بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)30

1

ظلت سراب تقاوم رغبتها بالخروج من الغرفة- وحماتها منهمكة بما لايهمها أمره- وتدعو الله أن يرجع عادل الذي وقف مذهولا، مرتعشا أمام ما قدم له البحر دون سابق إنذار.

“أنا البحرُ فى أحشائهِ الُدرُّ كامنٌ.. فهل سَاءَلوا الغواصَ عن صدفاتي”

أما صدفاتك التي قذفتها اليوم لعادل دون غوص ولا سباحة وهو ساهٍ عن كنوزك العجيبة الغريبة، الغالية، المدهشة فقد كانت بالنسبة له قاصمة ظهر:

– لماذا تقسو عليَّ يابحر؟

دارت به الدنيا، كاد للحظة تسرَّع فيها قلبه أن يتوقف للأبد… خطف لونه.. أغمض عينيه بعد اتساع جعلهما جاحظتين، داراهما عن تلك التي مالت في السماء للغروب، فاكتست ثوبا برتقاليًا أضفى أثره فوق وجهه كاشفا لما حدث داخله من انهيار مخزٍ لمثله من الرجال.

بحارا كان أو صيادا فقوة زنديه يجب أن تطفو على جميع مواهبه، يشد بها حبلا، مرساة أو شباكا تمتلئ بثروة سمكية يقدمها له البحر ثمنا لكفاحه ونزِّ عرق العافية. ما بال زنديه الآن تورعا عن القوة مثقلين بهول المفاجأة؟

 حمد الله في لحظة عبرت أفق تفكيره.. لم يره أحد في الجرم المشهود وهو ينحر تماسك نفسه على مذبح الخوف، يبحث فيها عن قشة في بحر أفكاره الهادرة تنقذه مما هو فيه من قلق سقط عليه بتلك المفاجأة الرهيبة بخلوةٍ تقصدها طلبا لشيء من الراحة، فوجد نفسه في جبٍّ عميق تهدر في جوفه أصوات ضجيج لا تشبه سواها مما عرفه من أصواتٍ وضجيج ولم يجد القشة.

أحس اختناقا.. حاول تسلق جدران الجبِّ المظلم.. فشلت المحاولة، أعاد الكرة.. ضاقت أنفاسه.. تذكر أمه عندما رفعته ذات يوم من البئر وهو صغير وقد خرج بالقطة الميتة التي أفسدت ماءه، كان متعبا آنذاك..  منظر قطته الغريقة في الماء ألهب صدره بالحزن لفراقها فقد تعهدها بالحماية منذ ولادتها، وبنى لها بيتا صغيرا في حوش المنزل، كانت تحبه ، تلحق به أينما ذهب، يناديها تأتي إليه ولو كانت في الحارة، جمعت بينهما صداقة حميمة دامت أشهرا، صعب عليه يومها تحمل منظرها فاغرة فمها.. جاحظة العينين، افتقدها ليومين، بحث عنها في كل مكان ، لم يجدها فدلته عليها رائحة التفسخ الخارجة من الجب، لم يعلم كيف سقطت فيه، وعندما وصل بها إلى فتحة البئر زغردت درة فرحا بنجاحه بإخراج الميتة من الماء.. سمعها تزغرد وحيطان البئر تردد الزغرودة بينما كان قلبه يبكي قطته المدللة..

–      هذا فستان فرحي يا سراب، مازلت أحتفظ به .. قماشه أبيض بلون الياسمين، كلفنا مالا كثيرا، اشتراه لي عمك أبو عادل من بيروت مع باقي الشوفة(ثياب العروس) كان فستانا جميلا لم أرَ مثله أبدا،  مازلت أحتفظ به حتى اليوم.. كنت أود أن ترتديه وجيهة ليلة عرسها لكنها رفضت رغم أنه يناسبها تماما، تبدلت الأذواق فما كان يعجبنا لم يعد يعجب الجيل الذي جاء بعدنا، هي سنة الحياة..

صمتُ سراب جعلها تنهي الحديث عن فستان عرسها الأبيض المطرز بذكريات فرحها، وأيام وليالي سعادتها الغابرة. تتابع البحث في الصندوق بينما أنهك التثاؤب سحاب وأذبل النعاس عينيها. هي متعبة الآن ولا تحب مط الوقت في أمرٍ يزيدها تعبا ولا يعلم مداه إلا الله، لكنها من أجل سعادة أم عادل الآنية التي أنستها وعكتها الصحية كانت تكابر بصبرٍ مرير.

بقلم

زاهية بنت البحر

الإعلانات

One thought on “بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)30

  1. يحي المرباطي

    اثراء الناس بالعلوم النافعة فيه اجر كبير
    وتوعية الاخرين من خلاال حرف جبار يكتبه قلم عملااق بيد كاتب مقتدر ومبدع لفيه اضاءة لقلوب مظلمة .

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: