Mryam M.Y

Just another WordPress.com weblog

بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر) (62)

0

هيأت أم عادل وعلية فراش سراب الذي ستتم فيه الولادة وهما تقرأان بسرهما المعوذتين، والإخلاص، وجهزت درة البقجة الخاصة بديارة هاشم التي حلمت بتجهيزها سنوات مديدة، ولم تنسَ أن تجعل فستان عادل- الذي ضمه الصندوق العجوز ردحا طويلا من الزمن بانتظار ابنه في بقجة خاصة به مطرزة بالخيوط المفضضة والمذهبة.. لكنَّ عليَّة كان لها رأي آخر بالنسبة لفستان الحلم العتيق الذي أكل الزمن عليه وشرب، فطلبت من أم عادل ألا يكون هو أول ما يرتديه الوليد لقدم موضته، ولعدم لياقته للحاضر، فكل شيء قد اختلف عما كان سابقا، وإلا فسيكون محط انتقاد الحاضرات، ولسوف يصبح مضرب المثل في السخرية بين الناس، ورشحت عوضا عنه ما أحضرته هي له من ملابس جديدة دفعت ثمنها غاليا لحفيدها الأول لم يلبسها قبله أب، ولا جدّ.

أحست درة بكسرٍ في  خاطرها، وغصة في حلقها.. فاحتقنت الدموع ملتمعة في عينيها المتعبتين مما وجه إليها، فأسدلت أجفانها بانكسار، وأغمضت مقلتيها ببطء في محاولة للهروب مما هي فيه من إحراج  لكتم فوران مشاعرها المهتاجة بتلك الصفعة التي وجهتها إليها علية دون أدنى حساب لأحاسيسها بجهل  كان أو بقصد.. لم تستطع بداية، فاستعانت بالله كي لا تقلب جو الفرح إلى جو غمٍّ ونكد تاركة لعلية حرية اختيار ما تراه مناسبا لحفيدها حسب ما ترتاح إليه ذائقتها.

رغم انشغال سراب بآلامها وتأوهها المستمر، وعدم قدرتها على الكلام بسهولة، فقد سمعت ما دار من حديث بين أمها وحماتها.. لم تستسغ ما قالته والدتها فمثل هذا التصرف الفج لايليق أن يصدر عن أمها المعروفة بالحكمة واللباقة، ولا أن يوجه إلى حماتها بهذا الأسلوب بغلظة تمقتها النفس الشفيفة، فطلبت منها على مسمع من أم عادل أن يكون فستان أبيه هو أول ما يرتديه هاشم، لرغبتها وزوجها وأمه في ذلك واتفاقهما عليه، فلم يعد أمام عليَّة إلا الانصياع لمشيئة الجميع رغم أنفها.

قبل قليل كتمت أم عادل دموعها منعا لحدوث أي شيء قد يعكر صفو اليوم داخل البيت- خاصة وأن علية مهما يكن هي ضيفة عندها – وما يحدث في الخارج- من ثورة الريح، والبحر، وتساقط الأمطار- قام بالواجب وأكثر، لكنها عندما سمعت ما كان من موقف سراب وما نطقت به من درر، جعلها عاجزة عن لجم كرم عينيها، فانهمرت منهما دموع السعادة محلاة بقطر الشكر من كلمة حق قالتها سراب جبرت بها كسر خاطرها، ورفعت كثيرا من معنوياتها النفسية.

 رفعت درة يديها  إلى السماء شاكرة.. حامدة، ولسانها يدعو الله بنبض قلبها الطاهر أن ييسر الولادة  لسراب  على خير مما جعل علية تبتسم وهي تؤمِّن معها وكأن شيئا لم يكن.

لاحظت علية اشتداد الطلق مع ابنتها، فسألتها إن كانت تود استدعاء القابلة.. أومأت لها برأسها إيجابا ووجهها ينضح عرقا، وهي تتأوه بألم كبير،  وتسأل الله سرا وجهرا العون ومساعدتها بالخلاص مما هي فيه  على خير.

تأخرت القابلة بالحضور، فازداد قلق وجيهة ودرة على سراب خاصة وقد راحت  تتقلب في سريرها بضيق شديد، والعرق  يتصبب من وجهها ويديها، وعندما وصلت القابلة إلى البيت كان الليل قد أرخى سدوله على الجزيرة، بينما كانت العاصفة تشتد نهشا بها من الجهات الخمس.

بقلم

زاهية بنت البحر

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: