بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)28

0

 

فتحت سراب لحماتها الباب.. رحبت بها.. رأتها متعبة والإرهاق بادٍ على وجهها بوضوح.. دخلت العجوز غرفتها بهدوء.. غيرت ملابسها وخرجت إلى المطبخ متثاقلة في مشيها لتحضير كأس من مغلي الكمون، فقد تعودت أن تخدم نفسها بنفسها دون أن تطلب من كنتها أو ابنتها  مساعدتها، فهي امرأة تكره الكسل الذي تعتبره من مسببات العجز المبكر للشيوخ، ولا تحب أن تشغل غيرها بأمورها الشخصية مادامت قادرة على القيام بها إلا في حال لا تستطيع فيها تأدية ذلك.. لحقت بها سراب.. طلبت منها الخلود إلى الراحة وهي ستعد لها المغلي.. لم تمانع.. جلست على الديوان في غرفة المعيشة وعيناها مسبلتان، ويمناها فوق صدرها شمالا.. لم تستطع سراب إخفاء قلقها على حماتها التي خرجت بنشاط ملفت، وعادت بتعبٍ ملفت أيضا.

تناولت العجوز مغلي الكمون بعد أن وضعت فيه سراب بعض عصير الليمون، وأحضرت لها طشت فيه ماء ساخن لتضع فيه قدميها فربما يساعد ذلك على الإسراع بالتحسن.

قصَّت أم عادل على سراب كل ما مرَّ بها من أحداث منذ خروجها من البيت حتى عودتها إليه. ولم تنسَ أن تبدي قلقها على ابنتها وجيهة وما هي فيه من همٍّ وغمٍّ، وعلى واعدة المسكينة أيضا وما ينتظرها وولديها من تعب في الحياة من جراء تآمر العقربين جمحرة وأمها الظالمة، وانبطاح عوني المخزي لتسلط أمه وأخته فقد نفض يديه من أخلاق الرجولة، بينما أخبرتها بأنها تحس بارتياح بما يخص رزق بعد أن وعدتها رضوى خيرا.

أحست بشيء من التحسن بعد تناول المغلي، فحمدت الله وراحت تعدد لسراب أسماء أصحاب الخير ممن تنوي أن تطلب منهم مساعدة رزق.

نظرت درة في وجه سراب وكأنها تذكرت شيئًا هاما.. نهضت من مجلسها وقالت لها:

–        تعالي معي إلى غرفتي..

 

لحقت بها دون أن تسألها عن السبب. فتحت العجوز باب الغرفة.. دخلتها وسراب.. اتجهت إلى خزانتها التي رافقتها طوال حياتها واحتفظت بالكثير من أسرارها الخاصة والعامة، فقد شهدت معها أجمل أيام عمرها منذ أن تزوجت وأنجبت وربت ولديها فعاشت معهما أرملة ويتيمين، وكم اختزنت في سر مرآتها من أحزان ودموع نزفتها في ليالي وحدتها بعد أن يغفو القمر وتأوي النجوم إلى أحضان الغياب. رأتها سراب من خلال المرآة كما لم ترها من قبل، وكأن متاعب السنين كلها قد تجسدت في وجهها ألما وحزنا، حشرجت في حلقها غصة، كتمتها بصعوبة، فاندفعت بسعال مفاجئ ..

 فتحت درة خزانتها.. أخرجت منها مفتحا صغيرا.. أغلقت باب الخزانة بشيء من العنف دون قصد منها، فاهتزت المرآة بشدة ظنت سراب للوهلة الأولى بأنها ستسقط فوق الأرض لا محالة فسَّرتها ضمنيا بشيء من الاحتجاج على وضع حماتها من تعب، وتارة أخرى حزنا عليها..

طلبت درة من كنتها الجلوس فوق السرير كي لا تشعر بالإرهاق وهي في الأشهر الأخيرة من الحمل بينما راحت هي ترفع  الفرش والمخدات والبسط عن الصندوق الكبير الذي يربض في الركن الشمالي من الغرفة.

 حاولت سراب مساعدتها أكثر من مرة لكنها رفضت بشدة. فتحت الصندوق ففاحت منه رائحة الخَزْنِ القديمة ممزوجة برائحة صابون الغار والنفتلين المضاد للحشرات.

 أحست سراب بشيء من الضيق سببته لها تلك الرائحة المزعجة، لكنها لم تدع حماتها تشعر بذلك، ودعت ربها أن تنهي بأسرع وقت ممكن تلك المهمة التي لاتدري عنها شيئا،  ولا تعلم لماذا أتت بها إلى غرفتها في هذا اليوم بالذات وفتحت الصندوق الذي تجهل تماما ما تخبِّئ فيه، فلم يسبق لها أن فتحته أمامها من قبل..

كانت سراب تراقب حماتها عن كثب يخالجها إحساس بالخوف عليها، فقد علت وجهها صفرة واضحة مصحوبة بتسرع أنفاسها وهي تفرغ  الصندوق مما فيه.

مرت لحظات ظنت فيها سراب أن حماتها قد تقع مغشيا عليها، وقد يحدث هذا فجأة وهي وحيدة في البيت، فدعت ربها أن يحضر عادل في أقرب وقت لينقذها مما هي فيه من قلق، بينما كانت درة تبتسم لأمر ما وهي تجدُّ بإفراغ الصندوق العجوز مثلها، ومثل مرآتها وسريرها النحاسي الذي لم تستبدله بآخر خشبي رغم محاولة عادل ذلك مرارا وتكرارا.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: