Mryam M.Y

Just another WordPress.com weblog

بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر)5

4

 

كان عادل آخر من بقي على ظهر السفينة يودع جزيرته بعينين مغرورقتين بالدموع، جاهدهما في سبيل إخفاء شفقهما القاني عن أنظار رفاقه من البحارة الأشداء، الذين هم أيضًا ودعوا أهاليهم بحثًا عن الرزق الحلال خلف الأمواج على مدِّ النظر، الكثير منهم يحملون في صدورهم قلوبًا من حجر لايتركون عواطفهم تفتك بها وهم على سفر قد يعودون منه وقد لايعودون.

كان حزنه يمزق أعماقه، يفتت قلبه، ويقيد صبره، فهناك في الجزيرة ترك أمًا تقدمت بها السن وتلبسها الوهن، ولايدري أيعود فيراها بصحة جيدة أم تكون قد ودعت الحياة والتحقت بالحبيب الراحل الذي ظلَّ يشغل تفكيرها سنوات عمرها كله، وما زالت تعمل على أن يستمر نسله من خلال عادل؟ شعر بالحزن من أجلها، ماذنبها كي تكابد حسرة حرمانه من الذرية، وقد مرَّ على زواجه من السنوات ما حرمها السعادة مع أحفادها من ابنها الوحيد، مازال يتمنى أن يهبها هذه السعادة، فيرى الفرحة تشرق في عينيها أبدا فلا تميل إلى الغروب، وفي المقابل كانت دموع سراب تلمع في خياله وهي تودعه بقلب ماخفق إلا لأجله زوجًا وحبيبًا.
آه من الحياة ما أمر كؤوسها وما أضعف الإنسان في مقاومة العب منها حتى النهاية مجبرا كان أم راضيا.

 هو يعلم بأنه في سفره هذا سيواجه الكثير من المعاناة النفسية والعاطفية من حرِّ أشواقه لحبيبته سراب، ولأمه سيدة الحب الطاهرولكنه يعرف أيضا أنه مكره لابطل.

نظر نحو الجزيرة فبدت له كخيط رفيع يطفو فوق الماء في الأفق البعيد. اتسعت مسافة البعد الجسدي بينهم بفاصل مائي رهيب، بينما توحَّدت مشاعره بمن تركهما بقلبين يلهجان بالدعاء له ليحفظه الله ويرده إليهما سالمًا غانما. وعندما مالت الشمس للمغيب أحس بوحشة تقتحم قلبه فانزوى في مهجعه مرهقًا، وألقى برأسه فوق وسادته تاركًا لعينيه حرية البوح بحزنه دون قيود.

كاد صوت نشيجه يفضحه أمام رفاقه البحارة الذين كانوا يمرون أحيانا بجانب المهجع، لكن الله سلَّم أكثر من مرة وستر عليه، فأنقذه من ألسنتهم التي لاترحم، والتي ستظل تلوك قصة دموعه في ليالي الإبحار الطويلة، فيتندرون بها تسلية لوجودهم بعزلة عن البشر والحجر والشجر مابين سماء وماء.

بقلم
زاهية بنت البحر

 

 

 

 

 

 

 

4 thoughts on “بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر)5

  1. يحي المرباطي

    اسلوب رصين
    وحرف فعال
    وقدرة وااسعة على العطااااء

    لافض فوك ِ ياانثى

    Like

  2. zahya12 Post author

    قرأت الحلقة الآولى بطريقة سريعة ..لكن أكيد سأقرا جميع الحلقات وبطريقة متأنية
    بنت البحر زهية …قصة رائعة جدا خاصة وأنها تكشف اللثام عن جانب مهم في حياة إمرأة ..إخترت لها سراب ..وهذا في حد ذاته يشكل نقطة وقوف وتأمل ..لأنه يحمل أكثر من دلالة دون النظر إلى شخصية عادل هي الأخرى تستجوب الوقوف ..هنالك نقاط لاتزال في الظل حالما أجد الوقت الكافي سأقف عندها …
    القصة لها أبعاد إجتماعية رائعة ..جميلة جدا
    أستسمحكم الآن ..لي عودة

    أ.هشام شرف

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: