بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)6

2

توالت الأيام كحلم لا تخلو أحياناً من بعض شرود، وشيء من الدُّموع حاولت فيها سراب أن تسلي نفسها بالعمل في أشغال البيت، ومساعدة حماتها في تخزين الأغذية التموينية التي يحتاجونها في الشتاء. فكانت تقضي معظم أوقاتها بمحادثة أم عادل وقلَّ ما كانت تقوم بزيارة أهلها إلا عند الضرورة أو إن كانوا باجتماعٍ عائلي، فهي تحب أسرتها وتحب  الاجتماع بهم ولكنها مراعاة لزوجها كانت تقلل من زيارتهم كي لا تترك حماتها وحيدة في البيت.

خلال السنوات العشر الماضية كانت علاقة سراب بأم زوجها رائعة، فكانتا تتعاملان معاملة الأم وابنتها. وكثيرا ما كانت وجيهة تغار من زوجة أخيها ولكنها  لم تكن تظهر غيرتها بشكل عدائي، وإنما كما يقول المثل العامي( بالأمزاح تشفى الأرواح) وكانت سراب لا تبدى ضيقا رغم ما يترك الكلام في نفسها من جراح، فكانت تعمل بالمثل القائل( كرمال عين يكرم مرج عيون)، فعاشت بهدوء دون أن ينغص حياتها قيل ولا قال اللهم إلا شعورها باحتياجها لطفل صغير يحقق لها حلم الأمومة والشعور بأنها أنثى لا ينقصها شيء.

ذات جمعة جاءت والدة سراب لزيارتها باكرا، استقبلتها أم عادل بالترحاب وكانت وجيهة هي الأخرى قد جاءت لزيارة والدتها برفقة أولادها، فقد درجت على هذه العادة في كل يوم جمعة من الصباح وحتى المساء، وكانت سراب تقوم بمساعدتها طوال اليوم بأمور أولادها الخاصة منها والعامة دون ضيق أو تذمر.

قامت أم عادل بواجب الضيافة على أكمل وجه مرحبة بالزائرة الكريمة، ودعتها لتناول الغداء الذي يعدون له، فاعتذرت بلباقة وهي تنظر إلى ابنتها سراب وقد بدا الذبول في وجهها جليا رغم فرحها بزيارة أمها المفاجئة، وازدادت  فرحا عندما أعلمتها بأن والدها سيأخذهم بعد صلاة العصر إلى جزيرة الحبيس للسباحة هناك، فالطقس اليوم جميل، والبحر هادئ يغري بخوضه وتوديع الصيف قبل رحيله، فقد اقترب أيلول ولن يعود باستطاعتهم الذهاب إلى جزيرة النوارس والسباحة فيها بعيدا عن أعين الرجال.

أبدت سراب موافقتها ودعت حماتها ووجيهة لمرافقتهم في هذه الرحلة. ابتسمت أم عادل وشكرتها على الدعوة، لكن وجيهة امتعضت وقطبت مابين حاجبيها مبديةً استياءها من الموضوع بحجة أنه  يوجد في جزيرة الحبيس بعض الرجال الذين يتعاطون الخمر، وأن عادل لو علم بذلك لما وافق على ذهابها مع أهلها.

أحست والدة سراب بالضيق مما تفوهت به وجيهة وأحدث ذلك في نفسها شرخا قد لا ترأب صدعه الأيام خاصة وأن زوجها هو من طلب منها دعوة ابنتهما، وأنه يخاف على أسرته من الطير الطائر، ولو كان يعلم حقيقة بوجود من ذكرتهم وجيهة لما فكر باصطحاب أهل بيته إلى مكان مشبوه.

التزمت سراب الصمت ودمعة تلوب فوق جفنها، وعندما ودعت أمها لم تتمالك نفسها.. دخلت غرفتها وأغلقت وراءها الباب، وغرقت في بحر من الدموع تألما على أمها من تلك الصفعة التي وجهتها إليها وجيهة بأسلوب فج لم  تلتزم به أدب الخطاب.

وعندما دعتها حماتها لتناول الغداء اعتذرت منها بحجة أنها تشعر بالنعاس وهي بحاجة للنوم. لم تلح العجوز عليها بالطلب فقد أحست حقيقة بشعور سراب تجاه ما قالته ابنتها لوالدتها، واكتفت بتوبيخ وجيهة عندما انفردت بها في المطبخ، وطلبت منها الاعتذار من سراب ووالدتها، فأبت لأنها كانت تعتقد بأن ماقالته صحيح، وهي تخشى أن تلوك سمعة أخيها الألسن التي لاترحم أحدا.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

2 thoughts on “بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)6

  1. يحي المرباطي

    يسعدني ويشرفني ويرفعني ان ارد على مدونتك سيدتي المميزة


    حبك للفكر والقلم
    جعل منك ِ نحلة دؤوبة على الانتقال من وردة الى اخرى
    لجمع رحيق ( المنهل )

    احترمك

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: