لم يتَّصِلا بي ثانيةً..

في حديث مع والدتي ذات مساء، ونحن نتناول عشاءنا بعد أن ذهب والدي للنَّوم كعادته عندما كان يحين موعد الطَّعام، فقد تعوَّد منذ سنين المبيت دون عشاء عملاً بتعليمات الطَّبيب، بعد تعرُّضِه لأزمة قلبية كادت تودي بحياته، فالتزم الحمية. قالت لي: إنَّ وجود رجل أجنبيِّ في المنزل مدعاة للشُّبهة خاصَّة بعد موت سامي، وإنَّه من الأفضل الاستعاضة عنه بامرأة ردعاً لما قد ينجم من تلقاء تواجده الدّاَئم في البيت من مشاكل داخلية، وأيضا لكفِّ ألسنة النَّاس عن الكلام بشيء قد يسيء لسمعتي، عدا عن حرمة وجوده من النَّاحية الدينية، فأفهمتها بأن زوجته هي فقط من يدخل البيت، وهو يقوم بالإشراف على الحديقة وشؤون التَّموين، والحراسة أيضًا، فسَكَتـَتْ على مضض، ولكنَّها ظلَّتْ مصِّرة على عودتي للعيش في بيت والدي بعد انتهاء شهور العدة، وكان قد تبقى لي منها عشرة أيَّام..

خلال تلك الشُّهور الصَّعبة على المرأة، كنت أدخل إلى مكتب سامي، أشم فيها رائحة عطره المُمَيَّزِ التي مازالت عالقة في الأماكن التي كانت يده تلمسها، فقد تعوَّد أن يرطِّب يديه بالعطر بين وقت وآخر، وهو يعمل في المكتب، فبقيت نسائم الطِّيب هفهافة في أجواء المكان تؤنسني، ولكن بكثير من الحرقة والحرمان..

قبل انتهاء العدة، كنت قد راجعت حسابات سامي مع المهندسين والعمال، وكان أخي سعيد يقوم بالاتصال بهم لمعرفة أخبار العمل، ولم تعد لعزَّام تلك الأهمية التي اكتسبها وتمتع بها في حياة سامي، فبدأت زوجته تشكو من تغيُّر ملحوظ في تعامله معها، فقد أصبح عصبياَّ، سريع الغضب حتَّى أنَّه هددها بالطَّلاق لسبب تافه، فكنت أدعوها للصَّبر، وأغدق عليها العطايا كي امتصَّ غضبها، فأنا مازلت بحاجة لوجودهما قربي..

في يوم الجمعة الأخيرة من أيَّام العدة ذهبت هنيَّة وزوجها إلى القرية لرؤية الأهل، فانتهزت فرصة غيابهما عن البيت واستغراق أمي في النَّوم بعد الظُّهر، وكانت أختي سماح في المدينة، فخرجتُ إلى الحديقة أتلمَّسُ خطواتِ سامي التي محتها الأمطار، ونبتت مكانها الأعشاب الرَّبيعية، فضاعتْ معالمها بانقضاء فصل الشِّتاء، وتوالي الليل والنَّهار.

 

7

قادني شغفي بسامي إلى الجهة الغربية من الحديقة، حيث المسبح ينتظر القادم إليه بصبر لاهث الأنفاس، تذكرت ما كان بيني وبين الراحل عندما نزل بي إلى قاعه المفرغ من الماء، فشعرت برغبة بغزوه هذه المرة.. عدت إلى غرفتي، وبحثت عن المفتاحين الصَّغيرين في مجموعة المفاتيح المهملة بعد موت صاحبها، وجدتهما حزينين يندبان صاحبهما… باردي الملمس، تفوح منهما رائحة الفقد، وهما بشوقٍ لحنان يديه الدافئتين.. عدت إلى المسبح ودقَّات قلبي تزداد سرعة وقوة، ورجْع صوته يداعب مسمعي..

كان السُّلم الحديدي مرفوعاً.. اقتربتُ منه بحذر، ضغط بسبابة اليد اليمنى على القاطع الكهربائي، تحرَّك السلُّم باتجاه أرض المسبح، لم أتردد في النزول لحظة واحدة، وكنت سابقا أخاف من مجرد تخيله فارغًا، قوة غريبة تحتل جسدي.. أذهلتني حقيقة، ولا أدري من أين جاءتني، وأنا التي عرفت ببطء الحركة.. نظرت إلى السماء، رأيتها شاهقة العلو فانقبض قلبي للحظة مضيت بعدها لتحقيق الهدف الذي دعاني لاجتياح المكان.. أوشكت أكثر من مرة أن أقعَ فوق الأرض وأنا أسير نحو الباب السِّري في الحائط بسبب اللزوجة التي أصابتها من جراء إهمال المسبح بطريقة محزنة بعد رحيل سامي الذي كان يوليه اهتماما زائدا في كُلِّ الفصول..

وصلت الباب السري الذي يوجد فيه القفل، ولما بدأت بتحريك يدي بالمفتاح، شعرت بقشعريرة تسري في بدني، و خيال سامي يداهمني على حين غرة، وهو يقوم بنفس الحركات التي أقوم بها الآن. للحظات فكرتُ بالهرب والعودة إلى البيت، ولكن اضطراري للقيام بهذه المهمة في غياب عزَّام أجبرني على الصُّمود بوجه الخوف، ولما فتح الباب في الحائط، سرى في نفسي حزنٌ شديد، فانهالت دموعي ساخنة فوق خدَّيَّ تندب زمنًا تولى، وأنا أمشي باتجاه الباب الثَّاني، وهواجسي تزداد افتراساً بأعصابي التي بدأت تنهار، كلما اقتربت أكثر من الخزنة الحديدية المفجوعة بموت سيدها، بينما رائحة الرُّطوبة تفوح في المكان المعتم، فتزيد الجو كآبة..

فتحت الخزنة، ورحت أتفقَّد محتوياتها الثَّمينة جداً التي لا أستطيع تقديرها برقم معين… فجأة سمعت صوت قطَّة تموء في الخارج … أصابتني رجفة كادت تقتلع قلبي من صدري اللاهث بالقلق.. كنت أخشى أن يعود عزام، فيجدني وحيدة بين هذه الكنوز، فيرحمني من عذاب الفقد، ويرسلني إلى سامي بشفقة مصطنعة لغاية في نفسه.. لم أدر كيف أغلقتُ الخزنة دون أن أحضر منها سوى علبة مخملية حمراء لم أكن قد أطَّلعتُ على محتوياتها بعد، وأسرع بالخروج من الغرفة قبل أن أصاب بسكتة قلبية..

ولما رجعتُ إلى البيت، وجدت أمي تبحث عني في الطابق الأرضي، فأخبرتها بأنني كنت أتمشى في الحديقة إثر ضيقٍ ألمَّ بي، مستغلة غياب عزَّام. أسرعت إلى غرفتي لتغيير ملابسي التي علق بها الكثير من التُّراب، وكنت لا أزال ممسكة بالعلبة المخملية، فوضعتها فوق الطَّاولة قرب سريري، ثمَّ دخلتُ الحمام، واغتسلت، وخرجت مسرعة إليها لرؤية ما بداخلها.. فتحتُها بشيء من الرهبة، وكثير من الشجن، فوجئتُ وأنا أتلمَّس ماكان يخبِّئه لي سامي فيها ليقدِّمه لي هدية عيد زواجنا الخامس، الذي مات قبل أن يتمُّه معي.. خسارة.. لم أكن أتوقع أن أجد في داخل العلبة اسمي مكتوبًا بالذهب ومرصَّعًا بالماس بخط كبير، وقد علق بسلسال جميل.. رحمك الله يا سامي كم كنت محباً، لقد قتلك الوغد غدرا، فحرمنا فرحتنا وسعادتنا لأجل حفنة من الدولارات لو أنَّه طلبها منك لأعطيتـَه أكثر منها، ولكن الإنسان يظلُّ جحوداً، خائناً وجباناً..

انتهتْ أيَّام العدة، وصار باستطاعتي أن أتحرك براحة أكثر، فرحتُ أخطِّط لما نويتُ القيام به بعد مقتل سامي الصاعق.. أخبرت الجميع بأنني سأنتقل إلى المدينة للعيش هناك، وسأضطر لإغلاق المنزل ريثما أجد من يشتريه.. صُدمتْ هنيَّة عندما سمعتْ بالقرار، فقد أحبت العمل في بيتي، وحققت من خلاله بعض المكاسب المالية.. أمَّا( عزَّام )فقد أصابه الذُّهول، وبدا مهمومًا مقطب الجبين، وبعد أسبوعين كان كلُّ شيء قد تمَّ على أكمل وجه، وأطفئتْ جميع الأنوار في المنزل والحديقة.

لم يستطع عزَّام أن يسرق من مال زوجي شيئا، فقد كان المال الذي يستخدمه في الحياة اليومية مخبَّأ في خزانة غرفتي بغضِّ النَّظر عن الأموال التي في المسبح..

بعد عشرة أيَّام من عودتي إلى بيت أبي، أخبرتني أمي أن( عزَّام) ينتظرني لأمر هام في غرفة الاستقبال، فذهبتُ إليه، ورحَّبتُ به، وسألته عن هنيَّة ورشاد، فأخبرني بأنه سيطلِّقها، وهي تقيم الآن في منزل أهلها، سألته عن السَّبب، تلكأ بالجواب، ففهمت من نظراته ما تخبِّئه سريرته من حبٍّ لي، ابتسم داخلي ابتسامة انتصار ربما فهم من تجلِّيها على وجهي ما شجَّعه على الاتصال بي هاتفياً بعد ثلاثة أيَّام، وأخبرني بأنَّه يريد مقابلتي لأمر هام، فأجَّلت له تلك المقابلة أسبوعاً ..

بعد أسبوع رنَّ جرس الهاتف في بيتنا، وكنتُ هذه المرَّة بانتظار المتكلم، سمعتُ صوت عزَّام يهمس عبر الهاتف بصوت رقيق مرتجف: لقد مضى الأسبوع فمتى نلتقي؟

 

 

8

عزَّام رجل في الأربعين من العمر، طويل القامة أسمر اللون أسود العينين ربما كانت هنيَّة معذورة يوم علقت بحبِّه، إنَّه رجل تتمنى أية امرأة أن يكون زوجاً لها ما لم تجده فقيرًا مجرمًا وحقودا…

سألته: لماذا تريد أن تراني ؟

أجابني: أنت تعرفين لماذا أريد لقاءك . قرأتُ ذلك في عينيك عندما كنا نعيش معا في البيت الكبير، فلمَ تتجاهلين الآن ما تعرفين؟

ياله من كاذب.. لئيم، لم يحدث أبداً أن نظرت إليه كما يدَّعي، ولكن شيطانه صور له ذلك، كان يجب عليَّ ألا أسمح له بدخول بيتنا مهما كانت الأسباب، ولكن ما نفع النَّدم وقد سبق السَّيف العزل؟

قلت له: حسنا سيكون لك ذلك ولكن بشرط .

-قولي ما تشائين من الشروط وسأوقع عليها بدمي .

-ألَّا يعلم أحد بأننا سنلتقي ريثما نتَّفق على الخطوات التَّالية للقاء ..

كاد قلبه يخرج من سماعة الهاتف خفاقًا بقوله: سأخفي الخبر عن أنفاسي، ونفسي، ومن سواهما، ولكن أين سنلتقي، ومتى؟

أجبته: في البيت الكبير غدا في التَّاسعة صباحاً..

لم تغمض لي عين في تلك الليلة، وأنا أفكر بكلِّ ما مرَّ بي من أحداث منذ أن تزوَّجت سامي حتَّى تلك اللحظة التي أنا فيها الآن.. سألت نفسي: ترى هل آن لقلبي أن يرتاح من أحزانه الجسام؟

خرجت من المنزل في الثّاَمنة والنِّصف صباحا، بعد أن أخبرت أمي بأني ذاهبة إلى السُّوق لشراء حذاء جديد.. استقليت سيَّارة أجرة أوصلتني إلى قرب بيتي في الضَّاحية، فوجدت (عزَّام) ينتظرني بجانب البوَّابة التي تودي إلى حديقة المزرعة، كان الطَّريق خالياً من البشر..

أشرق وجهه بعد طول ظلام عندما رآني أغادر السيارة باتجاه البيت، فتحت البوَّابة الكبيرة، ودخلت منها برفقته إلى الحديقة، نظرت إليه فوجدت صدره يعلو ويهبط وكأنه يرقص فرحاً، وسعادة وحبورا، وأنا أسير بالقرب منه باتجاه المسبح، لم يكن قادرًا على كتم عواطفه فراح يبوح لي بمكنونات قلبه العاشق، وأنا أصغي إليه باهتمام متعجبة مما صنع الحب في هذا الكائن البشري.. كيف جعله مجرمًا في ساعة.. ورقيقًا ضعيفًا بحضرة الحبيبة، وصلنا المكان الذي وقفتُ فيه ذات يوم مع سامي قرب سلُّم المسبح، نظرت في عينيِّ عزَّام وهي المرة الأولى التي اقصَّد بها النَّظر إليه، فقرأت فيهما غير ما كانتا تبوحان به لعينيَّ.. كان محلقًا في عالم الهوى.. تتنازعه عواطف الهيام، فتعلو به فوق السحاب بفرحة كنت أراها في عيون تلامذتي المراهقين والمراهقات، وهم يستقبلون ببراءة خبر نجاحهم بتفوق كبير.. ابتسمت له، فخرجت ابتسامتي بقلبه وعقله وكأنه لم يصدق ما ارتسم على ثغري .. احمرَّ وجهه وأنا أقول له: يا لجمال هذا المسبح.. سيكون أكثر روعة وهو مملوء بالماء (وأنا أشير بيدي إلى الجهة المقابلة لنا في الجانب الآخر ألقيت بخاتمي في المسبح فراح يتدحرج فوق أرضه حتَّى استقر قرب باب الغرفة السِّرية )فقلت لعزَّام: دعني أخرج الخاتم إنه غالي الثَّمن..

فقال لي: لاعليك يا سيِّدتي، ومليكتي سأخرجه بنفسي ..

لم يترك لي فرصة للكلام عندما ضغط بإصبعه فوق القاطع الكهربائي فنزل السُّلمُ إلى داخل المسبح، ولحق به عزام، واتجه نحو الخاتم بينما كان أصبعي يضغط فوق القاطع الكهربائي والسُّلم يرتفع عاليًا، وعندما التفت عزَّام إلي وفي يده الخاتم لم يلفت انتباهه ارتفاع السُّلم، فدفع بالخاتم نحوي، سقط فوق تراب الحديقة، فالتقطه وأنا أضحك بسعادة لم تزرني منذ مقتل سامي قائلة لعزَّام :شكراً لك أيها السَّيِّد الوفي لقد أعدتَ لي حقي.. فضحك بسعادة من لا يدري ما تخبِّئه له الأيام وقال بشاعرية: وسأقدِّم لك منه المزيد في المستقبل، أعدك بسعادة حقيقية يا حبيبتي..

9

فقلتُ له: يكفيني ما قدَّمته لي الآن، لم يعد أمامك متّسع من الوقت لتقديم أي شيء لأحد، لأنَّك ستموتُ عمَّا قريب..

سألني قبل أن ينظر إلى السُّلُّم: بحبك

– بل بخيانتك

– خيانة عن أي شيء تتكلمين؟ أنا أخونك سأطلق هنية يا حبيبتي ..

– ستصبح هنية أرملة ..

فانتفض قائلا بشيء من الخوف:- ماذا تقصدين؟

قلت له: بشــِّرِ القاتلَ بالقتلِ ولو بعدَ حين.. والآن جاء دورك لتلقى مصيرك

فسألني متغابياً: أي قاتل هذا الذي تتكلمين عنه وأي مصير؟!!

أجبته ببرود: أنت القاتل ومصير القاتل القتل.

فقال باسماً: لابد أنَّك تمزحين، وإن كان مزاحا ثقيلاً فإنَّه منك جميل.

قلت له: ومنذ متى كان بيني وبينك مزاحٌ أيُّها الوغد؟

فقال مذهولاً كمن تلقى صفعة بكف قوية: الوغد؟!!

– الوغد قليلة عليك أيها التافه الحقود، الجحود

فقال بغضب: أنا؟!!!

أجبته: ومن غيرك أيها المجرم، قتلت زوجي بمسمع مني، ولم يكن بمقدوري آنذاك أن أفعل شيئا، كنت وحيدة أيها السافل..

فقال: لم أفعل شيئاً أنا بريء، صدقيني أنا بريء..

فقلت: أجل أنت بريء وأنا أصدقك، ولكن براءتك من الإنسانية والرحمة والمروءة، أنت بريء من الوفاء والإخلاص، لقد قتلتني بقتل سامي، وحان الآن وقت الانتقام.

نظر حوله في المسبح واتَّجه نحو مكان السُّلُّم يريد الصُّعود، ربما لقتلي ولكنَّه سرعان ما صرخ هائجاً: أنزلي السُّلُم أريد الخروج من المسبح.

فقلت له:هذا المسبح الواسع هو قبرك أيُّها المجرم، ستموت فيه وحيدًا، جائعًا وخائفًا.. أصرخ بأعلى صوتك ليلاً ونهاراً فلن يسمعك أحد ..

فقال مرتجفا بالخوف والغضب: أخرجيني من هنا أرجوك يا سيِّدتي ..

فقلت له: لم ترحم سامي، وهو يتوسَّل إليك كي تبقيه على قيد الحياة، فهل أرحمك أنا؟!

فقال لي: أنت السَّبب، كنت أحبك وأنت تعلمين ذلك جيداً..

فقلت له: خسئت وكذبت أيُّها الحقير..

فقال: فلمَ إذن كنتِ تنظرين إلي باهتمام عندما كنتِ ترينني من وقت لآخر؟

أجبته : كنت أراقبك خوفاً منك على زوجي، فقد ساورتني الشكوك بنياتك السَّيئة تجاهه..

فقال بغضب: كذبتِ، بل كنت تنظرين إليَّ بإعجاب نظرات أشعلت النار في داخلي، وكادت تحرقني

فقلت: وهل مثلي تنظر إلى مثلك أيها ال

فقال مقاطعاً: وما يدري الرَّجل بنية من تنظر إليه من النِّساء كانت من تكون؟

فقلت له: كان عليك أن تعرف مقامك بيننا فلا تتخطَ حدودك..

فقال غاضباً: الحب لا يفرق بين المقامات، ولا يعترف بالفوارق الطبقية، كلنا بشر..

فقلت له: ولكننا لسنا جميعاً مجرمين.

فقال بعنف: وأنت أيضا مجرمة، لقد ارتكبتُ الجريمة بسببك، يجب أن تفهمي هذا جيداً، نحن شركاء، كان عليك ألا تدعيني أراك مع زوجك العجوز.. هو على حافة قبره وأنت تضجين بالحياة، لقد غرر بي صِغَرُ سنك، ورقة ُ معاملتك لنا، ألا تعتبرين هذا هو قمة الإغراء؟

فقلت له: يالك من معقَّد تافه، لا تستحق الشفقة..

فقال لي:في مثل حالتي القلقة، لابد أن تتحول الشفقة إلى حب، فالظروف حولنا تسمح بذلك.. بل تشجِّع عليه ..

فقلت له: فقط لمن هو دون الرجال أمثالك..

فقال غاضباً: يا سيِّدتي في الصدر قلب من لحم ودم يدق وليس قطعة من حديد، لماذا أدخلتمونا أنتم إلى حياتكم حيث الدفء، وزرعتم في قلوبنا الحسرة، وفي نفوسنا الألم، إنَّ نفسي تفتتْ بينكم وتناثرت بشعور الحب والغيرة، لم أعد أحب الرجوعَ إليها، بل رحت أهرب منها لأدخل في نفوسكم أنتم حيث عالمكم البراق، المغلف بالحرير، المرشرش بأرقى العطور الفرنسية الباهظة الثمن.. المفروش بالسجاد العجمي، والمتخم باللحوم والفاكهة والرفاهية، قتلت نفسي على عتباتكم.. فلا تلوميني..

10

فقلت له كلاماً لا أدري كيف خرج من فمي: الحديث عن النّفس يفتح بابا إن ولجناه رأينا العجب، هناك سراديب وقلاع وبحور ومغارات وجبال،عالم غريب عجيب، فيه أسرار جغرافية حياة الإنسان بكل ما تحتويه من نجاح أو فشل، من فرح وحزن، من تمرّد وانكسار.

فقال بغضب: وما شأني أنا بالجغرافية والجبال والمغر، كلميني بكلام أفهمه؟

فقلت له: من استطاع فهم عالم نفسه هذا أمسك بلجامها وقادها إلى حيث السّعادة، وعندما يحتل حصونها، ويرفع فوق قلاعها راية الوعي والإدراك لكل تطلعاتها يحكمها بقوة، ويسلك من خلال تضاريسها الوعرة إلى بر الأمان، ومن يحكم نفسه يدرأ عنه مغبات الظّروف المحيطة به، فيعطي التفسيرات المقنعة لكل ما يواجهه من صعوبات في درب الحياة، ويتغلب على ألم المواجهة بوعي يُحْسَد عليه ..أمَّا أنت …

فقاطعنا محتدَّا : ماذا تقولين ؟! دعيني من فلسفة تضيع العقل، أسألك لماذا أدخلتمونا إلى حياتكم لا إلى القلاع والتضاريس؟

فقلت له: أنتما طلبتما العمل عندنا، وقبلنا بكما بسبب حالتكما المادية السيِّئة، رغبة منَّا في مساعدتكما لتحسين حياتكما المعيشية..

فقال متحسِّراً: لقد حطمتمونا بنية المساعدة تلك، ليتكم لم تقبلوا بنا عمالاً في عالم الترف الذي تعيشونه..

فقلت له: لكل قاعدة شواذ، وكنتَ الشواذ فيها، لم يكن الكثيرون مثلك ممن نعرف ونسمع عنهم..

فقال مسترحماً: أرجوك يا سيِّداتي أنزلي السلم ، وأعدك بل أقسم لك بالله العظيم أن أكون لك خادماً مخلصاً مدى الحياة..

فقلت له: بل ستموت بلا رحمة ولا شفقة، القاتل لاعهد له ولو أقسم مئات المرات.. مت هنا فأنت لا تستحق الحياة..

فقال برجاء: ارحميني من أجل هنية وابني رشاد؟

فقلت له: لم ترحم سامي من أجل الخالق، فلن أرحمك من أجل مخلوق..

واستدرتُ باتجاه بوابة حديقة البيت وأنا أشعر بالانتصار، والدموع تنساب من عينيَّ فوق خديَّ مالحا، وإحساس بتأنيب الضمير ينتابني، فأتجاهله رغماً عني، بينما كان صوت عويله يبتعد عن مسمعي حتَّى تلاشى، وأنا أغلق بوابة الحديقة بالمفتاح..

لم أكن أعلم أن المجرم يظل يحوم حول جريمته إلى أن عدت بعد أربعة أيام أتفقد وضع عزام، اقتربت من حافة المسبح قرب السلم فرأيته هادئاً بلا حراك فضغطت بأصبعي فوق القاطع الكهربائي فنزل السلم إلى مستوى عمق مترين ثم قمت بمسح بصماتي من على القاطع، ونثرت بعض التراب الجاف فوقه، وعدت إلى منزل والدي دون أن يعلم أحد شيئاً مما قمت به..

وبعد أسبوع اكتشفت الجثَّة عندما ذهبتُ مع أبي وأخي سعيد وأحد سماسرة البيوت إلى الفيلا، فقد طلب أحد الأثرياء الصِّناعيين مشاهدتها لأنَّه يرغب بشرائها..

ونحن نتجول في الحديقة وصلنا إلى المسبح، وكان المشهد مرعباً هذه المرة بحق، خانقاً ومقزِّزا، فركضت أصرخ من هول ما شاهدت عيناي، وأبي وأخي يركضان خلفي ..

جرى التحقيق حول ملابسات القضية، لكن المحقِّقين لم يتوصلوا إلى دليل يدان به أحد، فسُجِّلت القضية قضاء وقدراً.. حاولت أن أطمرَ السِّر في بؤرة عذابي بعد أن أخذت بثأر سامي، ذلك الرَّجل الوديع الذي لم تستطع الغربة اننزاع طيبته، كما عجز المال في سلبه إنسانيته، فجاء رجل حقود شرس بأحط  خلق، وأقذر طبع، وأوقح عين يقتله خيانة وغدرا..

لم أتمكن من لجم صوت الحقّ ِفي داخلي زمناً طويلاً، وذات ليلة دخلتُ غرفة أمي، بعد أن نام جميع من في البيت، وكانت في هذا الوقت تستعد للنَّوم بعد مشاهدة إحدى التمثيليات التلفزيونية، فانتهزت فرصة انفرادها في غرفتها وكان النوم قد أدرك والدي وهو يشاهد المسلسل التلفزيوني بصحبتها، فنام في غرفة الجلوس بعد أن غطَّته أمي بملاءة سريره، وكان يفضل البقاء في المكان الذي غفا فيه حتَّى موعد أذان الفجر حيث توقظه أمي للصلاة، وهذه عادة درج عليها ولم يخالفها مرَّة خشية القلق إذا ما نـُبِّهَ من نومه قبل الأوان ، فصارحتها بكل شيء ..

 

11

أطرقت أمي وهي تسمعني باهتمامٍ حتى النِّهاية، وأنا أروي لها حكايتي مع المجرم بالتَّفصيل، كانت بين الفينة والأخرى تنظر إلي نظرات تخترق أعماقي بصمتٍ مؤلم، وأحيانًا مخيف، وعندما انتهيت من الكلام، رأيتُ الدُّموع تنهمر بكرم ملفتٍ من عينيها الذابلتين بتقدم العمر، وأنا أنظر في وجهها أتوسل إليها باختناق الكلام في حلقي أن تقول شيئًا يريحني من بركان همي الذي يكاد ينفجر فيحرقني ومن حولي.. لم تقل شيئًا.. صمت معذِّب استمر بعض وقت ما لبثت بعده أن ضمَّتني إلى صدرها، فأحسستُ بدقات قلبها تعلو وتهبط متسرعة، ويداها ترتعشان، ابتعدتُ عنها قليلا أتفحص ما بها، فوجدتُ في وجهها اصفراراً لم أعهده فيه من قبل، سألتها عما بها فأشارت إليَّ أن أحضر لها الهاتف، فعلتُ ذلك دون أن أفكر بمرادها، وعيناي معلقتان بعينيها ذهولاً، رفعتْ السَّمَّاعة، أدارتْ أرقاماً لم أتبينها.. قالت بصوت متهدِّج:- آلو أنا السَّيِّدة جيهان سليم، أسكن في حي المواني، كورنيش، رقم المنزل 48 أرجو أن تحضروا إليَّ السَّاعة، أرجوكم، أرجوكم لا تتأخَّروا، في بيتي قاتلة. وقعت السَّماعة من يد أمي وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة. يا إلهي ها أنا الآن أجد نفسي في ورطة جديدة، ولكن بموت أمي هذه المرة. أردت أن أصرخ.. أن أستنجد بأهلي.. أن أناديها، أبكيها، ولكن الخوف كمم فمي ولجم لساني.. وجدت نفسي في مأزق حقيقي.. ضممتها إلى صدري.. قبلتها.. همست لها بدموعي: أماه ما أحوجني إليك اليوم.. أريد أن أبكي ولكن كيف.. كيف يا حبيبة؟ لا جواب، يا إلهي قد يصل رجال الشرطة خلال دقائق ليأخذوني إلى السجن متهمة بقتل أمي، رحماك ربي.. لن أجد الآن من ينقذني من حبل المشنقة لأنَّ أمي هي التي أخبرت الشرطة عني.. أجل هي ..ولكنها لم تخبرهم عمن تكون تلك المجرمة، نعم أنا متأكدة من ذلك، علي الآن أن أتصرف بسرعة قبل أن يقرعوا جرس الباب.. تركت أمي فوق سريرها شاخصة العينين دون أن ألمسها أو أغمضهما، وخرجت من الغرفة بعد أن أطفأت النور فيها… أسرعت إلى غرفتي، استلقيت في سريري، والخوف يفتك بأعصابي بينما كانت أختي سماح تغطُّ في نوم عمي ، وصوت شخيرها يملاْ أرجاء الغرفة فزاد في ارتفاع وتيرة انزعاجي درجاتٍ كثيرة ..تأكدت الآن أن الحياة التي نسكنها ليست كلمة نتفنن بنسجها جملا، فتشرق حينًا قصيدة وحينًا آخر قصة أو خاطرة جميلة، الحياة شيء آخر لا تستطيع الكلمات سبر أغوارها، وإنما تلامس منها قشر الجلد فقط، فتدمع العين أو يبتسم ثغر بشعور ما سرعان ما ينطفئ به السراج. لا أدري كيف مرَّ الوقت بسرعة تحت وطأة الخوف، وأنا أصغي إلى صوت محركات السيَّارات وهي تمرُّ من جانب بيتنا، إلى أن قطع حبل استرسالي بالإنصات صوت جرس الباب .. تصنعت النوم خشية أن يراني أحد من الأهل فيشار إلي باتهام ما..

عاد صوت جرس الباب يرنُّ باستمرار مع قرع باليد على الباب الخشبي، وما هي إلا لحظات حتى سمعت في الخارج أبي وأخي وهما يتكلمان بعد أن فتحا الباب للقادمين ..

بقيت هادئة في سريري بينما نهضت سماح وخرجت من الغرفة على عجل ثمَّ عادت من جديد تهزني بعنف وتدعوني كي أصحو من نومي الثقيل هذا، لانَّ مصيبة قد وقعت في البيت..

نهضت من سريري وخرجت أستطلع الأمر الذي جعلنا في دوامة ظلَّت تدور بنا أيَّاماً كثيرة، وكان السؤال الملح الذي حيَّر الجميع: من هي تلك القاتلة التي بلَّغت عنها والدتي قبل موتها بقليل ..

تعرضت وأختي لأسئلة المحققين عدة مرات على الرغم من ظروف العزاء التي ألمَّت بنا.

انتشر في الحارة خبر مقتل أمي على يد مجرمة مجهولة. لكن محضر التحقيق أغلق عندما قال أبي للنَّائب العام إنَّ أمي كانت تشكو في الآونة الأخيرة من مرض عصبي ألمَّ بها إثر سقوطها ذات مساء على رأسها عندما قطع التيار الكهربائي، ومنذ ذلك اليوم وهي تتخيل أشياء غير حقيقية، وأنه كان ينوي أن يستشير طبيباً بهذا الشأن، ولكنَّ الظروف التي مرت بأسرتنا بعد موت سامي أخرت الأمر إلى أن حدث ما كان .لم يعارض أحد من أفراد الأسرة تصريح والدي رغم أننا جميعاً كنا نعلم أن كلامه لا أساس له من الصحة، وإنَّما قاله للتخلص من ملاحقة النيابة العامة لهذه القضية الغامضة بالنسبة لأفراد عائلتي، وأقفل المحضر كما قيل لنا، وبدأت بعد ذلك مشاكل من نوع جديد تغزو عالمي الذي كان يوماً ما هادئاً وجميلاً..

 

12

عندما كنت أختلي بنفسي بعيداً عن نظرات والدي التي كانت تلاحقني بتساؤلات غريبة لم أعتدها منه سابقاً، وكأنَّها تريد النفوذ من خلال عينيِّ المتعبتين إلى أعماق نفسي المتداعية التي باتت غائمة بالنسبة له بعد موت أمي المفاجئ، وما ألمَّ بي من قواصم، والبلاغ العجيب الذي أدلتْ به للشرطة، كنت ألقي بنفسي المتعبة في نوبة بكاء عاصفة، أغسل بها من خلال دموعي شيئاً من الحزن، الذي بات هو الحقيقة الوحيدة في حياتي عبر ما أتجرعه من مرار الأحداث والوقائع التي هزَّت أعماقي بعنف مفترس كاد أن يشلُّ قدرتي على الصمود، وجعلي فريسة سهلة للجنون أو الموت .

شعرت بتغيرات كثيرة في أحاسيسي وأفكاري، وحتَّى في شكلي الخارجي، فقد أدى إحجامي في غالب الأحيان عن الطعام إلى إصابتي بالنحول، ورعشة في اليدين، وفقد الثقة بكلِّ من حولي، مما جعل أختي سماح تطلب مني الذهاب إلى الطبيب لإجراء فحوص شاملة للاطمئنان على وضعي الصحي، فرفضت الفكرة، ولذت بالصمت مما أودى بي إلى وضع صحي أسوء بكثير من ذي قبل، ويومًا بعد يوم راح الصراع الداخلي يشتد بي، وأنا احترق بصمت، أتقلب على جمر الحيرة، وتلعب بي شتى الوساوس، وأنا ونية لا حول لي ولا قوة محاصرة بالأوهام من كل جانب لا أدري كيف أطفئ هذه النار، التي راحت تلتهم داخلي بقسوة وشراسة..

مضى على وفاة أمي أسبوعان، ونفسي تزداد انغلاقاً وكآبة، لم تستطع خلالها خالتي بهيجة أن تخرجني من دوامة عذابي رغم حنكتها الفائقة، ومحبتي الكبيرة لها، وقرأتُ في وجوه جميع من حولي القلق الكبير تجاهي..

في إحدى الأمسيات وبعد العاشرة دخلت المطبخ لشعوري بجوع مباغت يقرص معدتي الخاوية، فتحت الثَّلاجة، وتناولتُ تفاحة، ورحتُ أقشرها، وقبل أن أضع أول قطعة منها في فمي، سمعتُ أبي يقول: هل ستأكلين التفاح دوني أيَّتها المليونيرة الكبيرة؟

همست في داخلي: مليونيرة؟!! نعم، ولكنني لن ألمس هذا الميراث الخيالي قبل أن تعود الطمأنينة إلى نفسي.

نظرت إليه وهو يدخل المطبخ قائلة: ظننتك نائماً، خذ هذه وسأحضر لي واحدة غيرها.

تناول التفاحة من يدي عائدًا إلى غرفته بعد أن همس لي: سأنتظرك في غرفتي لنأكل التفاح معاً، ونحن نتحدث في موضوع هام..

ارتجف قلبي، واضطربت أعصابي، ولكنَّ أبي ترك لي فرصة الهروب من نظراته، عندما غادر المطبخ إلى غرفته بعد أن ألقى إليَّ أمراً لا أدري ما وراءه..

دخلت عليه مجلسَه وقد استنفرت كل جيوش خوفي وشكوكي.. رحب بي وهو يشير بيده اليمنى نحو باب الغرفة: أغلقي الباب وراءك وتعالي اجلسي هنا بالقرب مني يا ابنتي..

كلمة ابنتي جعلتني أرتشف من كأس الطمأنينة رشفة عطفٍ أثلجت صدري بعد أوار الحريق فيه دون قطرة مزنة بشرٍ تخفف من لهيب النار التي تفترس قلبي بضرام القلق بعد أن فتك الخوف بي، وسلبني راحة البال، وزوج من أفضل الرجال.. قبل لحظة فقط كنت أحسب أن أبي قد علم شيئاً عن موت أمي الغامض، فأزاح برقته هذا الهم عن نفسي..

جلست بالقرب منه على حافة سريره.. ابتسم لي ابتسامة حزينة، وهو ينظر إلى سرير والدتي المهجور، وسبحتها الخضراء معلَّقة فوق عنق السرير الذي رافقهما منذ زواجها قبل خمسين عاماً.

التاع صدري بالألم، وانهمرت دموعي وأنا ألوذ بالصمت، فقال لي وهو يمسح الدموع عن وجهي بمنديل ورقي تناوله من جيبه:- كلنا سنموت وهو الوارث… سبحان الحي القيوم..

نظرت إلى وجهه الذي أحبه، فرأيته قد ثبت عينيه في عينيَّ، وكأنَّه يأمرني بقول الحقيقة، شعرت بالخوف منه، واستعدت لحظات مرَّت بي من أيام طفولتي عندما كنت أقترف ذنباً ما كيف كان ينظر إلي هكذا دون أن يتكلم، فأجْبَرُ على الاعتراف له بكل شيء بطريقة لاإرادية، والآن تعاودني هذه المشاعر، وأحس بأنني قد عدتُ طفلة صغيرة، وأنا بأمس الحاجة لمن يحتويني، ويزيح عن كاهلي تلك التراكمات التي أضنتني، وسرقت مني ابتسامتي وعافيتي، وأمني النفسي..

 

13

لا أدري كيف همست من خلال دموعي : لم أقتل أمي يا أبي… إنَّني أحبها وأنت تعلم ذلك، وهي أيضاً كانت تعلم مدى حبي العظيم لها..

قال ويده الحانية تمسح شعري، وكأنَّني في الخامسة من العمر: أعلم ذلك يا بنيَّتي، ولكن اصدقيني القول، لماذا أخبرَتْ المرحومة  الشرطة بأنَّه في البيت قاتلة.. أمُّك لا تكذب يا سناء، ولا تهذي كما قلت للمفتش عند التحقيق؟

قلت : صدقتَ وهي الصادقة ..

فقال لي: من قتلتِ يا سناء؟

تنفستُ بعمق قبل أن أقول: تسمعني حتى النهاية، ولك بعد ذلك حريَّة التصرف؟

فقال لي: تكلمي يا ابنتي، وليكن الله في عونك وعوني..

قصصتُ عليه ما حدث بالتفصيل.. كانت دموعي ترافقني في كثير من المحطات، ويده الحنونة بحرارة الأبوة والمحبة تمسح عن عيوني حرَّ الدموع، ووجع الصمت الطويل..

وعندما وصلتُ إلى الوقت الذي نحن فيه قلتُ له وأنا أشعر بقوة غريبة تتملّكني: أحس باحتراق داخلي المتفجر، أه يا أبي ما أصعب الاحتراق، و ما أشد حرارته على النفس..

قال بحنان: الكلُّ يحترق، ولكن بشكل يختلفُ بتفاوتِ الذَّواتِ المحترقة، وما شبَّ حريقٌ، وتأجَّجَ ثُمَّ خمد إلا وتركَ بقايا من رماد، فلننظر في تلك البقايا النَّاعمةِ الملمس،الخفيفةِ الوزن.. ما هي؟

فقلت له وقد أحسست بنفحة أمل تهب صوبي من خلال همساته الدافئة :

إنها بقايا المحروقات، رمادية اللون، لا قيمة لها، تذروها الرِّياح، بل حتَّى النسيمات قد تجعلها هباء منثوراً. لا يا أبي لن أكون أضعف من نُسيمة، أنا أقوى من الرِّيح، أصدُّها بجرأتي وإيماني، أنا أجلُّ قدراً من الرَّماد مهما كانت محروقاته، لاشيء يستطيع إحراقي، وما هواجسي إلا همسات خفية، سأسخر منها قبل أن تحيل شموخ َصمودي إلى رمادٍ لا قيمة له، بل سأحدِّق في ذاك الرَّماد وأشكر الله إذ خلَّصني مما كان يعذِّبني.

نظرت في وجهه وجدت دموعه تتدفق فوق خديه. قلت له:

– كنت مخطئة حتَّى الثمالة، فالرَّبُّ واحد والعمر واحدٌ، ويبقى الزمنُ الساكنُ فينا بيتاً لنا نحتفظُ في أيامِه بــ نحنُ، وعندما تفارقنا الــ نحنُ نفقدُ بيتَنا ونعودُ نوراً ..

قال والدي بفرح وهو يمسح الدموع: لقد تخلَّصت من الخوف يا ابنتي ، ونجحت بالاعتراف

قلت: نعم ولك يعود الفضل… كنت غافلة يوم أخفيتُ عنك الحقيقة.. الغفلة يا أبي ليست غباراً بل هي أديمٌ من صدأٍ لا يزيلُهُ إلا القشرُ، وإن أوجعَ.

-ابتسم قائلا: صدقتِ يا ابنتي.. قد يكونُ القشرُ صعباً، وإنَّما الغفلةُ أصعبُ، وعندما يشفُّ الوجدُ ويرقُّ القلبُ، وتجري العينُ خشوعاً ورهبةً ويُخدرُ الجسمُ بالسموِّ، فيستأصَل المرضُ، والنفسُ ترفلُ بالصفاءِ سعيدةً مبتهجةً..

فقلت له: راضية بالعقاب أو الثواب مادامت تقر بذنبها وتسعى للتطهر منه.

ضمَّني إلى صدره بعطف غامر، فأحسست بدموعه ترطب وجهي، فقال لي وصوته يختنق بالأسى: غداً نذهب إلى النيابة العامة لتعترفي، ولتأخذ العدالة مجراها، و معك ابن عمك الدكتور أنيس الذي خان الأمانة والقسم، بإعطائه التقرير الطبِّيِّ الكاذب للتَّصريح بدفن المغدور سامي، دون الكشف على الجثة، وهذا عمل يمقته الله ويعاقب عليه القانون ..

قلت: كما تشاء

– صدقيني يا ابنتي لو أن ( د. أنيس) قام بما يمليه عليه واجبه المهني، والديني لما كنا في هذه المشكلة .

فقلت له: كان أنيس مشغولاً في المستشفى، فأرسل إلينا التقرير الطبي بإلحاح مني، وأنا تقصَّدَت ذلك كي أنتقم لزوجي من قاتله..

– إنَّه مخطئ، يجب أن لا يسمح لأحدٍ بمخالفة الشرع والقانون مهما كانت الظروف، غداً سأبلغ عن ابن عمك الدكتور أنيس، ولن أتخلى أبداً عن اتهامه بالمساعدة في ارتكاب الجريمة بطريق الإهمال، إضافة إلى طمس معالم الجريمة بدفن سامي دون كشف الطب الشرعي على الجثة، ولكن ربما يستطيع المحامون الذي سيتولُّون الدفاع عنك إيجاد طريقة لمعرفة الحقيقة .

قلت له: حسنًا، ولكنَّني سأذهب قبل ذلك لمقابلة هنية زوجة عزام، أريد أن أعطيها من المال ما يساعدها في تربية ابنها رشاد ..

– خيراً تفعلين..

وافقته بابتسامة رضا ثم خرجت من غرفته، بعد أن طبعت على خده قبلة شكر وامتنان، وأنا أحس بأنَّني بدأت أولد من جديد..

 

14

برفقة سماح خرجت من البيت في الصباح الباكر، كانت أختي عصبية المزاج سريعة الانفعال حتَّى أنها تشاجرت مع السائق الذي أقلَّنا بسيارته إلى قرية هنية.

التزمت الهدوء طيلة الوقت كي لا أضيف إلى اضطرابي مزيداً من القلق.. وصلنا القرية الصغيرة الهادئة في الضاحية قبل الساعة التاسعة صباحاً..

بدت القرية حزينة، أو كما خُيِّلَ إليَّ، فكل ما فيها يوحي بالكآبة، الشوارع ضيِّقة رغم اتساع المساحات الزراعية حولها، أكثر ما لفت انتباهي أولئك الأطفال الذين كانوا يلعبون في الحارات الضيقة، وهم حفاة الأقدام فوق أرض مليئة بالأوساخ، وبقايا من الزجاج المحطم..

صوبتُ نظري إلى الأمام مسرعة نحو بيت هنية يدلنا عليه أحد الصغار بعد أن أعطيته ورقة نقدية دسَّها في جيبه فرحاً بها، وكأنه وقع على كنز ثمين..

وقفت أمام الباب الخشبي المشقق بتقادم الزمن، نقرت بأصبعي عدة نقرات، بينما راحت أختي تنفخ من جوفها حرارة الضيق والاشمئزاز زفيراً ساخناً امتعاضاً من كل ما حولها في هذه القرية..

ربَّما مرَّت دقيقة أو اثنتان ريثما فتح الباب، وقفتُ بعدها وهنية وجهاً لوجه..

أرملتان تلتقيان تجمع بين مصيبتهما الجريمة، هي فقدت زوجها وأبا ابنها، وأنا فقدت زوجي، حبيبي.. ابتسمتُ لها فابتسمت لي بدهشة عقدت لسانها بعض الوقت رحَّبتْ بي بعدها، ودعتني للدخول، تبعتها وأختي إلى غرفة صغيرة هي الوحيدة في هذا البيت الذي يقبع وسط القرية، ولا متنفس له سوى فسحة دار ضيِّقة جداً ومكشوفة .

سألتها عن أحوالها العامة، عن ابنها رشاد، فأخبرتني بأنه يشكو من التهاب رئوي حاد، وهو يُعالج في مستوصف القرية مجاناً، وقد ذهبت به أمُّها قبل قليل إلى هناك لإعطائه حقنة مضادة للالتهاب، بكت وهي تثني على والدتها التي فتحت لها قلبها وبيتها بعد أن طردها عزَّام من بيته ظالماً لها ولصغيره رشاد دون عذر أو سبب.

انتهى حديث المجاملة بيننا، واحترت كيف سأقدم لها المعونة المادية إلى أن قطعت الصمت بقولها: رحم الله( عزام ) لقد ودع الحياة بطريقة غريبة، ولكن الذي يحيرني ولم أجد له جواباً مقنعاً هو ذهابه إلى البيت الكبير بعد إخلائه، وإطفاء الأنوار فيه؟ وكيف مات ولماذا كانت نهايته في أرض المسبح؟

وكيف دخل الحديقة، وهو لا يملك مفتاحاً للباب؟

ثمَّ يقيد الحادث قضاءً وقدراً.

تصنعت الحزن وأنا أهز برأسي أسفا. تابعت كلامها :

– أمر غريب يا سيدة سناء، إنني حزينة من أجله رغم أنَّه أساء إليَّ كثيراً قبل موته، كان يريد أن يطلقني ، ولكن الموت لم يمهله لينفذ ما عزم عليه، سيعاني صغيره رشاد اليتم والفقر إلى ما شاء الله.

نظرت إلى سماح ففهمتْ ما أريده منها، فنهضتْ من مجلسها وخرجتْ من الغرفة إلى الدار، بينما تناولتُ من حقيبة يدي شكاً وقدَّمته لها فسألتني: ما هذا يا سيدتي ؟

فقلت لها: هذا شك بمبلغ كبير من المال لك ولابنك رشاد تصرفينه من المصرف البلدي في العاصمة، وتشترين بيتاً ومفروشات، وما تحتاجينه من مستلزمات أخرى..

فقالت ولِمَ كل هذا المال يا سيدتي؟!!

فقلت لها خذيه الآن وستحصلين على ما تشائين منه بعد نفاذه ..

أحسستُ بالفرحة تحتلُّ كيانها، وكأنَّها لا تصدق عينيها وعندما اتجهت نحو باب الغرفة استوقفتني قائلة:

– مهلا لدي شيء سأعيده إليك يا سيدتي .

سألتها: ما هو ؟

فتحت درجاً في خزانة ملابس جانبية قديمة، وأخرجت من تحت الأغراض في أرض الخزانة منديلاً أبيض اللون، حلَّت عقدة كانت فيه، وتناولت منه خاتماً وقدمته لي قائلة: هذا الخاتم أهداه المرحوم السيد سامي لعزام قبل أن يموت بساعتين، وقد خبَّأه معي يومها، ولم أعطه له عندما طلبه مني أكثر من مرة بحجَّة أنَّني أضعته، فتوعَّدني بانتقام قريب.. كنت سأحتفظ به لرشاد، وألبسه إياه في أصبعه عندما يصبح شاباً..

نظرت إلى الخاتم، وأخذته من يدها تفقدته بذهول وقلت:

– إنَّه خاتم سامي.. أجل كان يلبسه يوم الحادث.. إن ثمن هذا الخاتم باهظ جداً.. أنظري إلى الفص الماسي، إنَّه يساوي خمسة آلاف دولار كما أخبرني ..

فقالت هنية: ولكن السيد سامي أهداه لعزام ..

فقلت لها: أتصدقين ذلك يا طيِّبة القلب؟ لقد سرقه منه بعد أن قتله. ..

فصرخت هنية بخوف مفاجئ : قتله؟!!

فقلت لها: نعم وأنا سمعته وهو يقتله، ولكنني لم أستطع أن أفعل شيئاً في ذلك الوقت لأنني كنت وحيدة في البيت وخشيت أن يقتلني إن هو أحس بأنني علمت بذلك.

– فصرخت: أيعقل هذا يا سيدتي، عزام يقتل من أكرمه ورفعه من الحضيض إلى النعيم؟

– هذا ما حصل يا طيبة، هنية أريد منك أن تشهدي بالحقيقة في المحكمة ؟

فقالت: ضد من سأشهد يا سيِّدتي؟

فقلت لها: لن تشهدي ضد أحد، فقط قولي الحقيقة، ومن أين حصلت على هذا الخاتم..

فقالت هنية: حسناً سأفعل ذلك، ولكن لماذا لم يلفت انتباهك اختفاء الخاتم بعد موت المرحوم ؟

فقلت لها: إن مقتل سامي طغى على كلِّ ما عداه، ولم أفكِّر بأمواله، أو بما خلَّفه لي من ميراث ضخم قبل هذا اليوم الذي نويت زيارتك وتقديم المعونة لك ولابنك، ستعرفين في المحكمة كلَّ شيء،كلَّ شيء يا أمَّ رشاد، ستفاجئين بأمور كثيرة وأتمنى أن تجدي لي عذراً فيما فعلتُ..

15

أحسست بحاجة للانفراد بنفسي قبل مرافقة والدي إلى مخفر الشرطة، وتسليمي للسُّلطات القضائيةِ المختصَّة هناك، دخلت غرفتي المشتركة مع أختي سماح وأغلقت ورائي الباب. داهمني ارتباك مفاجئ ربّما كان دفيناً تحت وطأة الحوادث الكثيرة التي مازلت أمرُّ بها، فوجد بتسارع الوقت فجوة للعبور منها إلى الوعي بفوضى لاشعورية، فانتابني إحساس غريب كما لو أنَّني أواجه الصدمة للمرة الأولى، يا إلهي في أي هوَّة وقعتُ؟!! الأمر ليس سهلاً كما كنت أتصوره بعين المثالية التي لا توجد إلا في كتب الأخلاق، وعالم الخيال، وإن وُجِدَتْ في الحقيقة فقد تكون نقطة في محيط، فهل سأكون أنا هذه النقطة في محيطٍ خلع عنه عباءة الخير وتلبَّس الخداعَ بأدنى مستوياته؟! ولماذا سأضحي ولأجل من؟ قد يلف حبل المشنقة حول رقبتي، والروح غالية، أوقد أسجن مدى العمر، وقد يكون السجن لسنوات مع الأشغال الشاقة، وحتَّى لو كان عاماً بل شهراً أو ليلة واحدة، فليس باستطاعتي تحمل العيش في الزنزانة مع نساء محكوم عليهن بجناية ما، فهناك القاتلات والمهرِّبات والدَّاعرات وبينهن فاقدات العقل.

لطفك يا رب لقد عرفت الآن قيمة الحرية، إنَّها أجمل شيء في الوجود بعد الإيمان.

ضاقت أنفاسي، فأجهشت بالبكاء، وراحت دموعي تتدفَّق بسخاء، بينما أصابت يديَّ برودة مصحوبة برعشة مزعجة.

غزتني الرهبة بكل معداتها الحربية ومقاتليها، فانهزمتْ قدرتي في المقاومة، وتقوقع خوفي من أبى في ركنٍ مهجور من فكرةٍ باهتة، وتبعثرتْ أفكاري في اتجاهاتٍ مختلفة. أحنى الخوف ظهري وتجسدت لحظة الاعتراف طودا مطبقا فوق صدري، أجل هي لحظة فارقة في حياتي، وبين اللحظة واللحظة برزخٌ مجهولٌ لا يعلمُه إلا منْ سوَّاه، سبحانه كم نفس تقبضُ بين شطَّيهِ؟ .. كم دمعة تسكبُ بحرقةٍ أو بفرحٍ، كم من دمٍ يهدرُ قبلَ بلوغِ الشَّطِ الثاني بين اللحظةِ واللحظةِ؟

أيقنت الآن أنني أنثى ضعيفة جداً رغم كوني قاتلة، ولكن ماذا سأفعل بعد أن أخبرته بكلِّ شيء، هل أعود فأقول له بأنني قد تراجعت عن قراري الرَّصين، ومزَّقتُ أوراق اعترافي؟ ليتني لم أعترف .

إنَه الآن ينتظرني في الخارج ليذهب بي إلى السجن، ترى هل هو جادٌ في قراره؟ أيسلم ابنته بيده إلى حبل المشنقة؟!! هل وصلت به المثالية إلى هذا المستوى من التضحية وهو يعلم أنَّني ما قتلت إلا انتقاماً لزوجي؟ نعم سيفعل ذلك لأنه يطمع بمحاكمة عادلة تنصفني في الدنيا والآخرة، ولكنني قاتلة ومتسترة على جريمة قتل، ومسببة في موت أمي، عقابي سيكون شديدا لا أستطيع تحمله. لا لن أسلم نفسي أبداً، وإن أصرَّ والدي على ذلك، أجل لن أعترف أمام المحقِّقين، أنا لست مجنونة كي أفعل ذلك، سأهرب من البيت قبل أن يذهب بي إليهم.

نهضت على عجل ووجل، فتحت خزانتي وأخرجت منها حقيبة ملابس فارغة رحت أضع فيها بعض الحاجيات التي قد تلزمني أكثر من غيرها، وما نسيتُ أن أدس في حقيبة يدي مبلغاً كبيراً من المال قد أحتاج إليه أثناء هروبي من البيت، ووضعت بداخلها بعض المجوهرات وخاتم سامي ومجموعة الصور التي تجمعني به وحمالة مفاتيحه الخاصة ودفتر شكاته، فقد استودع قبل وفاته أموالًا كثيرة في البنك لضرورة ملحة ترتبط بتحويلات نقدية لإحدى الدول الغربية بعد الصفقة التجارية التي أنجزها، الخاصة بمعدات التجهيزات الطبية للمشافي بشكل عام، وكنت قد أعطيت هنية شكاً من هذا الدفتر عندما قمت بزيارتها، ووضعت في حقيبة الملابس ما يخص سامي من مستندات هامة.

خرجت من الغرفة وأنا أحمل الحقيبة بيدي، كان أبي مستغرقاً في صلاة سنة الضحى بينما سماح في المطبخ تنظف بعض الأواني التي ملاْ صوتها المكان، خرجت من البيت بهدوء وحذر، وتركت الباب مفتوحاً خشية أن يلفت صوت إغلاقه انتباههما.

التفاتة سريعة تلقَّاها باب بيتنا من الهاربةِ أنا، كانت بمثابة تحيَّة الوداع استعرضت خلالها شريط الذكريات التي عشتها مع أهلي في هذا البيت الكريم الذي تربيت فيه على الإيمان والصلاح، صور كثيرة تزاحمت على نوافذ ذاكرتي المضطربة لعلَّ أجملها وأقربها إلى نفسي كانت صورة والدتي ونحن نحتفل بها عندما عادت من الحج قبل عشر سنوات، رأيتها تبتسم لي بمحبة وحنان، فعلـَّقتُ بعينيها خوفي وضعفي وقلة حيلتي ورجوتها أن تسامحني.

كدت أسقط بالخنوع والعودة إلى البيت فأغلقت عينيَّ لأطرد كلَّ الذكريات ولأرى طريقي وأنا أنزل من الطابق الثاني على درج العمارة باتجاه الشارع العام .

وصلت الطريق ربما في الوقت الذي خرج به والدي بالتسليم من الصَّلاة، مازال أمامي بضع دقائق أستقلُّ خلالها سيَّارة أجرة تبعدني عن البيت ريثما يتفقَّدني والدي ويبدأ البحث عنِّي.

بشيء من الرتابة سألني سائق السَّيارة التي مرَّت في اللحظة الحاسمة من قربي: إلى أين تودِّين الذهاب؟

أجبته بقلق: إلى أي مكان

فسألني بخبث: أينَ يعني؟

استدركت الأمر خشية أن يظنَّ بي سوءَ فسألته بجدية: ألا تعرف مطعم أي مكان، وكنت قد نطقت به دون معرفة)؟ إنَّه في وسط المدينة قرب حديقة النَّوافير.

أجاب ببرود: أعرف الحديقة فقط.

فقلت له: حسناً خذني إليها إذاً.

وقبل أن تبتعد السَّيارة عن بيتنا بمسافة طويلة رأيت والدي يخرج من بوابة العمارة ملهوفاً، وهو ينظر يمينةً ويسرة علَّه يجد ضالته الهاربة، ولكن عبثاً كانَ يحاول، فودَّعته بدموع ساخنة، وأنا أعلم بهمِّه الكبير وحزنه العميق، وما هو فيه الآن من عذاب وقلق، فكنت في هذه اللحظة أشدَّ مقتاً لنفسي من أي وقت مضى.

 

16

ربما كانتْ الأرواحُ التي تسكننا مرآةَ صفاءِ النفسِ في حياتِنا، بها نفرحُ وبها نحزنُ، وبها نهاجرُ من لحظةِ العدمِ إلى لحظةِ الإشراق، فنرى الكونَ هالةً من نورٍ خلابة واسعة بوسعِ الفِكرِ والإحساس.. لا يحدُّها زمانٌ ولا مكانٌ، هناك في هذا الجمالِ اللا متناهي أجدُ نفسي في كثيرٍ من الأحيانِ محلقةً بقلبٍ غير القلبِ الذي في صدري، وعيون غير عيوني، وإحساسٍ غير إحساسي.. أجدني أثيرًا خفيفًا شفيفًا.. اِشتقت لأنُسِ روحي الذي هجرني بمقتل سامي، فليسَ أجمل ولا أرقى من الشعورِ بها، والعناق معها جسداً بروحٍ..

نزلت من السيّارة قرب الحديقة، واتجهت إلى بابها الرئيسي، وأنا أحمل حقيبة ملابسي وممتلكاتي الثمينة، وعندما جلست على مقعد جانبي في مكان قليل الناس، شعرت بطمأنينة تزيح عن نفسي هماً أوشك أن يقتلني، ولكن صورة أبي وهو يبحث عني في الشارع ظلَّت تطاردني بشراسة تأنيب الضَّمير، فأجبرتني على مغادرة الحديقة إلى أقرب هاتف في الطريق .

أخبرت سماح بأمر مغادرتي البيت، ولكنني لم أوضِّح لها سبب ذلك، وعلمت منها أن والدي لم يخبرها شيئاً عمَّا حدث، وطلبت مني العودة إلى المنزل أو الذهاب إلى بيت أحد أشقَّائي، أو أخواتي، أو إلى البيت الكبير، وأنها على استعداد للعيش معي هناك، رفضت طلبها، وقلت لها بأنَّني سأظلُّ على اتصال بها وما عليها سوى أن تعتني بوالدي جيداً، وتخبره والجميع بأنَّني بخير، ودعتها وهي ترجوني العودة إلى البيت، لكنني لم أستجب لتوسلاتها، ولم أعلمها بما حدث فهي حتى الآن لا تعرف بأني قتلت( عزام) وأن أمي ماتت بسببي، وكان والدي كتوماً لا يؤدب أحدنا أما م البقية، ويفضل أن يكلمه على انفراد كي لا يهدر كرامته أمام الجميع إذا اضطر يوماً لذلك ..

لم يكن في مخيِّلتي أي هدفٍ محدَّد أتوجه إليه، فرحت أسير في الطريق أشبع عينيَّ من جمال الموجودات التي تمر أمام ناظري رغم أنها لم تكن تجذبني من قبل، وأشكر الله أنَّني لم أسلم نفسي للشَّرطة.

أحسست بشي من السرور المبطن بالخوف، ورغم ذلك كان عذباً ظلَّ يداعب خيالي باماني وأحلام جميلة بعيدة عن السجن، وحبل المشنقة ، إنَّه الأمل الذي نحاول الوصول إليه والتَّشبُّث به، ولكنَّه في هذا الزَّمن المارق زئبقٌ لا نستطيع إمساكه، هو غصَّة ٌفي القلوبِ، دمعةٌ في العيـونِ، ورهبةٌ في الخيـــال، هو أشبه بالمُحال، هو نغمٌ عذبٌ تعزِفـُهُ الأمَاني على أوتارِ الرُّؤى، نسمعُهُ أنينا مُحرِقاً يُلهبُ المشاعرَ بالحرمان، يفجِّـر فينا براكينَ الحقدِ على منْ قيّـَدَ الأملَ بسلاسلِ الظــُّلمِ، ويفتحُ في معاقلِ البوْحِ نوافذ الثـَّورةِ ضِدَّ منْ حجبَ الشّمسَ عنْ صَباحاتِ أيَّامِنا النَّقيَّةِ، وأرْخَى سدولَ الليل على صفاءِ أفكارِنا، ولكنْ يظلُّ السُّؤالُ محيِّرا هلْ يَسمحُ الطـُّغاةُ لنا بالحِفاظِ على تلكَ النَّوافذِ مشرَّعَة  للضـِّياء؟

قد يكون الظلم قوة ولو من ضعيف سخيف، وقد يكون ضعفاً من استكانة قويٍّ نبيه، قد يكون الظالم جباراً وقد يكون جبانا، ويبقى الطغاة أسلحة بيد الشرِّ فهل أنا طاغية؟!

لا أنا لست كذلك، ولكنني قاتلة لم أرحم ضعفه، لم أستجب لنداء الخير في ذاتي المؤمنة، فانتصرت للشَّر بحجة الثّأر لزوجي، فأي نقاء هذا الذي أدعيهِ؟؟؟؟!!

أجل هذا ادعاء، كنت أخاف أن أقتل صرصوراً فقتلت إنساناً، وألقيت طفلاً في جحيم اليتم، ولكن هو الذي قتل أولاً، والنَّفس بالنَّفس والبادئ أظلم .

نعم نفس سامي بنفس عزام، وهو أظلم، قتلته به، وإن كان لا يساوي منه شعرة، لقد نصَّبتُ نفسي قاضية ومنفذة لحكم الإعدام!!

أي شهامة هذه ؟!!!!

وأنا في خضم هواجسي أحسست بقبضة قوية تمسكني من كتفي، كدت أشل خوفاً لولا أن أتاني صوت من خلف رأسي سبق الشَّللَ إليَّ: أخيراً وجدتك!!

حدثَّتني نفسي بأنَّ والدي قد أخطر الشرطة بأمري، فخرجوا يبحثون عنِّي، وقد وقعت فريسة سهلة في فكٍّ لا يرحم، وضعت يدي على رقبتي فشعرت بقسوتها كحبل المشنقة.

لم استطع الالتفات لرؤية المتكلم بسبب إصابتي بهبوط أو ارتفاع في ضَّغط الدَم لم أعد أميز بينهما، غير أنَّي سمعت في رأسي صدى ضربة قوية كتلك التي يضعونها في الأفلام السينمائية عندما تحدث مفاجأة ما، وقد أحسست بها الآن، فسرقتْ مني نصف عمري، ولا أدري كيف سأصرف العمر الباقي منه.

بحركة لاشعورية شددت يدي على مقبض الحقيبة، وأطلقت العنان لقدميَّ، ورحت أركض في الشارع، والناس تنظر إلي بدهشة لم أعرها أدنى اهتمام، وصوت الرجل يناديني، ويأ مرني بالوقوف، وصوت أقدامه أحسبها صوت سنابك خيل في ساحة حرب حمي فيها الوطيس، وأنا اشد بالجري إلى أن تعثَّرت قدمي بحجر فوقعت أرضاً، وقبل أن أنظر إليه جذبت حقيبتي نحوي وضممتها بكلتا يدي إلى صدري مغمضة العينين. كان جمع من المارة قد تحلّق حولي، فأصابني الذعر ورحت أرتجف كعصفور صغير، أصوات كثيرة كنت أسمعها ولكنَّني لم أفهم شيئاً من الكلام الذي ضج به الجميع، إلى أن أحسست بيد تمتد نحوي في محاولة لرفعي عن الأرض، فتَّحت عينيَّ فرأيته أمامي، وهو يقول لي :

– لماذا هربت مني أنا يا سيِّدتي، أنا لست مجرما .

أطلت النَّظر في وجهه، والدموع تنفر من عيني فسألني: مابك هل هناك ما يخيفك؟

تذكرت سامي ربما لمروري في يوم ما بنفس تجربة الخوف تلك، ولكن باختلاف الظرف، والشخص، والمكان.

ولكنه على أية حالٍ ليس( سامي) وهذا الوجه لا أعرفه.

 

17

قبل أن أنهض من انهياري فوق الأرض مدَّت إحدى النساء يدها ورفعتني بها، بينما أمسك أحد الحضور بقميص الرجل، وراح يضربه وينهره ويهدده بتسليمه للشَّرطة، والرجل يحاول أن يبعده عنه ويقول في محاولة لإقصاء التهمة عنه:

– لم أزعجها بشيء.. هي ركضت في الطريق.. ما ذنبي بما وقع لها.

نظر إلي : أليس كذلك يا سيِّدتي؟ أرجوك تكلَّمي.

تنفَّست الصعداء وأنا أنفض عن ملابسي آثار التراب التي علقت بها وصدري يعلو ويهبط خوفاً وتعبا قلت:

– بلى هو كذلك، ولكن ليس من اللائق أن تضع يدك فوق كتفي.. كادت روحي تخرج بقبضتك الثَّقيلةِ يا أخي.

قال بخوف شديد: كنت أريد منكِ صدقة لوجه الله.

فقال أحدهم: إنه شحاذ مجنون تعود مفاجأة المارة بهذه الطريقة، سنذهب به إلى المخفر، وهناك سيجد من يحسن تأديبه عندما تقدمين بلاغاً ضده بالاعتداء عليك.

قال الشحاذ: أرجوك يا سيِّدتي لا تدعيه يفعل ذلك، أولادي جائعون ينتظرون عودتي إليهم بالطَّعام .

رقَّ قلبي لحاله، وانتابني الهلع من الذهاب إلى المخفر، فقلت لممسكه:

– دعه يذهب على ألا يكرر هذا العمل مرَّة ثانية .

شكرني الشَّحاذ وانفضَّ الناس من حولي، فأخرجت من حقيبتي مبلغاً من المال وقدَّمته له.. أخذه فرحاً شاكراً، وعندما راح يبتعد عني رأيته يتعكَّز على عصاه، ويخطو بعرج محزن، فمضيتُ في طريقي أرثي لحاله، وأنا أعرج بخواطري حيثما اتفق، وأخلع عن نفسي رداء الخوف من قبضة الشَّحّاذ الرَّهيبة تلك، وما كان سيصيبني من الشرطة لو أني وافقت الرجل الآخر، وذهبت معه إلى المخفر.

سمعت أذان الظهر ينادي للصَّلاة فدخلت أول مسجد مررت به، وكنت على وضوء، فقد تعوَّدت منذ أن كنت صغيرة ألا أخرج من البيت دونه، خشية أن تفوتني الصلاة في حال تأخري خارجه.

أديت الصلاة في المكان المخصَّص للنِّساء، وجلست بعض الوقت أتلو سورة الأنعام بعد أن أخذت مصحفاً من فوق أحد الرفوف الجانبية .

في بيت الله تثلج الطمأنينة القلب، ويظهر الفارق بين المطيع لله وبين العاصي له الذي تأكل النار كبده.. ثمَّة أحاسيس متباينة كانت تنتابني بين الفينة والأخرى، فكنت ألوم نفسي حيناً، وأشفق عليها حينا آخر.. رفعت يديَّ بخشوع إلى السَّماء، ورحت أدعو الله بدموع الألم وأسأله أن يكون معي، ويساعدني فيما أنا فيه، ويلهمني حسن التصرف.

لحظة صفاء روحيٍّ أعيشها الآن، أتشبثُ بها، أحضنها بقلبي، أرعاها بوعيي، أزرعها نقاءً.. نوراً ومحبة، أسقيها أحلامي.. آمالي، أسمو بها فوق الشبهات، أحلق حيث النور يكتسح الظلام، يغسلني من آثام باطنة، وأخرى ظاهرة، أصبحت شفيفة كما روحي النقية،، وعندما عدت بها إلى حيث العمر ما زال يدور، وجدت نفسي حاملة المسك الأبدية رغم كل ما أحمله من هموم ومشاكل وآلام.

بالقرب مني كانت تجلس سيدة في السِّتين من العمر تقريبا ربما سمعت توسُّلي إلى الله، فوقع في نفسها عطف علي.. سألتني عن همي فأخبرتها بأنَّني غريبة، وأخشى أن أذهب إلى الفندق دون محرِم، فدعتني للمبيت عندها.. كيف سيكون ذلك وأنا من أنا بالنسبة لنفسي؟ ضج رأسي بمعرَّفي، هويتي، وبذكريات الماضي القريب منه والبعيد، آه من الذاكرة بكل مافيها من عمرعشتُه نبضة، نبضة، حفرت فوق أديم لحظاته تفاصيل حياةٍ ماعادت إليَّ يوماً في غفلة من عيون الوعي إلا أسعدتني رغم وشاحٍ قديكون ليلي اللون، لكن ما همني اللون الآن مادامَ للطعم جمالٌ آخر… دمعة.. بسمةٌ، فنداءٌ يهزُّ أعماقي وكأنني أصطاد من ألق النور ومضاتٍ تضيء لي طريق المستقبل فتسعدني وإن تعثرت بحَرِّ دموع.

هي أرملة، ليس معها في البيت إلا بناتها الأربع، وهنَّ شابات يدرسن في الجامعة بصفوف مختلفة.

شكرتها معتذرة عن قبول الدعوة، فأشارت عليَّ بأن أذهب إلى بيت الطَّالبات حيث تديره سيدة محترمة، ولا يدخله من الرِّجال إلا أهالي الطالبات عندما يحضرون لزيارة بناتهم حيث يوجد غرفة مخصصة لاستقبال الضيوف.

كتبت لي العنوان على ورقة صغيرة وسجَّلت رقم هاتف منزلها، فقد أحتاج لمساعدتها يوماً، فأجدها أمامي.

أحياناً تختنقُ الكلماتُ بالحزن.. ترفضُ البوحَ خشية ازديادِ النزفِ الموجع، وتفجُّرِ الاحتقانِ المزمنِ بالقلقِ، فتكتم أنفاسَ النطق بغصَّةِ شجنٍ تحرقُ الذاتَ بكفِّ الرَّهبة، فتنفر الدموعُ من العيونِ وتبحر بالألمِ العميقِ، فيُطرَب الكونُ بهديلِ حمامٍ يسكبُ حزنُهُ العبيرَ في آفاقِ الإحساسِ، وتبتسمُ الشَّمسُ بعدَ احتجابٍ بحضنِ السهد والنطق يشتدُّ اندلاعاً بأغنياتٍ تتحدى الرَّهبةَ، فتقلق عينَ الرَّصدِ بوهج الجرحِ واحتراقِ الدماءِ . أتراها ألقتْ الشمس لي ألقَ الوهجِ، وغابت خلفَ الأفقِ؟ ربما صدق ظني وربما خاب.

دخلت بيت الطالبات، وأول شيء قمت به هو البحث عمن يدافع عني في هذه القضية إن أنا سلَّمتُ نفسي للعدالة، فهل أجد عندكم محاميًا بارعًا يقوم بهذه المهمة؟.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

 

إلى اللقاء في الجزء الثاني بإذن الله

الحقوق محفوظة لزاهية بنت البحر

مريم يمق

 

الإعلانات

One thought on “الإعتراف(رواية لزاهية بنت البحر)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: