بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)22

0

 

قبل أسبوع  اشترى عادل في طريق عودته إلى البيت ديكا سمينا ذا عرف أحمر جميل من (العنيدي بوصطيف) كان يعرضه للبيع في إحدى أزقة الجزيرة بعد أن طردته والدته مع ديكه المدلل الذي أفسد  عليها حديقة البيت الصغيرة وما فيها من مزروعات، وأزهار وورود، وأصيص القرنفل الذي يذكرها بزوجها الراحل وكيف كان يحب أن يرى القرنفل المخملي الخمري يزين شعرها، فأقسمت ألا تسمح له بدخول الدار إن هو عاد ومعه هذا العفريت المؤذي.

كل تفاصيل الحدث الجميل تظل متقدة في الذاكرة مهما طالت قامة الوقت واتسعت مساحته ..ربما تهرب لحظة خجولة من حضن العمر، فتختبئ خلف عيون الذاكرة بإحساس طفلة بريئة المشاعر، تنتظر رفة جفن تعيدها إلى داخل الإطار، فتبدو أكثر وضوحا عندما تتبختر في طريق العودة.

رحبت أم عادل بالديك الجميل فأنزلت القن القديم عن سطح المطبخ وهيَّأت له موضعا في الزاوية الغربية من حوش البيت، فصار المنبه الطبيعي لها في أوقات السحر، يوقظها من النوم بصياحٍ أحبت سماعه، فكانت تتوضأ.. تصلي قيام الليل.. تسبح الله كثيرا.. تحمده.. تؤدي صلاة الفجر.. تقرأ جزأ من القرآن.. تحتسي قهوة الصباح ثم تجلس مع الديك.. تطعمه وتسقيه.. أكثر من مرة سمعتها سراب تحدثه.. بداية خافت أن تكون حماتها قد أصيبت بمس في عقلها، لكنها سرعان ماتراجعت عن خوفها عندما رأتها تحدثه أمامها.. تلاعبه كطفل صغير، وهو ينظر إليها بلا فهم، وذات مناوشة بينهما نقر أصبعها.. تألمت، بلعت على مضض تأوها كادت تطلقه.. ضحكت بتصنع  تلافيا لشماتة سراب التي كانت تراقبها عن كثب بابتسامة خفيفة في محاولة لإخفاء ضيقها من الديك المزعج لها بالصياح، وعندما كانت تبدي ذلك لحماتها كانت تقول لها: إنه يسبح الله بلغته ياابنتي، فلا تتضايقي منه.

تضحك سراب فهي تعلم أن كل شيء في الكون يسبح الله عزَّ وجل بلغته، وهي لاتحتج على ذلك وإنما احتجاجها فقط على كثرة الصياح، ثم تعود فتسبح الله وتروض نفسها على سماع تسبيح الديك فتحس بالرضا..

بالأمس ذبحه عادل، وطلب منها أن تحضره  لعشاء اليوم. أحست العجوز بالحزن على الديك فقد تعودت عليه، وبات يؤنسها ويشغل حيزا محترما من اهتمامها عندما تشعر بالفراغ.

 فراغ نهش كبدها لسنوات طويلة بينما أحست سراب بارتياح كبير لذبحه، وعودة الهدوء إلى البيت.

 تباين المشاعر بين امرأتين لم ينحت أثرا مزعجا في صدريهما وإن لم تستطع أم عادل الاحتفاظ بنسائم فرح عابرة مرَّت في أجوائها النفسية بمؤانسة الديك المطرود من بيت امرأة أخرى، هذا قدره مالبث أن لقي به حتفه في بيت شرَّعت له فيه سيدته الأبواب والنوافذ.

بقلم

زاهية بنت البحر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: